عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
إدارة المجمع
مشرف عام
الصورة الرمزية إدارة المجمع
رقم العضوية : 21
تاريخ التسجيل : Feb 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 2,874
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

إدارة المجمع غير موجود حالياً

   

Post

كُتب : [ 01-03-2017 - 03:08 PM ]


أمَّا ما أُبيحَ للنبيّ - صلى الله عليه وسلم- فذلك من خصوصيّاته، كما قال القرطبي [40]، قال ابنُ العربي موضحًا من قبلُ هذه الخصائصَ النبويةَ المتعلقةَ بهذا الجانب: "أحلَّ الأزواجَ لنبيِّه مطلقًا، وأحلَّهنّ للخلقِ بعددٍ، وكان ذلك من خصائصه في شريعةِ الإسلام، وقد رُوِيَ عمَّن كان قبله في أحاديثهم أنَّ داودَ - عليه السلام- كانت له مائةُ امرأةٍ، وكان لسليمان - عليه السلام - ثلاثُمائةِ حُرةٍ وسبعُمائةِ سَريّةٍ، والحقُّ ما وردَ في الصحيح أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إن سليمان قال: لأطوفَنّ الليلةَ على سبعينَ امرأةً كلُّ امرأةٍ تلد غلامًا يقاتل في سبيل الله، ونسيَ أن يقول: إن شاء الله، فلم تلِدْ منهنَّ إلا امرأةٌ واحدةٌ[41]"، وبيَّنَ في موضع آخرَ، عن إمام الحرمين، بعضَ خصائصه، فقال: "وقد خصَّص اللهُ رسولَه - صلى الله عليه وسلم- في أحكام الشريعة بمعانٍ لم يشاركه فيها أحدٌ، في باب الفرض والتحريم والتحليل، مزيةً على الأمة، وهيبةً له ومرتبةً، خُصَّ بها، ففُرضتْ عليه أشياءُ ما فُرضتْ على غيره، وحُرِّمتْ عليه أشياءُ وأفعالٌ لم تُحَرَّمْ عليهم، وحُلِّلتْ له أشياءُ لم تُحلَّلْ لهم، منها مُتفقٌ عليه، ومنها مُختلَفٌ فيها، فمما أُحِلَّ له: الزيادةُ على أربع نسوة، والنكاحُ بلفظِ الهبةِ، والنكاحُ بغير وليٍّ، والنكاحُ بغير صَدَاق[42]، ونصَّ الآلوسي على "أنَّ الإجماعَ قد وقعَ على أن الزيادةَ من خصوصياته - صلى الله عليه وسلم- ونحن مأمورونَ باتباعه، والرغبةِ في سنته - عليه الصلاةُ والسلامُ- في غير ما عُلِمَ أنه من الخصوصيات، أما فيما عُلِمَ أنه منها فلا[43]، وبذلك يبطلُ هذا الاستدلال الذي اتكؤوا عليه.
ثم أضاف قائلاً: إن الواو هنا بمعنى البدل، أي انكحوا ثُلاث بدلاً من مَثنى، ورُباع بدلاً من ثٌلاث، ولذلك عطفَ بالواو ولم يعطفْ بـ أو، ولو جاء بـ أو لجاز ألّا يكونَ لصاحب المثنى ثُلاث، ولا لصاحب الثلاث رُباع[44]، وهذا التفسيرُ يؤيده أو قام على أن إعراب مَثنى وثُلاث ورُباع بدلٌ منصوبٌ من "ما" [45]، والمشهور أنها أحوال، وكلا الوجهين لا يمنعُ من القول إن الواو هنا بمعنى البدل، أما القول إن المرادَ من مَثنى اثنين ومن ثُلاث ثلاثة ومن رُباع أربعة، فقد أفاد القرطبي فيما يبدو مما ذكره النحاس والزمخشري، فقال: "هو تحكمٌ بما لا يوافقهم أهلُ اللسان عليه، وجهالةٌ منهم، واللهُ - سبحانه وتعالى- خاطبَ العربَ بأفصحِ اللغات، وهي تستقبحُ أن تقولَ: "أعطِ الرجلَ اثنين وثلاثة وأربعة"، وهي تريد تسعةً، وتستقبحُ أن تقول: "أعطِ فلانًا أربعةً ستةً ثمانيةً"، ولا تقول: ثمانيةَ عشر[46]، أي قولكم فيه جنوحٌ عن اللغة العالية الراقية عند العرب، والأَولى تخريجُ القرآن على أفصح الوجوه.
ويرِدُ هذا الردُّ على القائلين أيضًا بأنَّ مَثنى تعني اثنين اثنين، وكذلك ثلاث ورباع، أي أجازوا الجمعَ بين ثمان عشرة زوجة، لأنَّ العدلَ عندهم يفيدُ التكرارَ، والواو للجمع، قال القرطبي رادًّا عليهم أيضًا مبينًا حقيقةَ العدلِ: "لم يعلموا أنَّ اثنين اثنين وثلاثًا ثلاثًا وأربعًا أربعًا حصرٌ للعدد، ومَثنى وثُلاث ورُباع بخلافها، ففي العدد المعدولِ عند العربِ زيادةُ معنى ليستْ في الأصل، وذلك أنها إذا قالت: "جاءت الخيل مَثنى" إنما تعني بذلك اثنين اثنين، أي جاءتْ مزدوجَةً، فإنْ قلت: أريدُ من القول: "جاءني قومٌ أُحاد أو مَثنى أو ثُلاث أو عُشار" واحدًا واحدًا أو اثنين اثنين أو ثلاثًا ثلاثًا أو عشرة عشرة، فالجواب: أنك بذلك حصرتَ عددَ القومِ الجائين بثلاثةٍ وعشرة، أمَّا إذا قلت: "جاؤوني رُباعَ وثُناءَ" فلم تحصرْ عُدتَّهم، وإنما تريدُ أنهم جاؤوك أربعة أربعة أو اثنين اثنين، وسواءٌ كَثُرَ عددُهم أو قلَّ في هذا الباب[47]، والمرادُ من هذا أنَّ مجيء العدد مرادًا به العدلُ يمنعُ من ذلك الفهم الذي اعتقدتْ به بعضُ الطوائف، وردَّ الشوكانيُّ بإيجاز على ما ذكروه، فقال: "وأما استدلالُ مَن استدلَّ بالآية على جواز نِكاح التسعِ باعتبار الواو الجامعةِ، فكأنه قال: "انكحوا مجموعَ هذا العدد المذكورِ"، فهذا جهلٌ بالمعنى العربيِّ، ولو قال: "انكحوا ثنتين وثلاثًا وأربعًا" كان هذا القولُ له وجهٌ، وأمَّا مع المجيء بصيغة العدل فلا، وإنما جاء - سبحانه - بالواو الجامعةِ دون (أو)؛ لأنَّ التخييرَ يُشعِرُ بأنه لايجوز إلا أحدُ الأعداد المذكورة دون غيره، وذلك ليس بمرادٍ من النَّظم القرآني[48].
