عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 01-06-2017 - 06:26 AM ]


ومن أطرف ما في هذا الأمر أن جماعة من النحويين لا يجيزون تقديم خبر المبتدإ عليه إذا كان معرفة(37) فلا يجيزون أن يقال: "أخوك زيد" والمراد "زيد أخوك" ومن حججهم أنه يقع الإشكال فلا يعلم السامع أيهما المسند وأيهما المسند إليه فلما عرض فيهما الإشكال لم يجز التقديم والتأخير، وكان ذلك بمنزلة الفاعل والمفعول إذا وقع الإشكال فيهما لم يجز تقديم المفعول كقولك : ضرب موسى عيسى(38) يقول السيوطي:
" فإذا كان الخبر معرفة كالمبتدإ لم يجز تقديم الخبر لأنه مما يشكل ويلبس إذ كل واحد منهما يجوز أن يكون خبرا ومخبرا عنه" (39)
بخلاف ما إذا كان معه قرينة لفظية أو معنوية فاللبس ينتفي.
فالأول نحو: رجل صالح حاضر فإن القرينة اللفظية وهي الصفة قاضية على النكرة الموصوفة بالابتدائية تقدمت أو تأخرت.
والثاني : نحو : " أبو يوسف أبو حنيفة" فإن القرينة المعنوية وهي التشبيه الحقيقي قاضية بأن "أبو يوسف" مبتدأ لأنه مشبه و "أبو حنيفة" خبره لأنه مشبه به تقدم أو تأخر (40) فلا بد أن تكون للقارئ معلومات سابقة عن كل من أبي يوسف - وهو من أشهر تلامذة أبي حنيفة- وأبي حنيفة إمام المذهب الفقهي المعروف وأن تكون لديه الكفاءة اللغوية التي تؤهله لمعرفة المحكوم به والمحكوم عليه أو المشبه والمشبه به أو المبتدإ والخبر، ففي الجملة السابقة استوى طرفا الجملة في التعريف، ومع ذلك يجوز فيها أن يتقدم الخبر " أبو حنيفة" وهو المشبه به ويتأخر المبتدأ " أبو يوسف" فتصير الجملة:
أبو حنيفة أبو يوسف لأن القرينة المعنوية وهي التشبيه الحقيقي تقضي بأن يكون " أبو يوسف" مبتدأ تقدم أو تأخر لأنه مشبه، وأن يكون " أبو حنيفة" خبرا تقدم أو تأخر لأنه مشبه به. (41)
إذن فالعنصر الدلالي يقوم- عند فقدان ما يميز الوظائف النحوية بعضها من بعض- بالتمييز بين هذه الوظائف مما يتيح لها حرية الرتبة فتقدم من تأخير أو تؤخر من تقديم .(42)
يقول عبد القاهر الجرجاني: " واعلم أنه ليس من كلام يعمد واضعه فيه إلى معرفتين فيجعلهما مبتدأ وخبرا ثم يقدم الذي هو الخبر إلا أشكل الأمر عليك فيه فلم تعلم أن المقدم خبر حتى ترجع إلى المعنى وتحسن التدبر.
ففي قول الشاعر:
نَمْ وإنْ لَمْ تَنَمْ كَرايَ كَراكَ (43)
ينبغي أن يكون كراي خبرا مقدما ويكون الأصل : " كراك كراي" ، أي نم وإن لم أنم فنومك نومي... ثم قال: وإذا كان كذلك فقد قدم الخبر وهو معرفة وهو ينوي به التأخير من حيث كان خبرا.
