عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
قطرب
عضو جديد
رقم العضوية : 4828
تاريخ التسجيل : Jan 2017
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 4
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

قطرب غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 01-13-2017 - 02:52 AM ]


- و تصور الفارابي عن علاقة الألفاظ بمعانيها كان أنضج مما هو هنا في هذه المحاورة ، فهنا أفلاطون يقيس قياس واهما الاشتراك في العلة ، لأن تناول أفلاطون للفظ هنا على انه لفظ ذو معنى ، و ليس على أنه معنى منوط بلفظ ، و هذا ما جعلنا نغلب حكمة الفارابي على حكمة أفلاطون هنا ، لأني لا أدري عن أفلاطون أكثر من هذه المحاورة .
فيجب أن يكون مقدمات أفلاطون هي من المعقولات بغض النظر عن اللفظ المنوط بها كان صحيحا أو مغلوطا ، خاصة و أنه يجعل القلة و الكثرة في المتحدثين باللسان هو المعيار في الصواب و الخطأ ، فلا فرق عند القايس بين أن يجعل الرجل حصان أو الحصان رجل ، ما دام معقول الرجل هو الرجل ، و الحصان هو الحصان ، فهذا لن يجعل الحصان رجلا و لا الرجل حصانا في حقيقة الأمر ، و إن كان سيخل بالتواصل بينه و بين الناس .
و لكي الكلام مستقيما يجب تعديد الصدق و الكذب على حسب الشخص مع نفسه أو الشخص مع غيره ، فالشخص مع نفسه لا يكون هناك صدق و كذب على المستوى العقلي التصوري الفردي ، فكله صادق ، لأنه لا يُدرك أكثر مما ادرَك ، لأن معيارية الشخص لنفسه تكون معدومة مع عدم المنبه الخارجي . و مع الغير يكون تصور الصدق و الكذب للقضايا التي تتكون من الأسماء ، في نطاق الألفاظ أو الأسماء الدالة فقط ، أي انها في المدلول فقط ، و يكون الخطأ في علاقة الدال بالمدلول فقط ، و ليس المدلول في نفسه ، إلا أن يكون في نفسه مما تتفاوت الإدراكات فيه على حسب العلم و التجربة و التحقق .
فنحن نتكلم على قضية صادقة في مكوناتها و نتائجها إذا قامت عند الطرفين ، و لكن الكذب يأتي من ناحية الاسم و مسماه فقط ، كأن يكون هذا عنده باسم ، و هذا الاسم نفسه عند الأخر لمسمى أخر ، فالكذب هنا منشأه لفظي فقط .
و تصور الصدق و الكذب لا يجوز على علاقة الاسم مع المسمى إلا في حالة العلم بالحكمة عند الكل فيكون من باب الاحكام و ليس التصورات ، و لكن مجرد أن الاسم هو الوسيط ما بين المسمى و بين المدرك له بالطلب أو الابلاغ فلا يجوز عليه إلا الصحة و الخطأ . فهو مجرد علامة أو اشارة على المدلول .
- و من أحد الإستدلالات الأفلاطونية هي رد نسبية الأشياء بالنسبة للأفراد ، و القول بأن للأشياء ماهية ثابتة خاصة بها .
أولا لا بد من الاعتراف بمركزية المعرفة الفردية ، و لا يمكن التنصل منها ابدا ، فحتى مقولة ثبات الماهيات التي بالخارج هي نفسها ناتجة عن المعرفة الفردية و إدراكها للأشياء التي بالخارج عن طريق ما بالداخل للفرد . ثم لو أردفنا هذه الحقيقة بأخرى و هي أننا لا نستطيع الوقوف على حقيقة ما بداخل الأخر لمعرفة هل أدرك ما أدركناه كما أدركناه نحن ، فلا يوجد طريقة لفعل ذلك ، إلا عن طريق اللسان اللغوي ، و الاسماء التي بداخل هذا اللسان و مدلولاتها المعقولة و المحسوسة المنوطة بها هي الأخرى لا يمكن الوثوق من هذه الدلالة أنها تحدث في ذهن الأخر كما حدثت في ذهني .
