-نظرة في النظرة الثالثة:
أقول: إن باب التقعيد غيرُ باب الشرح والتوضيح، فالأول مقام إجمال وإيجاز والثاني مقام تفصيل وتمثيل، وذِكْرُ القاعدة بلفظ موجز لا يعني إنكار ما يُستثنى منها، فالغرض تسهيل الحفظ للتذكير، أما الشرح فيأتي في معرض آخر كما فعل الشيخ في كثير من هذه القواعد في صُلب كتابه.
وإيراد الشيخ لقاعدة: "الجمل بعد النكرات صفات وبعد المعارف أحوال"ليس فيه ما يكدِّر صفوها ويطمِسُ زهوها - كما ذكر الفاضل بلعيد -؛ لأنها قاعدة مشهورة وقانون عام، وكونها قد قيَّدها المتقدمون بقيود فلا يخرجها عن كونها قانونًا، والاستثناءات لا تبطل القاعدة، وقد جرى المعربون على سبيل التقريب-كما قال ابن هشام في مغني اللبيب- على قولهم: "الجمل بعد النكرات صفات وبعد المعارف أحوال"، ثم شرح المسألة مستوفاة كما هو معلوم معروف لمن له صله بالنحو.. فالإيجاز في عبارات القواعد مما درج عليه العلماء، حتى إن خرج عنها عشرات الاستثناءات، فإنهم لا يراعون ذكر الاستثناء في نص القاعدة بل في شرحها فحسبُ، ومنها على سبيل المثال قول الزركشي: "إذا اختلف القابض والدافع في الجهة فالقول قول الدافع"، "إذا اختلفا في الصحة والفساد فالقول قول مدعي الصحة"، "الأصل في العقود بناؤها على قول أربابها"...ففي كل هذه القواعد كان الزركشي يشرع بعدها في شرحها وذكر فروعها وأمثلتها ثم بعد كلام طويل يذكر استثناءات القاعدة وما خرج عنها...فالاستثناء لم يمنع المصنفين من أن يعبروا عن القاعدة بلفظ عام يسهل على الحفظ والترداد والذِّكر.
وعدم ذكر الشيخ المسألتين في قاعدة"الصالحُ لِعطف البيان صالحٌ لِلبَدلية إلا في مسألتَين" مع أنهما مذكورتان في الألفية لم يُذْهِبْ فائدة القاعدة، ضرورة أن شرط صياغة القواعد يختلف عن شرط صياغة التعريفات والحدود، فالتعريف والحد من شرطه أن يكون جامعًا مانعًا، أما القاعدة فالأصل أنه لا يشترط ذلك فيها، بل يشترط انطباقها على جزئياتها كلها أو أكثرها، ولا يُشترط أن يُذكر لفظ الاستثناء في نص القاعدة، ولا الفروع التي تندرج تحتها، ولا التفريعات التي تُستخرج منها، ولا الاستثناءات التي تخرج عنها، وهو ما جرى في عرف مصنَّفات القواعد الفقهية، فإنها كانت تفرق بين "القاعدة" ، و"الفرع"، و"التفريع"، و"الاستثناء".على أن الدكتور الحربي ذكر هذه المسألة في الكتاب نفسه ص 334، في آخر شرح باب العطف، واستشهد بقول الناظم:
افترق البدل والبيان في *أشياء إن عدتْ ثمانيا تفي
ولكنه أراد فيما يظهر المسألتين اللتين استثناهما ابن مالك رحمه الله.