قال فهو كبيت الحماسة:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا
بنوهن أبناء الرجال الأباعد
فقدم خبر المبتدإ وهو معرفة، وإنما دل على أنه ينوي التأخير المعنى، لولا ذلك لكانت المعرفة إذا قدمت هي المبتدأ لتقدمها. (44)
ب- التباس المبتدإ بالفاعل:
ومما يجب فيه تأخير الخبر أن يخاف التباس المبتدإ بالفاعل إذا تقدم الخبر وكان فعلا مسندا إلى ضمير المبتدإ المستتر نحو : "زيد قام" أو يقوم"، فلو قدم والحالة هذه وقيل: قام أو يقوم لالتبس المبتدأ بالفاعل بخلاف ما إذا كان الخبر صفة نحو: " زيد قائم" أو كان فعلا رافعا لظاهر أو لضمير بارز، فالأول نحو: " زيد قام أبوه" والثاني نحو :" أخواك قاما" على اللغة الفصحى فلا لبس فيهن فيجوز تقديمه فتقول : " قائم زيد"، و" قام أبوه زيد" ، و"قاما أخواك" وهذا التقييد لا بد منه في قول الناظم:
كذا إذا ما الفعل كان الخبرا (45)
إذن، إذا كان الخبر فعلا فإنه لا يجوز أن يتقدم لأنه إذا تقدم الفعل على الاسم خرج من حدّ الابتداء وارتفع بالفعل (46) وهذا مما يؤدي إلى التباس المبتدإ بالفاعل لا محالة (47)
ج- التباس الفاعل بالمبتدإ:
لابد في الجملة الفعلية من ذكر الفعل قبل الفاعل مطلقا (48) ،ولا يجوز تقدم الفاعل، ودليل امتناع تقديم الفاعل هو التباسه بالمبتدإ (49) وتحول الإسناد من إسناد فعلي إلى إسناد اسمي (50)وهذا ما عبر عنه الشهاب القاسمي بقوله: " فإن قلت: لم امتنع التقديم لتوهم الفاعلية مع أنه لا يختلف المعنى، قلت : يختلفان بالجملة الاسمية والفعلية المختلفتين بإفادة الأولى الثبوت والدوام والثانية التجدد والحدوث".(51)
وقد لاحظ النحاة هذا المعنى، ومن ثم قالوا إن رتبة المبتدإ التقديم لأنه محكوم عليه والمحكوم عليه قبل الحكم، بخلاف جملة الفعل والفاعل فإن المقصود فيها أولا إنما هو المسند أي الفعل مضافا إليه الفاعل ثم ما لابسه من بقية متعلقاته، ولهذا لا يقدم الفاعل على الفعل أصلا لئلا يلتبس بالمبتدإ في أنه هو المقصود أولا.(52)
ويقوي ذلك أن حكم المبتدإ أن يؤتى به أولا لثان، وحكم الفاعل أن يؤتى به ثانيا لأول، أعني أن حكم المبتدإ أن يقدم قبل الحديث عنه فيكون حديثه تابعا لحديثه قبل أن يعرض للمبتدإ المجاز، والأشخاص مقدمة في الرتبة قبل حركاتها الموجودة منها قبل تأثيراتها في غيرها، وأيضا فإن الفاعل يجوز أن ينعكس مبتدأ أبدا، ما لم يكن فيه ضمير عائد إلى مفعوله...(53)
وإذا كان النحاة عللوا امتناع تقديم الفاعل بالتباسه بالمبتدإ فإنهم جوزوا تقديمه متى زال المانع، قال الأبّدي في شرح الجزولية: " ولا يبعد عندي أن يقال إن هذا الفعل يصح له العمل في الأول مقدما عليه وذلك مع أداة تطلب بالفعل... إلا أن يمنع من ذلك مانع، وذلك المانع في الفاعل هو أن يلتبس بالمبتدإ في قولك : "قام زيد وزيد قام" ،(54) ثم قال: " فإذا جاء حرف لا يليه الفعل، لفظاً أو تقديرا ،أزال ذلك اللبس فصحّ أن يكون فاعلا مقدما، إن قدرت الفعل فارغا من الضمير، وفاعلا بإضمار فعل إن قدرت الفعل مشغولا بضمير،قال ابن أبي الربيع:وهذا الذي قاله الأستاذ إنما هو بناء منه على أن الفاعل لا يقدم لأجل اللبس بالمبتدإ فعلى هذا متى زال ذلك اللبس ينبغي أن يقدم (55).
