ولم يقتصرِ الأمرُ على العلماءِ فقط، بلِ امتدَّ إلى أن بعضَ الشعراءِ أدخلوا أنفسَهم في ما لا ينبغي أن يدخلوا فيه فانحرفوا، لعلَّ من أبرزهم أبا الطيب المتنبي، قال أبو حيان: "لقد ذكرَ القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابِ الانتصارِ في إعجاز القرآن شيئًا من كلامِ أبي الطيب مما هو كفرٌ"[21]، أمَّا أبو فراس الحمداني، فقد ذكر الثعالبي نقلاً عن الصولي قصةً تفيد أنْ قد بدرَ منه ما يخالفُ ما وردَ في القرآن الكريم أيضًا، قال الصولي فيما ذكر الثعالبي: ما رأيت أحدًا أشدَّ بذَخًا[22] بالكفر من أبي فراس ولا أكثرَ إظهارًا له منه، ولا أدومَ تعبثًا بالقرآن، قال يومًا - ونحن في دار ابن الوزير أبيي العباس أحمد بن الحسين ننتظرُ مجيئه -: "هل تعرف العربُ إرادةً لغير مميِّز؟"، فقلت: "إن العربَ تعبرُ عن الجمادات بقولٍ ولا قولٌ لها[23]، كما قال الشاعر:
امتلأ الحوضُ وقال قطْني
وليس ثمَّ قول", قال: "لم أُرِدْهذا، وإنما أريدُ* في اللغة إرادة لغير مميز", وإنما عرَّضَ بقوله - عز وجل-: "فوجدَا فيها جدارًا يريد أن ينقضَّ"، فأيَّدني اللهُ - عزَّ وجلَّ- بأن تذكرتُ قولَ الراعي:
في مَهْمَهٍ فُلِقَتْ بهِ هاماتُها *** فَلْقَ الفؤوسِ إذا أَرَدْنَ نصُولا
فكأني ألقمتُه الحجرَ, وسُرَّ بذلك مَن كان صحيحَ النية، وسَوَّدَ اللهُ وجهَ أبي فراس ([24])، ولا يخفى أنَّ أبا فراس الحمداني كان شيعيًّا، فلماذا يتعبَّث بالقرآن؟
4- أمَّا الصورة الرابعة فتتجلَّى في دفاعِ أهلِ السُّنة عن عباراتٍ وردتْ في كتبٍ لغويةٍ تمسُّ الصحابةَ - رضوانُ الله عليهم-, تتَّضحُ هذه الصورةُ عند ابن منظور وضوحًا ظاهرًا، من ذلك ما أخذه على الجوهري حين قالَ في مادة (صدق) ما نصه : "والصِّدِّيقُ مثالُ الفِسِّيق: الدائمُ التصديق". نقل ابن منظور ما ذكره الجوهري وعقَّب عليه بقوله: "ولقد أساء التمثيل بالفِسِّيقِ في هذا المكان" ([25])، ثم راحَ يؤكِّدُ صديقيةَ أبي بكر، فقال بعد ذلك: رُوِيَ عن عليّ بنِ أبي طالب - رضي الله عنه-، قال: "الذي جاء بالصدق محمدٌ - صلى الله عليه وسلم-, والذي صدَّقَ به أبو بكر - رضي الله عنه-" [26] فللهِ درُّكَ ياا ابنَ منظور بهذا التنظيرِ الرائقِ، حين أوردتَ ذلك عن سيدنا علي - رضي الله عنه-، ففي ذلك إشارةٌ هي أبلغ من أية عبارة، وتلميحٌ أوضحُ من تصريح.