أما قول الأستاذ الفاضل: "وكقولِه: (لا بُدَّ لِلظروف والحروفِ مِن التعلُّق)؛ فيقال له: فبأيِّ شيءٍ تَعلُّق (مِن) و(رُبَّ) مثلًا من قوله تعالى: {وما له في الآخرة من خلاق}، وقولِ امرئ القيس:
ألا رُبَّ يومٍ لكَ مِنهُنَّ صالح؟"
فلا محل له هنا؛ لأن الشيخ ذكر في قاعدته: (والحروف) على إطلاقها، والحرف في باب الجر عند إطلاقه لا ينصرف في عرف النحاة إلا إلى حرف الجر الأصلي، وهو ما توقف عليه المعنى واحتاج إلى متعلق مثل: "أكلتُ بالملعقة"، أما المثالان اللذان ذكرهما الأستاذ فأحدهما لحرف جر زائدٍ، والآخر لحرف جر شبيه بالزائد، ومعروفٌ أنهما لا يحتاجان إلى متعلق -كما أشار الأستاذ- لكن الشيخ لم يقصد في قاعدته هذين النوعين من الحروف، بل كلامه عن القاعدة الأغلبية الأكثرية وهي أنه:" لابد للظروف والحروف الأصلية من التَّعلُّق" لكنه لم يذكر كلمة (أصلية) لانصراف الذهن إليها عند الإطلاق، فذكرها يكون عبثًا لا فائدة منه، أما ما يحتاج إلى متعلق من حروف الجر فقد أطلق عليه النحاة (زائدًا) أو(شبيهًا بالزائد)، فهما بمثابة الاستثناء الذي لا يُراعى لفظه في نص القاعدة الكليَّة...وهذا ما فعله السيوطي بالفعل في الأشباه والنظائر(1/282) ولفظ القاعدة فيه: "الظرف والمجرور لابد من تعلقهما بالفعل أو ما يشبهه أو ما أول بما يشبهه أو ما يشير إلى معناه". ثم جعل حرف الجر الزائد والشبيه به من المستثنيات من هذه القاعدة.
-نظرة في النظرة الرابعة:
في قول الأستاذ: "ومِن ذلك – وهو أهمُّ أوجه الانتقاد عليه – أن القاعدةَ حكمٌ كُلِّي أو أكثريٌّ يَنطبق على جَميع جزئياته أو أكثرِها لِتعرف أحكامها منه، وهذه المائةُ المذكورةُ غالبُها ليس مِن القواعد الكلية في شيء، وإنما هو مسائلُ جُزئية لا أكثرُ.."
فإن الشيخ لم يدَّع أن تلك القواعد كلها كلية، بل ذكر أن منها ما هو عام ومنها ما هو خاص، وهذا نصه: "والقواعد المئة التي اجتهدت في وضعها منها ما هو خاصٌّ، ومنها ما هو عامٌّ، وقليل منه مستعار من القواعد الفقهية".
وفي قوله: "ويَظهرُ مِن تتبُّعها واستقرائها أن واضعِيها لم يَقولوا فيها مثلًا: (اليمينُ كـ«أقسمتُ بالله» والنذرُ كـ«نذرتُ لله») كما قال هو: (اسم الفعل كـ«صَه» واسمُ الصوت كـ«قَب»)، أو (الصلوات المفروضة خمسةٌ فقط) كما قال هو: (المعارف سبعة فقط) وقال: (المفاعيل خمسةٌ منصوبة)، أو (الطلاقُ سُني أو بِدعيٌّ) كما قال هو: (المصادر مَقيسةٌ أو منقولة)، أو (الأصلُ في رفع الحدث الماء) كما قال هو: (الأصل في النداء بـ «يا»)، أو (الأذان والإقامة: ألفاظٌ مخصوصة) كما قال هو: (الضمائر والإشارة والموصول: ألفاظٌ مَحصورة)، أو (خيارُ المجلس يَسقُط بالتفرق) كما قال هو: (همزةُ الوصل لا تَثبت في الوصل)، أو (يَحرم من الرضاع ما يَحرُم من النَّسب) كما قال هو: (ما استحقَّه النداء استحقَّه المندوب)، أو (الجمعُ بين صلاتَين جائزٌ) كما قال هو: (عطفُ الفعل على الفِعل يَصح)، أو (لا طلاقَ إلا بعد نِكاح) أو (تقسيمُ التركة إنما يكون بعد إنفاذ الوصية وقضاءِ الدَّين) أو (البيعُ جائزٌ والربا ممنوع) أو نحوها مما لا يخفى على مِثلِك".
أقول: بل قال النحاة مثل ما ادّعيت أنهم لم يقولوا مثله، وهاك الأمثلةَ من كتاب الأشباه والنظائر للسيوطي:
1-قاعدة:"قد يكون التعويض مكان المعوض كما قالوا: "يا أبت".