د- التباس الفاعل بالمفعول:
لابد في الجملة الفعلية من ذكر الفعل قبل الفاعل مطلقا، وأما ما سواه من بقية المتعلقات فالأصل فيها أن تتأخر عن الفعل، إلا أنها بحسب الصناعة اللفظية لا يتعين بينها وبين الفعل ترتيب مخصوص، فلك أن تقدم ما شئت منها على الفعل أو تؤخره على ما تراه مناسبا بشرط أن تحافظ على منع الالتباس وتتجنب التعقيد.(56)
فالمفعول به قد يتقدم على الفاعل وقد يتأخر عنه نحو :" ضرب زيدا عمرو" و"خرق السترَ المسمارُ" لأن ظهور الإعراب في الاسمين قد يبّين الفاعل من المفعول، فإذا لم يظهر الإعراب فيهما أو في أحدهما كقولك:ضرب موسى يحيى لم يجز التقديم والتأخير (57) لما يؤدي إليه ذلك من التباس المفعول بالفاعل. (58)
يقول ابن أبي الربيع: " وذلك أن الفاعل والمفعول إذا لم يكن في الكلام ما يدل عليهما التزمت العرب تقديم الفاعل وتأخير المفعول، فإذا قالوا: "ضرب موسى عيسى" ولم يكن معهم ما يدل على الفاعل علمت أن المقدم هو الفاعل إذ لم تكن العرب لتقدم المفعول بغير دال على ذلك لما في ذلك من نقض الغرض .(59)
فالنظام النحوي يلزم أن يتقدم الفاعل على المفعول به إذا خيف التباس أحدهما بالآخر، وذلك إذا خفيت العلامة الإعرابية ولم تكن هناك قرينة لفظية أو معنوية تبين أحدهما من الآخر، وفقدان العلامة الإعرابية في نحو: ضرب موسى عيسى، هو الذي يلزم بتقدم الفاعل على المفعول به، وبعبارة أخرى يقيد الرتبة.
فبعد أن كانت الرتبة غير محفوظة صارت محفوظة إذ كان أمن اللبس يتوقف عليها وهي في نحو: "ضرب أخي صديقي" تعتبر القرينة الرئيسية الدالة على الباب النحوي(60)
فلا تقديم ولا تأخير، ويلزم المفعول موضعه ويتعين تأخيره لأن تقديمه يوجب اللبس (61)فإذا انتفى اللبس أمكن تقديم المفعول، ويزول اللبس بالأدلة والقرائن التي تعين أحدهما.(62)
يقول ابن السيد : " إذا ثنيت أو جمعت فقلت " ضرب الموسيان اليحيين" أوضرب الموسون اليحيين" جاز التقديم والتأخير.
وكذلك إذا وصفت أحدهما بصفة يظهر فيها الإعراب أو وكدته أو عطفت عليه عطف إشراك أو عطف بيان، ونحو ذلك مما يرفع الإشكال، جاز التقديم والتأخير .(63)
فإذا قلت : " أعجب موسى وزيدا عيسى":علم أن موسى مفعول بعطف زيد عليه لأن المنصوب لا يعطف إلاّ على المنصوب مثله، وكذلك تقول " أعجب موسى نفسه عيسى" وكذلك النعت وسائر التوابع. (64)
وكذلك لحاق علامة التأنيث الفعل نحو: " أكرمت موسى سعدى" فيعلم أن " موسى" مفعول وأن سعدى هي الفاعلة للحاق علامة التأنيث الفعل إذ لو كان موسى هو الفاعل لقلت:"أكرم موسى سعدى ".-65)
وفي جواز تقديم المفعول على الفاعل اعتمادا على القرينة المعنوية، قدم النحاة أمثلة تعتمد في بعضها على دلالة المفردات المختارة في الجملة وإمكان علاقتها النحوية، يقول الرضي عن هذه القرينة: " والمعنوية مثل : " أكل الكمثري موسى " و" استخلف المرتضى المصطفى"(66)
فالمثال الأول :" أكل الكمثري موسى" تعتمد قرينته المعنوية على طبيعة العلاقة بين الأكل والكمثري، فلا يمكن أن تكون هي علاقة الفاعلية بل علاقة المفعولية، وطبيعة العلاقة بين الأكل وموسى لا يمكن أن تكون علاقة المفعولية بل علاقة الفاعلية ولذلك جاز أن يتقدم الفاعل أو يتأخر في هذا المثال مع فقدان العلامة الإعرابية الكاشفة عنها لأن كلا منهما معروف مفهوم وفهمه مبني على معرفة خصائص المجالات الدلالية وتجاوبها بين المفردات.