وفي مادة (عمر) ردَّ ابنُ منظور أيضًا على الأزهري الذي حاولَ النيلَ من أبي بكر وعمر، قال ابنُ منظورٍ ناقلاً قولَ الأزهري: "الُعُمَرانِ أبو بكر وعمر، غُلِّبَ عمرُ؛ لأنه أخفُّ الاسمين", قال: فإن قيل: كيف بُدِئَ بعمرَ قبلَ أبي بكر وهو قبله, وهو أفضلُ منه, فإن العربَ تفعلُ هذا، يبدؤونَ بالأخسِّ، يقولون: ربيعةُ ومضرُ وسُلَيمٌ وعامرٌ، ولم يتركْ* قليلاً ولا كثيرًا"، فعقَّب ابنُ منظور على قول الأزهري بقوله: "هذا الكلام من الأزهري فيه افتئات على عمرَ - رضي الله عنه-، وهو قوله: "إنَّ العرب يبدؤون بالأخسّ"، ولقد كان له غُنْيَةٌ عن إطلاق هذا اللفظ الذي لا يليقُ بجلالةِ هذا الموضعِ المتشرِّفِ بهذين الاسمين الكريمين في مثالٍ مضروبٍ لعمرَ - رضي الله عنه-، وكان قوله: "غُلِّبَ عمرُ، لأنه أخفُّ الاسمين" يكفيه, ولا يعرِضُ إلى هُجنة هذه العبارةِ، وحيث اضطُرَّ إلى مثلِ ذلك، وأحوجَ نفسه إلى حُجَّةٍ أخرى فقد كان قيادُ الألفاظ بيده, وكان يمكنه أن يقولَ: إن العربَ يقدمون المفضولَ أو يؤخرون الأفضلَ أو الأشرفَ، أو يبدؤون بالمشروف، وأما (أفعلُ) على هذه الصيغةِ فإنَّ إتيانه بها دلَّ على قلةِ مبالاته بما يطلقه من الألفاظِ في حقِّ الصحابة - رضي الله عنهم-، وإنْ كان أبو بكر - رضي الله عنه- أفضلَ فلا يقالُ عن عمرَ - رضي الله عنه-: أخسُّ، عفا اللهُ عنا وعنه"، وقول ابن منظور: "عفا اللهُ عنا وعنه"، يمثل كياسةَ الحكماءِ وأسلوبَ العلماء ورقيَّ أهل السنة والجماعة الذين دائمًا يحاولون استيعاب الطوائف المارقة بإرشادهم إلى الحقِّ، والدعاء لهم بالصلاح، وليتَهم يفقهون، وللهِ درُّك يا ابنَ منظور على هذا النظر الصائبِ والذهبِ الذائب.
4- جاهدَ النحاةُ كثيرًا في بيان الانحرافاتِ النحويةِ التي وقعتْ فيها بعض الطوائف، كما أوردوا أدلةً تؤكد صحةَ مبادئ أهلِ السنة، من ذلك ما قاله النحاسُ* في قوله – تعالى-: "الذين إنْ مكَّنّاهم في الأرض..."، فقد أيَّدَ النحاسُ إعرابَ (الذين) بدلاً منصوبًا من (مَن) في قوله – تعالى- السابق: "ولينصُرَنَّ اللهُ مَن ينصرُه"، أو بدلاً مجرورًا من (للذين) في قوله – تعالى-: "أُذِن للذين يُقاتَلون"، وأكَّد بعد ذلك صدقَ وصحةَ* إمامةِ الخلفاء الأربعة بهذه الآية الكريمة، قال: "ويكون "الذين إنْ مكَّنَّاهم في الأرض" لأربعةٍ من أصحابِ رسول الله - صلى الله عليه وسل-, لم يُمكِّنْ في الأرض غيرَهم من الذين قيلَ فيهم: "أُذِنَ للذين يُقاتَلون" وهم أبو بكر وعمرُ وعثمان وعليّ - رضي الله عنهم -، وبهذه الآية يُحتَجُّ في إمامةِ أبي بكر وعمر وغيرها من الآي [27]، وأكَّدَ الزمخشريُّ أيضًا هذا الاستدلالَ بقوله: "وقالوا: فيه دليلٌ على حُجّيةِ أمرِالخلفاء الرَّاشدين؛ لأنَّ الله لم يُعطِ التمكُّنَ ونفاذَ الأمر مع السيرة العادلةِ غيرَهم من المهاجرين، لا حظَّ في ذلك للأنصار والطلقاء"[28]، واستظهرَ أبو حيا ن وجه البدلية المجرورة مؤكدًا أيضًا أن هذه الآية تتضمن صحةَ الخلافة للأربعة - رضي الله عنهم-، قال: "والظاهرُ أنه من وَصْفِ المأذون لهم في القتالِ وهم المهاجرون، وفيه إخبارٌ بالغيبِ عمَّا تكونُ عليه سيرتُهم إن مُكِّنَ لهم في الأرض، وبُسِطَ لهم في الدنيا، وكيف يقومونَ بأمرِ الله، "وأضافَ ما ذكره الزمخشري فقال: "وقالوا: فيه دليلٌ على صحةِ أمرِ الخلفاءِ الراشدين؛ لأن اللهَ – تعالى- لم يجعلِ التمكُّنَ ونفاذَ الأمر مع السيرة العادلة لغيرهم من المهاجرين، لا حظَّ في ذلك للأنصارِ والطلقاء" [29].