2-من تقارض اللفظين إعطاء (غير) حكم (إلا) في الاستثناء بها، وإعطاء(إلا) حكم (غير) في الوصف بها.
3-الأشياء التي لا يجوز تقديمها ثلاثة عشر.
4-حكاية الحال من القواعد الشهيرة.
5-"الرابط يُحتاج إليه في أحد عشر موضعًا".
6-القاعدة العاشرة من فنون كلامهم القلب وأكثر وقوعه في الشعر.
7-كثرة الاستعمال اعتمدت في كثير من أبواب العربية
8-النون تشابه حروف المد واللين من ستة عشر وجهًا.
9-حمل الشيء على نقيضه فيه فروع.
10-سبك الاسم من الفعل بغير حرف سابك فيه نظائر.
إلى غيرها من القواعد التي ذكرها السيوطي بألفاظ مختلفة وهي بمثابة الضوابط والأصول،،،زِدْ عليه أنه لا يُشترط في صياغة القواعد النحوية أو أي قاعدة في أي علم من العلوم أن تكون جاريةً على سنن القواعد الفقهية، موافقةً لها مِنْ كل وجه، فإنه لم يقل أحدٌ ذلك، بل يكفي أن تكون صحيحة في نفسها من حيث الحكم الذي ينطبق على جزئياته، سليمة من حيث التعبير والصياغة التركيبية، فالفقه والنحو علمان مختلفان شكلًا وموضوعًا، وبناء عليه ستختلف قواعدهما، والشيخ لم يدَّع أنه جرى في قواعده المئة على منهاج الفقهاء على الوجه الذي نهجوه تمامًا، ولا ادَّعى أنه استعارها كلها من قواعدهم ونصُّه شاهد بذلك كما ذكرنا سلفًا.
-نظرة في النظرة الخامسة:
في قول الأستاذ: "لو أنَّ هذه القواعد بقيتْ في مقدمة شرح الألفية المذكور ولم تُجاوزها، لَسهُل أمرُها وهان خطبُها، إلَّا أنَّ تكرُّرَ ذكرِها في مواضعَ عديدةٍ ولا سيَّما بعد أن اعتمَدها مَجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية – وهو بِرئاسة الدكتور المذكور – في تقويمه، اضطرَّني إلى التنبيه على ما فيها".
أقول: ما الضَّيرُ في أن يذكر المجمع تلك القواعد في تقويمه اليومي على نحو الرسائل التذكيرية لطلابه المتابعين له - وهم كُثر والحمد لله – ألا يُعدُّ هذا ضربًا من الإفادة والتنبيه المستمر على أهمية علم النحو، وأنه علم ذو قواعد يجتهد فيه مَنْ يجتهد ليستخلص القواعد المفيدة المجتمعة من شوارد فروعه، المهذَّبة من موارد مسائله ومباحثه، فيتحفز الطالب على البحث عن مضمون تلك القاعدة وفروعها وما تصدق عليه من أمثلة ونظائر، وهو باب عظيم من أبواب تشجيع الطلاب كي يقبلوا على هذا العلم، ويدرسوا مسائله ويحفظوا قواعده، وهذا نوع تيسير لا يعوق سبيل الطلب، بل هو درجة في درجات سُلَّم الدَّرس والبحث، فالتدرُّج سمة العلم، وكل بَذْلٍ يبذله القائمون على أمر حماية اللغة مقبول محمود وإن قلَّ، لاسيما أنه لا يغلق أمامهم أبواب القديم وتراثه فهو مفتوح على مِصْراعيه لمن شاء متى شاء، وأيَّمَّا يجتهدِ المجتهدون في ذلك فلهم التقدير والشكر على ما بذلوه من جهد، وما فعله الأستاذ الفاضل بلعيد لا يعدو أن يكون شرحًا وتوضيحًا لتلك القواعد ولفتًا إلى بعض مستثنياتها، وتفصيلًا لبعض مجملها، ولا يُعدُّ في نظري نقدًا أو ثلبًا، فأهل العلم يكمِّل بعضُهم بعضًا، فحسبه أنه اجتهد، وحسبنا أنا وفَّقنا بين القبيلين، وسعينا في الجمع بين الجهدين،،والله خير موفق