ذلك أن من الأفعال أفعالا يكون المرتفع بعدها عاقلا لاغير، ويكون المنصوب بها عاقلا وغير عاقل، وثم أفعال بعكس ذلك يكون منصوبها عاقلا لاغير، ويكون المرتفع بها عاقلا وغير عاقل. (67)
وفي المثال الثاني : "استخلف المرتضى المصطفى" تعتمد القرينة المعنوية فيه على معلومات خاصة اقترنت بدلالة اللفظ المستخدم "استخلف" أي جعله خليفة، ولا بد أن يكون المستمع عارفا بأن لقب المصطفى خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم، وبأن لقب المرتضى خاص بأبي بكر رضي الله عنه، ولا بد أن يكون عارفا أيضا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قبض للرفيق الأعلى قبل أبي بكر. (68)
فلما زال اللبس بالأدلة والقرائن المعنوية جاز التقديم والتأخير. (69)
وقد اتضح أن العنصر الدلالي يسمح بالتصرف في التقديم والتأخير لأنه يقوم بالدور الذي كانت تقوم به العلامة الإعرابية وهي إحدى الوسائل التي اصطنعتها اللغة للتمييز بين العناصر بعضها البعض.
وإذا انعدمت العلامة مع عدم وجود القرينة كان الالتزام بالترتيب الأصلي بين الفاعل والمفعول به بديلا عنها، فيلزم كل واحد مركزه ليعرفا بالمكان الأصلي، فللرتبة دور مهم في الجملة فهي تساعد على رفع اللبس عن المعنى بتحديد موقع الكلمة فيها: " إذ العبارة إنما تدل على المعنى بوضع مخصوص وترتيب مخصوص، فإن بدل ذلك الوضع والترتيب زالت تلك الدلالة ". (70)
وقد استدل الفاسي الفهري على أن الأصل في الجملة العربية ( ف+فا+ مف) بالاحتفاظ بالرتبة الأصلية عند غياب الإعراب يقول : " ومن المؤشرات على النمطية المذكورة، (ف+فا+مف) عدم إمكان اللبس في الجمل التي يتوارد فيها الفاعل والمفعول بدون إعراب بارز مثل:
ضَرَبَ عيسَى مُوسَى
ضَرَبَ مُوسَى عِيسَى
فعيسى فاعل بالضرورة في الجملة الأولى وموسى مفعول.
وموسى فاعل بالضرورة في الجملة الثانية وعيسى مفعول.
مع أن الأمر بخلاف ذلك في الجملة : ضرب عيسى زيدا نظراً لبروز الإعراب " (71)
هـ- التباس المقصور بالمقصور عليه:
لا يجوز تقديم المقصور عليه حيث كان الطريق "إنما" لأجل وجود الالتباس في التقديم، وذلك لأن كلا من المفعول والفاعل مثلا الواقعين بعدها يجوز أن يكون هو المقصور عليه دون الآخر وأن يقترن أحدهما بقرينة تدل على كونه هو المقصور عليه، فقصدوا أن يجعلوا التأخير علامة القصر على ذلك المؤخر، فالتزموه في مواطن مع إنما ، ولم يجعلوا التقديم أمارة ليجري على ما تقرر في أصل القصر"بإلا" كما تقدم في النفي. (72)
ففي قول العرب: " ليس الطيب إلا المسك" : لو قلبت طرفي الجملة فقلت :" ليس المسك إلا الطيب"، لأجل الغرض في نفي الطيب عن كل شيء غير المسك وتحصل معنى غير ما تقصده من النظم الأول، ولا ينكر أنه يعرض في بعض صور هذا الباب غموض الفرق.(73)
وكذلك في قولك في "ما ضرب زيد إلا عمرا" لايجوز " ما ضرب عمرا إلا زيد" لما فيه من اختلال المعنى وانعكاس المقصود.(74)
فتقديم المحصور عليه لا يجوز في كل مباحث الحصر(75) لأنه يفهم خلاف المقصود ويؤدي إلى عكس المراد.(76)
و- موضع الجار والمجرور واللبس:
سأعرض لتأخير الجار والمجرور الممتنع بسبب اللبس من خلال آيتين كريمتين وقف عندهما البلاغيون طويلا:
* الآية الأولى: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه) [غافر/ 28 ] إذ جعلوها مثالا على أن تأخير الجار والمجرور يخل بالمعنى، يقول الزركشي: " من ذلك كون التقديم يمنع اختلال المعنى كقوله تعالى (الآية) فإنه لو أخر قوله ( من آل فرعون) فلا يفهم أنه منهم (77) وذلك لأن في التأخير إخلالا ببيان المعنى (78) لأن في تأخيره خيفة أن يلتبس المعنى بغيره كقوله تعالى) ( وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه) فإنه لو قيل ( يكتم إيمانه من آل فرعون) لتوهم أن من آل فرعون من صلة يكتم فيختل المقصود.(79)
ففي الآية السابقة ثلاثة نعوت قدم أهمها وأخصرها وهو: " مؤمن" وأخر النعت الجملة " يكتم إيمانه " منعا للالتباس ومراعاة لحسن النظم معاً.
