عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
قطرب
عضو جديد
رقم العضوية : 4828
تاريخ التسجيل : Jan 2017
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 4
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

قطرب غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 01-13-2017 - 02:50 AM ]


- على لسان سقراط : " معرفة الأسماء هي جزء هام من المعرفة . " ص92.
و فيه أن المعرفة تتجزأ ، و أن معرفة الأسماء من هذه الأجزاء الهامة في المعرفة ، و هذا موافق لنظرة الفارابي في أن الألفاظ من مهام المنطق و لكن من حيث مدلولها العقلي فقط ، و لكن في جميع الأحوال فمعرفة الألفاظ هامة جدا لنقل الأفكار و التعليم و التعلم ، و لذلك فالألفاظ محط لإهتمام كل المشتغلين بالعلوم ، و لكن تتفاوت على موضوع كل علم ، فالفلسفة تتناولها كأي موجود من الموجودات ، و المنطق يتناولها من مدلولها فقط ، و النحو من حيث هي ألفاظ لها مدلولات .
و لكن أهمية معرفة الألفاظ لها بعد أخر ، لا يظهر إلا بالتدبر و الدرس ، فيظهر أن الألفاظ في نفسها تتناسب مع ما تؤديه من معنى ، و أن بينهما قانون ينظم هذه العلاقة ، هذا القانون يتوقف الباحثين عنده بشيء غير قليل من الحيرة و التأمل المشوب بالغموض ، فمن قائل أنه هو قانون الطبيعة ، و من قائل أنه من صنع الفلاسفة ، و من قائل أنه من صنع المشرعيين و القانونيين ، و من قائل بل هو من صنع الأوائل من البشر بما اقتضت به الحاجة البيانية ، و من قائل انه فوق قدرة البشر و أنه من صنع الإله أو الألهة .
و قد تتداخل بعض هذه التصورات على بعض حسب تصور الباحث و عقيدته ، و يمكن توجيه أحدها للأخر بترتيب معين يتقتضيه مذهبه العقلي أو الديني ، و المهم هنا في هذه اللافتة أن مذهب الفارابي هو نفسه مذهب الأوائل من الفلاسفة في نظرتهم لنشأة اللغة ، و لكن مع تعديل بسيط لكي لا يتصادم مباشرة مع الشريعة الإسلامية ، فهل هذا تقليد منه لهم أم توافق عقلي مذهبي فقط أم توسط و تعديل بين المذهبين الاسلامي و الوثني فيما يخص اللغة و اللسان .
و ما ارتضاه أفلاطون على لسان سقراط في كثير من الأحيان هو نفس المعنى و التصور الإسلامي بدون متعلقه و المسبب له طبعا ، فالفارق هو أن المسلم قد يقول أن اللغة توقيف من الله ، و هذا معناه العملي و الواقعي ليس أكثر من هذا القول : أن هناك قانون يحكم الأسماء مع مسمياتها ، و أن هناك تناسب بينهما يمكن الوقوف عليه من خلال التأمل في المسمى و ما اقتضاه من معاني و صفات جعلت له هذا الاسم بالذات ، فكثير من الأحيان يمكن الوقوف على ذلك ، و القليل يمكن رجوعه لأسباب أخرى يمكن معرفتها لاحقا أو لا يمكن معرفتها و لكن يعرف أسباب عدم معرفتها .
اما معرفة الأصول الجذرية و مناسبتها لذواتها سواء العقلية أو المادية فهذا من الصعوبة بمكان لا يمكن الوقوف عليها ، و هذا مرجعه بالنسبة للمسلمين هو أن الله لم يوقفنا على خلقنا ، و أن اللغة و اللسان هو من تمام خلقه لبني البشر ، و إذا دارت المسألة و تعلقت بموضوع الخلق فيقف العقل و يعجز عن ذلك ، لأن ذلك فوق قدرته على التعقل و التصور ، و هذا لأن مادته الأساسية التي منها يبني التصورات و المعقولات تكون على حسيات و أشياء معقولة بالفعل ، و لذلك عندنا في الإسلام يوصف الله ما غاب عنا بعدم سماعنا له و بعدم رؤيتنا له ، و بعدم خطوره على قلب بشر ، فإذا انتفى تعلق الشيء بالحاسة البشرية انعدم تصوره و تعقله ، و أصبح غيبا و لا يمكن ابدا بناء تصور له .