ولا أرغبُ الانتهاءَ من بيان هذه الملامح قبل أن أشيرَ إلى أن هناك أحيانًا إشاراتٍ ذكرَها المفسرون يريدون بها بيانَ الفروق بين أساليبَ تعبديةٍ استعملتها بعضُ الطوائف مع أهلِ السُّنة أيضًا، موضحين أن الأسلوبَ اللغويَّ الذي استعمله أهلُ السُّنةِ هو الأقوى لغةً، من هذه الأساليب "اللَّهم صلِّ على محمد وآله"، أمَّا أهلُ السُّنة فيقولون: "اللَّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد"، أي بإعادة حرفِ الجر، لقد بيَّنَ الفرق بينهما الآلوسي حين تحدَّث عن الفرق بين قوله – تعالى-: "ختمَ اللهُ على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة"، إذ أعادَ الخافضَ، و قولِه – تعالى-: "وختم على سمعه وقلبه" ولم يُعِدِ الخافضَ، قال: "وأعادَ - جلَّ شأنُه- الجارَّ – أي في الآية الأولى – لتكونَ أدلَّ على شدةِ الختمِ في الموضعين، فإنَّ ما يُوضَعُ في خزانةٍ كان إذا خُتمَتْ خِزانتُهُ وخُتِمَتْ دارُه كان أقوى في المنع عنه، وأظهرَ في الاستقلال؛ لأنَّ إعادةَ الجارّ تقتضي ملاحظةَ معنى الفعلِ المُعدَّى به، حتى كأنه ذُكِرَ مرتين، ولذا قالوا في (مررت بزيد وعمرو): مرورٌ واحدٌ، وفي (مررت بزيد وبعمرو) مروران" [49]، إذن إسقاطُ الخافضِ في صيغة الصلاةِ على الرسول عند الإمامية المرادُ منه شدةُ الاتصال بين الرسول - صلى الله عليه وسلم- وآله، والغايةُ منه سَريانُ خصائصه - صلى الله عليه وسلم- على آله، وَلعلَّ* من أهمها العِصمةَ [50]، أمَّا إعادةُ الخافض فيفيدُ شدة الاستقلال بين الرسول - صلى الله عليه وسلم- وآله، فلكلٍّ خصوصيةٌ، كما يفيدُ فضلَ التوكيد على حصول الصلاة؛ لأنَّ إعادةَ الخافض – وهو تكرارٌ للعامل - مع الواو وهي نائبةٌ عن الفعل (صلِّ) تصيرالصورةُ "اللَّهم صلِّ على محمد وصلِّ على آله"، أي نابَتِ الواو عن الفعل (صلِّ)، في حين خلَتْ صيغةُ الإماميةِ من فضل هذا التكرار، أي اجتمعَ عندَهم النيابةُ عن الفعل فقط، في حين اجتمعَ عند صيغة أهلِ السُّنة النيابةُ عن الفعل مع تكرار العامل، وهو حرف الجر (على) في الموضعين؛ لذا عندنا ما يفيدُ الإلحاحَ في طلب الصلاة، بتكرار ما ذكرناه، ونقصت صيغتُهم عن ذلك. فإن قلتَ: هل ثمة فرقٌ آخر؟ فالجواب: نعم، ذكره الآلوسي أيضًا بقوله: "والعطفُ وإنْ كان في قوة الإعادة لكنه ليس ظاهرًا مثلَها في الإفادة؛ لما فيه من الاحتمالِ" [51]، أي احتمالُ المعية، ومعنى ذلك أنَّ الاقتصارَ على الواو ليس قويًّا فيما يرومونه من إظهارِ المعيَّة بين الرسول - صلى الله عليه وسلم- وآله؛ لأنَّ الواو في أصل وضعِها في استعمال العرب لا تُفيدُ المعيةَ إلا بقرينةٍ، فإنْ لم توجدِ القرينةُ فالمعيةُ محتملةٌ، أي انتقضَ الغرضُ الذي أرادوه، أمَّا صيغةُ أهل السُّنة فمضمونها - كما ذكرنا- طلبُ الصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم- وعلى آله، من غير إرادة لتلك المعيةِ المفضيةِ إلى ذلك الاتحاد، بل المرادُ الاستقلالُ، وفيها من المقوياتِ اللغويةِ ما يفيدُ الإلحاحَ في الطلب - والله أعلم –، وقد ألفيتُ عبدَ القادر الكوكباني في كتابه إحكام العقد الوسيم [52] يعلِّقُ على صاحب العقد قولِه في نهاية كتابه العقدِ الوسيمِ، في الظرف والجار والمجرور وما لكلٍّ منن التقسيم: "وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وسلم" بما نصه: "الإماميةُ تروي حديثًا موضوعًا، وهو: "لا تفصلوا بيني وبين آلي بعلى"، "ويُسندون إلى عليّ بن الحسين أنه كان يقول في دعائه: "فصلِِّ على محمد وآله"، وعقَّب الكوكباني قائلاً: "ومقتضى كتابِ الأحكام وسائرِ دوواين الإسلام أنَّهم لا يقبلون فيما تفردوا به، وجميعُ الأحاديثِ الواردةِ في تعليم الصلاة بلفظِ (وعلى آل محمد) أو (وعلى آله)، فحذفُ (على) سهوٌ من المصنف"[53]، وقد رأينا أنَّه لو وُجِدَ حديثٌ في إسقاط حرف الجر، فسوف يبقى أن الصيغة التي هي بحرف الجر أقوى لغةً.
وأخيرًا أرى أنَّه لا بد من التنويه إلى المسألة النحوية المشهورة التي تمثلُ الصراعَ اللغويَّ بين المعتزلةِ وأهلِ السُّنة، وهي تتمثلُ في:*