ويمكن إجمال صور التركيب الممكنة في ما يلي:
1- وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه.
2- وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون.
3- وقال رجل من آل فرعون مؤمن يكتم إيمانه.
4- وقال رجل من آل فرعون يكتم إيمانه مؤمن.
5- وقال رجل يكتم إيمانه من آل فرعون مؤمن.
6- وقال رجل يكتم إيمانه مؤمن من آل فرعون.
فمن هذه الصور الست ( الثانية والخامسة) ممنوعتان لوقوع الالتباس فيهما.
والثالثة والرابعة والسادسة جائزات بحسب اللغة إلا أن البلاغة تنكرهن لتقدم غير الأهم فيهن على الأهم... (80)
* الآية الثانية: هي قوله تعالى ( وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا) [ المؤمنون/ 33] بتقديم "من قومه" على الوصف " الذين كفروا " قال الزركشي: " ولو تأخر لتوهم أنه من صفة الدنيا لأنها ههنا اسم تفضيل من الدنو وليست اسما والدنو يتعدى "بمن"، وحينئذ يشتبه الأمر في القائلين أنهم أهم من قومه أم لا، لاشتمال التأخير على الإخلال ببيان المعنى المقصود وهو كون القائلين من قومه.
وحين أمن هذا الإخلال بالتأخير قال تعالى في موضع آخر من هذه السورة ( فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم( [المؤمنون/24] بتأخير المجرور عن صفة المرفوع. (81)
ز- التباس أحد المفعولين بالآخر:
يرتفع اللبس في مفعولي علم مع إلزام كل من المفعولين مركزه، وذلك بأن يكون ما كان خبرا في الأصل بعدما كان مبتدأ فلا يجوز في نحو : " علمت زيدا أباك" مع اللبس تقديم الثاني على الأول وهذا كما قلنا في نحو: ضرب موسى عيسى... فإذا لزم كل واحد مركزه لم يلتبس إذا قام مقام الفاعل وهو في مكانه ...(82)
كما يجب حفظ المراتب في باب أعطيت إذا التبست مخالفته نحو: " أعطيت زيداً أخاك" فإن لم تلتبس القرينة جاز العدول كقوله تعالى ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) [ الجاثية /22 ](83)
ويمكن تتبع مظاهر اللبس وأثرها في حفظ المراتب في غير ما ذكرت من أبواب النحو المختلفة، فإذا كان صاحب الحال نكرة وجب تقديمها نحو: جاءني راكبا رجل ، لأنه يؤمن إذن التباس الحال بالوصف إذ الوصف لا يتقدم على الموصوف، وأما إذا تأخر نحو : جاءني رجل راكبا فقد يشتبه في حال انتصاب ذي الحال بالوصف نحو: رأيت رجلا راكبا. (84)
وكذلك إذا كانت " أن" مع صلتها مبتدأ وجب تقديم خبرها عليها، وإنما تعين تقديم الخبر لئلا يلتبس " بإنْ" المكسورة ، لأنك لو جئت بالخبر بعد خبر " أن" المفتوحة إما ظرفا نحو: أن زيدا قائم عندي أو غير ظرف نحو: أن زيدا قائم حق، لاشتبهت المفتوحة بالمكسورة ولم تدفع الفتحة الخفية اللبس، لكون الموقع موقع المكسورة، لأن لها صدر الكلام بخلاف المفتوحة.(85)
إن هذه النماذج التي استعنت بها -وغيرها كثير- تدل على فهم اللغويين العرب لهذه الظاهرة فهما دقيقا ومراعاتها في التحليل، فقد استقر عندهم أن الالتباس لا يسوغ بوجه من الوجوه لمخالفته الغاية من وضع اللغة " إذ يكفي من حظ البلاغة ألا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق... ولا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع (86) فإن ذلك من شروط نجاح أي عملية تواصلية أو فشلها.

رد مع اقتباس