و لذا تجد أفلاطون على لسان سقراط كل قياساته و منابع استدلالته من الماديات ، فهو ينظر في المحسوس و ماهيته و بعد ذلك يقيس عليه موضوع و محمول المسألة المدروسة و هي الأسماء ، و يخلص بعد ذلك لوجود مثالات أولى على أساسها يحتذي الصانع أو الذي يقوم بالتسمية ، هذه المثالات الأولى هي ذهنية و ليست مادية ، اقتضتها الحاجة و البيان للتواصل و الاستخدام ، و هو يرى أنها تقع على وفق القانون العام للطبيعة ، و قد سبق و نوهنا على أن هذا المعنى العملي هو معنى إسلامي ، و يمكن القول أن المثالات الأولى عند أفلاطون هي التي تماثل الفطرة عند المسلمين ، و أن هذه الفطرة في حالتها الأولى يقع منها كل شيء من تصورات و ترسيد معقولات و تنويه عليها و الحث كلها تقع و تنبع من نفس المشكاة الإلهية ، و أن هذا التناسق و التلائم و الوقوع على نسق واحد يمكن ادراك حكمته بقليل من التدبر و التخلي عن الانحياز المسبق فيظهر بجلاء للباحث ، و بهذا يكون قانون الطبيعة هو من فطرة الله في كل شيء ، للإنسان و للكون من حوله ، فكله من صنع نفس اليد فلا يمكن تصور أي خلل أو عدم توازن ما بين كل شيء في الوجود خاصة مع كمال الحكمة و العلم و القدرة .
و هذا ما ألجأه في بعض الأحايين أن يعترف أن هذه المسألة و تصورها أكبر من قدرة البشر و أنها ترجع للإله لما لها من حكمة بالغة و احاطة بماهيات الموجودات ، و هذا ما لا يطيقه أي بشر ، ففكرة القوي العليم القادر المطلق هي متأصلة في النفس البشرية و هذا شعور حتمي عند العجز و الضعف الذي يشعره الإنسان في مواقف كثيرة ، و يستشعره إذا فكر و تدبر في أمره و أمر الكون من حوله ، و المسلم قد شهد بإله واحد لكل الموجودات فأعطاه و أناط به هذا التوجه فيما يلتمسه من حكمة أو وقف عليها ، و أي فكرة أخرى غير التوحيد لا بد و أن تلجأ صاحبها لنوع من التفسير المادي المنوط بالعقل ، فيتصور علاقته مع الله أو مع شركاؤه من الآلهة الأخرى على نمط الواقع الحسي العقلي ، فيكون أعوانه أو ابناؤه أو شركاؤه أو شفعاؤه أو غير ذلك . و كلها معان عقلية منوطة بالحس .
فعند اعترافه بالعجز يلجأ لفكرة الإله ، و ليس شهود بقدرة الإله ، فهو مطية للتعليل عند العجز فقط و ليس حاضرا في الوجدان كعلة لكل شيء .

››› إنّ فكرة الاصطلاح و الاتفاق هي فكرة قد تتسع أو تضيق على المعنى الذي يحمله القائل بهذا القول ، فيمكن القول بها و هي تعم معنى الطبيعة في الأسماء إذا كان القائل من يقول أن الواضع الأول يضع الاسم للمسمى ، و هذه العملية كلها محكومة بقانون الطبيعة ، فيكون الاسم مع المسمى طبيعي و هو في نفس الوقت اصطلاحي ، أي بمعنى أن واضعه بشري أو قلة من البشر يمتهرون في هذا و يفعلونه عن حكمة و المام بالماهية التي يسمونها بالاسم فتلبي هذه التسمية كل مواصفات و مميزات هذه الماهية بما لا تسمح لهذا الاسم أن يتناول ماهية أخرى معه .
أما من يقول بالاصطلاح و التوافق على معنى الإعتباطية التوافقية من دون إلمام بالماهيات و الخواص و الحدود ، فيسمي هذه الماهية بهذا الاسم و هذه بهذا الاسم ، و ما دام يكفيه في التفرقة اللفظية على الماهيات المختلفة فلا ضرار في هذا ، و تكون رؤيته صحيحة على أقل الأحوال مع نفسه ، و إذا انتشرت تسميته و قوبلت بالاستخدام فقد تجاوز الأمر الفردية و أصبحت جماعية فدخلت في ماهية اللسان . و هذا الشخص الذي هو الواضع الأول ، فإحتمال الحكمة في وضعه للاسم تترواح ما بين النفي و الإثبات ، فإن لم يكن حكيما فيلسوفا أو مشرعا للناس ، فيكون وضعه عار عن الصحة و الحق ، و لكن لو قدر و انتشر هذا الاسم لهذا المسمى فكيف يكون الوصف لهذه العملية ؟
فهل ستعتبر من ماهية اللسان الذي هو حق و صواب أم سيكون غير ذلك ؟ و قد يكون هذا هو المثال الذي قابل أفلاطون بلسان سقراط : في اسم الحكمة و النار و غيرها ، فإنه لم يستطع ردها إلى اشتقاق أو مناسبة ينطلي بها حكمة من سمى هذا الاسم ، فقد لجأ إلى تعليل أخر ، فقال إن هذا لفظ أجنبي و غير محلي ، و قد يتحقق مغزى كلامنا أيضا من خلال تعليله لأسماء الألهة لنفسها أو لغيرها ، أن هذا خارج عن نطاق البشر و انه مسلم له بالغ الحكمة و العلم . و هذا يتضح من عدمية الوثوقية المصدرية لكلام الإله ، فقد يكون من وضع شاعر أو خطيب ما ، كما يعتمدوا على كلام الشعراء و الحكماء الذين يبلغون عن الألهة . فهو احتمال قائم و مقبول عقليا .