و لكن ما يمكن قوله من هذا ، هو أننا نطمئن لمدلول هذه الأسماء و نطمئن لكيفية الإدراك البشري لما حوله ، و بالتالي نطمئن لهذه العلاقة أنها تحدث بقدر مماثل و شبيه جدا كما يحدث لنا ، و استدلالنا على ذلك هو التشابه الكبير جدا بين البشر في المعقولات و الذهنيات و المواد الخارجية و مدى إدراكنا لها ، و كبفية التعبير عنها بأصوات بشرية تتماثل بين البشر في كل مكوناتها و مدلولاتها ، و هذا ما يجعلها ممكنة الترجمة و التعلم من قبل الغير ، فكلنا نتفق على أصول معرفية و أصول عضوية مادية و كلنا داخل نفس المحيط بكل محتوياته الذي يتماثل في مكوناته و ظواهره على العموم و الأصول ، و يختلف في بعض الظواهر الفردية التي تميز مكان عن مكان أخر ، و من شخص لشخص أخر ، و قد يكون وجود هذه الإختلافات دليل يشير على التماثل بين البشر ، فقد جعل الله هذه الحالات الفردية دليل على التماثل المعرفي و العضوي .
و من الدلائل أيضا على هذا التماثل هو ردود الأفعال تجاه الظواهر الكونية و الماديات فالكل متفق على ادراكها و السلوك اتجاهها بإتجاه متشابه بقدر كبير يشوبه أحيانا قدر من التفاوت و لكن متناسب على قدر التماثل العضوي و المادي لما هو بالخارج ، فهذا التدرج هو ما يؤكد أصل التماثل و أنه يتدرج على تدرج قوة و استعداد الأعضاء و على طبيعة الجسم البشري ، فهذه الدلائل و غيرها ما تجعل الإطمئنان محله مقبول عقليا و وجدانيا .
و تؤكد النسبية المعرفية للأشياء التي بالخارج ، و لكن بقدر لا يخرجها عن أصل الإدراك البشري ، و إذا تفاوت يكون على قدر القوة و الاستعداد البشري . فهو تماثل و نسبية من وجهين ، فهو تماثل للدلائل السابقة ، و نسبية لإستحالة الوقوف على الحقيقة عند الغير لنفس المدلول .
و على هذا فليس هناك تعارض بين القولين الذين هما : أن الإنسان معيار الأشياء جميعا ، و أن الأشياء تكون بالنسبة لي كما تبدو لي ، و أنها بالنسبة لك كما تبدو لك . و بين القول الثاني : أن للأشياء ماهية ثابتة خاصة بها .
فالإنسان هو معيار للأشياء سواء في حالة : النسبية ، أو في حالة الثبات ، فهو حكم تصوري معرفي ينتج من داخل الإنسان نفسه بتفاعله مع الأشياء التي بالخارج عن طريق ما بالباطن ، و النسبية لا تعني التضاد و لا تعني الاختلاف المعنوي ، و لكن تعني اختلاف تدرج لنفس الشيء ، فالتماثل هو في هذا الإدراك و النسبية هي داخل هذا الإدراك نفسه ، بما لا تخرجه عن التماثل ، و نحن لا ندعي التماثل الذي هو عين الشيء لأن ذلك في حكم الإستحالة العقلية و العملية لأنه لا توجد وسيلة أو أداة تجعل الإنسان يقف على ما بداخل إنسان أخر كما يقف الإنسان من نفسه ، و بالتالي التماثل هنا محله السلوك و الإنفعالات و التوجهات البشرية لنفس المدلول أو المعقول : الذي أشرنا له بلفظ معين عند نطقنا له ، أو رد فعل حسي ظاهري ، أو شعور وجداني يمكن التعبير عنه .
- و معارضة أفلاطون على النسبية المعرفية و هي (لو كانت الحقيقة أن الأشياء هي كما تبدو لأي شخص ، فكيف يكون بعضنا حكيما و بعضنا أحمقا ؟ )
و وجه معارضته لا تكون صالحة إلا من خلال إدراك بعض البشر لبعضهم في الحكمة و الحمق ، فالإفتراض التصوري من أفلاطون عن النسبية أن كل البشر على حق ، لأن أحاد البشر على حق ، لأن كل فرد يرى ما يراه على أنه هو الحق ، و ما دام لا يرى إلا حقا فلا يمكن تصور أن هناك تمايز يحدث له ، لأن الشيء الذي هو بالخارج ليس له حقيقة ثابتة بل هو يبدو لكل شخص كما يبدو له .