حديث النحاة عن دلالة "لن" عند الزمخشري، لقد ذهبَ الرجلُ إلى أنَّ "لن" في أصلِ وضعها تفيدُ التأبيدَ، مستدلاًّ بقوله – تعالى-: "لن يخلقوا ذبابًا" فمما رُدَّ به عليه أنها لو كانت كذلك لكان تأبيدُ النفي جاريًا في كلِّ موضعٍ وردتْ فيه، في حين نراها في قوله – تعالى-: "فلن أُكلِّمَ اليومَ إنسيًّا" مقيدةً بيوم، أي لم تُفِدْ تأبيدًا مطلقًا، كما نراها في قولِه – تعالى-: "ولن يتمنَّوْه أبدًا" قد ذٌكرَ معها لفظةَ "أبدًا"، فلو كانت دالةً على التأبيد لما ذُكِرَتْ هذه اللفظةُ؛ لأنَّ القرآنَ مصونٌ عن التكرار، ثم قالوا: "لو كانت تفيدُ التأبيدَ لم يصحَّ أن يُذكَرَ معها ما يدلُّ على الانتهاءِ، كما في قوله – تعالى-: "لن نبرحَ عليه عاكفين حتى يرجِعَ إلينا موسى"، ومثلُهُ: "فلن أبرحَ الأرض حتى يأذن لي أبي"، أما قولُهُ – تعالى-: "لن يخلقوا ذبابًا" فالقرينةُ العقليةُ هي الدالةُ على تأبيد النفي، ولئن سلَّمنا – كما يقولُ الشيخُ محمد محيي الدين عبد الحميد - فإنا لا نُسلِّمُ أنها في كلِّ تعبير ترِدُ فيه تدلُّ على ذلك، فبطلتْ دعواه ولم يَسْلَمْ له استدلالُه [54].



رد مع اقتباس