ثم هناك تعليل أخر يلجأ إليه عند تعذر التعليل و الرد إلى أصل معتبر أو وجود مناسبة مع مقاطع من نفس الاسم ، أو مع اسم أخر ، فقد يرجعه إلى تغير بعض الحروف من قبل الناس و العهد الطويل ، فقد يلجأوا لذلك للتسهيل أو للتنميق الذوقي للأصوات ، أو لتجميل شكل الفم و الشفتين في النطق ، أو هروبا من قسوة الاسم و التصريح فيموهوا على ذلك بالتخفي في حذف بعض حرف أو زيادة بعض حرف .
- و فكرة الاصطلاح تكون أظهر ما يمكن عند تناولها بالتفسير للألقاب و الأعلام ، و مفهوم اللقب و العَلَم مغاير لمفهوم التسمية ، لأن مفهوم اللقب يتدخل في وجوده عومل إنسانية قد تبعد كل البعد عن المقصد الحقيقي للاسم الذي هو لقب ، فقد يكون للتمني و قد يكون للتهكم و السخرية ، و قد يكون للتبرك و غير ذلك من أغراض بشرية ، بالإضافة إلى أن الملقب هو له حقيقة اسما ، قد يكون نوعا أو جنسا ، المهم أن له اسما يحمل معنى مناسب لهذه الماهية بحكمة معلومة أو مجهولة فلا يؤثر على أصل الحكمة عدم وقوفنا عليها ، و هذا هو الفارق بين الاثنين ، و عليه يكون قياس خاطئ و مضلل ، فقد يجتمعوا في شيء و يفترقوا في شيء ، و مما قد يفترقوا فيه ، تعيين الملقب و فرديته ، فهذا غير ملزم للعموم و لا ينسحب لغير هذه الذات بعينها ، حتى و لو كانت مشابهة مع غيرها ، لأن من غرضه أساسا أن يحقق الفردية و الخصوصية .
و فكرة الاصطلاح ليس لها معنى لنفس الفرد فقط ، لأن الفرد يكفيه معقولاته التي ادركها بحواسه فقط و بفطرته ، و على هذا يستطيع الحياة و التعامل مع باقي المخلوقات التي حوله ، أما الإصطلاح لا يكون له كينونة و ماهية إلا بأكثر من واحد يتحقق بهذا الاصطلاح التواصل البياني عن المكنون النفسي و العقلي ، و بنفس النمط لا يمكن تصور واحد غريب عن هذا الاصطلاح فيستطيع التواصل معهم فهما و إفهاما ، فلا بد من الجماعة كلها المتواصلة مع بعضها من هذا الاصطلاح ، و لا يمتنع وجود أكثر من لسان لنفس الشخص الكائن بينهم ، لأنه و لا بد من التفكير و الكلام النفسي ان يكون بلسان واحد و غالبا ما يكون الفطري الذي تعلمه و هو صغيرا ما دون السادسة أو العاشرة على الأكثر . فيكون ربط صوت لسان بصوت لسان أخر لنفس المعقول ، فالعلاقة ما زالت كما هي : صوت منوط بمعقول ، و لكن قد يتعدد الصوت لنفس المعقول فقط .
ثم مع نفس الشخص الذي يتخيل أنه يضع اسما ، فإنه و لا بد من وضع اسم لذات بغرض تمييزها عن غيرها في الاسم لتغايرها في الذات ، و هو عند وضع هذا الاسم لهذه الذات و وضع هذا الاسم لتلك الذات ، يكون كمن يرجح شيء عن شيء بدون مرجح ، و هذا فعل لا يقدم عليه الإنسان بعقله إلا عند العجز الملجأ لبيان الحق في المسألة ، و إما لهوى و غرض لأن يميل لشيء عن شيء . و هذا المعنى معدوم لمن يضع اسما لذات ، مع توفر هذا الكم الهائل جدا من الأسماء التي يستطيع توليدها و الكم الهائل جدا من الذوات في الخارج ، فإن لم يكن هناك نظام و وضع تصوري مسبق يحكم سير التسمية سيختلف عليه الأسماء و هذا هو معنى الاعتباطية و العشوائية ، فهي لا تعطي احتمالات كثيرة معنوية لأن يكون لها مردود ذو غرض . لأن كل شيء محكوم بقانون عام لا يخرج شيئا عنه ، فإن كان هناك احتمالات ممكنة لنفس الغرض و تحقيقه ، فهذه ليست عشوائية ، و لكن مدى و متسع محكوم لعدة طرق تؤدي لقدر مشترك بينها في التحقق ، هو غرض و مقصد الفاعل و لا يدرك ما يزيد عن هذا القدر فلا يراه ، فيظن تماثل الطرق و الاحتمالات لنفس الغرض .