و إن كان هذا تصور الفيلسوف للنسبية فلا نوافقه عليها كلها ، و لا نردها كلها ، و لكن على تفصيل فيها ، و هو كما نوهنا سابقا ، و نزيده على ذلك بأن :
الصواب مغاير للحقيقة ، لأن الصواب يحتاج معيار يحكم على الشيء بمثال سابق يقارن به لمعرفة الصواب من الخطأ ، بمقدار ما يمثل الشيء من المثال العياري ، أما الحقيقة هنا فهي الإدراك المجرد عن الأحكام ، و هي لا ارادية و لا قصدية بل هي ما يحدث للإنسان من تصور لمعقول ما عن طريق تكامل حواسه مع عقله بمعاونة الفطرة ، فهي تلقائية و لا يمكن الخروج عنها إلا بتمايز داخلي يتم بمعونتها أيضا . و هي أساس لمفهوم الصحة و الصواب و ليس العكس .
و على ذلك فإدراك الشخص للأخرين كأحد الأشياء الموجودة يكون بالنسبة له حقيقة و لا يمكن تصور غير ذلك ، و ليس معنى ذلك أنهم متماثلين فلا يفرق بينهم و يمايز بينهم على أساس الصواب و الخطأ ، و هو في الحالتين تصور فردي على حقيقة الأمر لأنه لا يمكن الوقوف على حقيقة أخرى لشخص أخر كما نقف من أنفسنا . و أما الحكمة و الحمق فهي نسبية ما بين الشعوب و الأمم في كثير منها ، بل داخل نفس الأمة ، فمثلا اليونانين فمنهم من يقول بعكس قول الأخر ، فهل يعتبر كل واحد منهم الأخر حكيما ، فكلٌ يرى ما يراه حق بكل تأكيد ، و مع ذلك يدرك تمايز الأخرين من حوله .
و إذا افترضنا أن كل إنسان يرى ما يبدو له على أنه هو الحقيقة فهذه هي دنياه بكل ما فيها ، و الأخر له دنياه بكل ما فيها ، و الثالث و الرابع ... و هكذا . فلا بد أن يلتقي البعض على رؤية ما لشيء ما ، و يختلفوا على رؤية ما لشيء أخر ، و على ذلك فنظرتنا نحن المراقبين لهم غير نظرتهم لأنفسهم و لبعضهم البعض ، فعلى أي إعتبار نأخذ للتصور الصحيح لمثل هذه المسألة . فلا يمكن تصور أمر ما على أنه ثابت لمثل هؤلاء ، فيلزم أن يكون منهم من يراه بصورة غير الأخر ، فيتفقوا و يختلفوا على نفس الأمر ، فالتمايز يقع من المجموع كمجموع ، و لا يقع من كل واحد منهم مع نفسه ، و على ذلك فتصور أفلاطون بأنه لن يوجد إنسان أكثر حكمة من الأخر مجانب للصواب ، لأن جمع مثل هؤلاء مع هذه النسبية منهم في الإدراك فلا بد أن يقع منهم اتفاق و اختلاف لنفس الأمر بعينه ، فمن اتفق منهم سواء بالسلب أو بالإيجاب فهو من يُوجِد النسبية لنفس الإنسان المُدْرَك على أنه أمر ما فيما نوهنا سابقا ، فيكون عند البعض حكيما و عند الأخر ليس بحكيما ، و بينهم درجات نسبية ، و كل واحد منهم لا يرى إلا ما يراه إلا أنه حقيقة . و بهذا يكون نفس الإنسان حكيما و ليس بحكيم بدرجات ، و في نفس الوقت يكون هناك من اتفقوا على حكمته و من لم يتفقوا على حكمته . و بهذا يظهر الجمع بين النسبية الفردية في الرؤية و الإدراك بأن كل إنسان لا يرى غير ما يراه و هو عنده الحقيقة ؛ و بين التمايز و التفاوت للأشياء في إدراكها من هذا الجمع البشري ، و هذا تمشيا مع رؤية أفلاطون عن النسبية المعرفية للفرد و إن كنا نشك في أن هذه حقيقتها عند قائلها و صاحبها أو حتى متبنيها .


رد مع اقتباس