إما ادراك الذات كذات فليس هناك طرق و احتمالات لإدراكها لأنه لا تتوقف على الشخص في شيء يذكر ، فكل من يشترك في هذه العملية هو مخلوق و محكوم بنفس القانون العام ، فلا يمكن تعدد الاحتمالات لإدراك الذات ، بأن تتباين الذوات في كل مرة إلا أن يكون ذلك من محكوم القانون العام ، لدخول مانع أو عارض أو فوات شرط ، و هذا أيضا لا يورد عليه تغييرات إلا في النادر جدا ، فتماثل الحواس و كمالها و وجود الفطرة و العقل في كل إنسان يجعل هذه الذوات متماثلة لأن تدرك بنفس الكيفية و بنفس التصور و لكن التعليل هو الذي يختلف من شخص لشخص على حسب عدة عوامل .
فمع كل هذه التماثلات التي ما بين البشر في الخِلقة و واحدية القانون العام لم يبقى للبشر مجال لأن يكون لهم تصرف يغير مجرى الأمور لأن يكفي نشأة لسان كاف تام للبيان العقلي و الوجداني من تباديل و توافيق لبعض المقاطع الصوتية بطريقة اعتباطية اصطلاحية ، و لو حتى سلَّمنا جدلا أنهم وضعوا اللسان مع هذه الحكمة البالغة في وضع الاسماء مناسبة لمسمياتها ، و وضع تقسيم لفظي يقوم عليه البيان و التصوير العقلي على كافة مستوياته سواء الحالية لوضع اللسان أو لمن يأتوا بعدهم ، فهذا الناتج الصوتي اللساني لهم لم يكن لهم فيه فضل ، أكثر من توجيه و انفعال للقوة التي خلقوا عليها من الفطرة اللغوية مع المدروكات التي بالخارج المخلوقة لنفس الإله . فكأن كل ذات و ماهية تستدعي لفظها المنوط بها من المخزون اللغوي الفطري ، المحكوم بالقانون العام ، فيجري على لسان الإنسان على جري الوظائف المنوطة بباقي المخلوقات من جسمه و عقله ، فكلنا لا يشعر بحدود جسمه و لا بأعضائه إلا في الأعضاء التي فيها اعصاب تعطي الإشارة بالألم فقط ، و مفهوم الألم لا يجري على العقليات و الفطريات و لذلك فلا يشعر الإنسان به كشيء مستقل عنه أو منه ، فمن منا يراجع عينه أو أذنه أو عقله فيما يمليه عليه من مدروكات ، خاصة في بداية حياته و في بداية أي انطباع أو ادراك ، فمن منا يصدق احدا يقول له أن ما تشعر به الأن غير حقيقي ، فإنه لو كان شعور لذة لاستزاده المستشعر مع مخالفة دعوى الأخر ، و لو شعور ألم لجزع منه مع مخالفة دعوى الأخر ، هذا كشعور وقتي من حيث هو شعور فقط بغض النظر عن العواقب ، فقد يتحمل الألم لغرض أخر بعده أو مرتبط به أو يستزيد من اللذة مع علمه بالألم المستعقب لها .
و إدراك أفلاطون هذه الحكمة في التسمية مبني على تسليمه حكمة الجذور اللفظية ، لأنه منها يشتق أو يولد أو يرجع لفظ لأخر ، فكل قاعدته البيانية التي تقتضي الحكمة لواضعها ؛ يضعها واهما للفيلسوف أو الحكيم أو المشرع القانوني ، و كان يجب عليه أن يلتزم ما ألزمه عقله و فطرته أن الإله هو الذي وضع هذه الأسماء ، لانه عندما يقترب منها يعجز عقله و تأبى فطرته أن ينسب هذه الحكمة و القدرة العظيمة لبشر ، مع إنه و هو من الحكماء و الفلاسفة يعجز عن الوقوف على حكمة واحدة لكلمة واحدة ، فما بالك بتصور واضع هذه الألفاظ كلها ، و واضع هذا القانون الطبيعي الذي يجري على كل الموجودات .


رد مع اقتباس