أمَّا الآلوسي فقد ذكرَ مباشرةً أنَّ الذين إنْ مكَّنَّاهم هي صفة للذين أُخرِجوا مقطوع أو غير مقطوع، وجوَّز أن يكون بدلاً، ثم نقلَ قولَ النحاسِ والزمخشري - أي في الآية دليلٌ على صحة أمر الخلفاء الراشدين - رضي الله تعالى عنهم أجمعين-، ونصَّ على أنَّ الآيةَ مخصوصةٌ بالمهاجرين؛ لأنهم المُخرَجون بغير حق، والمُمَكَّنون في الأرضِ، منهم الخلفاءُ دون غيرهم، ثم قرَّرَ صراحةً أنَّ الآيةَ جاءت بصيغة الجمع المنافية للتخصيص بعليٍّ وحدَه - رضي الله تعالى عنه-[30]، ثم ربطَ بين الوجوهِ الإعرابيةِ الجائزة في إعراب "الذين إنْ مكَّنَّاهم" والأقوالِ الواردةِ في المراد من (الذين)، فقال: "وعن الحسن وأبي العالية هم أمةُ محمد - صلى الله عليه وسلم-، والأَولى على هذا أنْ يُجعلَ الموصولُ بدلاً من قوله – تعالى-: "مَن ينصره" كما أعربه الزجاج، وكذا يُقال على ما رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ أنهم المهاجرون والأنصارُ والتابعون، وعلى ما رُوِيَ عن أبي نُجيح أنهم الولاة"[31]، ولا شكَّ أنَّ كلَّ الوجوهِ التي ذكروها في إعراب "الذين إنْ مكَّنَّاهم"، لا تتعارضُ مع القول إنَّ هذه الآية دليلٌ على صحة خلافة الراشدين، لذا رأينا الآلوسي حين أرادَ الربطَ بين أقوالِ المفسرين والوجوهِ الإعرابية صدَّرَ كلامَه بالقول: "والأَولى" لكن هذه الأَولوية لا تعني أنَّ هذه الوجوهَ تتعارضُ مع توجيه أهل السُّنة والجماعة، فكلُّ الأعاريبِ تنصَبُّ في النهاية خادمةً لمذهبهم.
والمستفاد من ذلك كلِّه أنَّ النحاةَ والمفسرين استثمروا سعةَ العربية، لبيان عقيدة أهل السُّنة والجماعة، وسلكوا ما هو مطرَّدٌ واضحٌ في لسان العرب، مُراعين السياقَ العام، وأسبابَ النزول، وأقوالَ الأئمة التابعين؛ لإبراز الوجه اللغوي الذي اعتمدوه.
أمَّا المثالُ الثاني الذي نرغبُ أنْ نسوقَهُ لنتبينَ منه جهودَ النحاةِ والمفسرين في الدفاعِ عن أهل السُّنة والجماعة، فهو يتمثَّلُ بحكم شرعي فقهي، فقد ذهبَ بعض الرافضة [32] إلى جوازِ زواج المسلم بتسعِ نساء في وقت واحدٍ، ومن أدلّتهم [33] قوله – تعالى-: "فانكِحوا ما طاب لكم من النساء مَثنى وثُلاث ورُباع"؛ لأن الواو تفيد الجمع، قال القرطبي مشيرًا إلى رأيهم وأدلتِهم: "اعلَمْ أنَّ هذا العددََ مثنى وثُلاثَ ورُباعَ، لا يدلُّ على إباحةِ تسع، كما قاله مَنْ بَعُدَ فهمُه للكتاب والسُّنة، وأعرضَ عمَّا كان عليه سلفُ هذه الأمةِ، وزعمَ أنَّ الواو جامعة، وعضدَ ذلك بأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم-- نكَحَ تسعًا، وجمعَ بينهن في عصمته، والذي صارَ إلى هذه الجَهالة وقال هذه المقالة: الرافضة، وبعضُ أهلِ الظاهر، فجعلوا (مَثنى) مثل اثنين، وكذلك (ثلاث) و(رباع)، وذهب بعضُ أهل الظاهر أيضًا إلى أقبحَ منها، فقالوا بإباحة الجمع بين ثمانِ عشرةَ، تمسُّكًا منه بأنَّ العدلَ في تلك الصيغ يفيدُ التكرارَ، والواوَ للجمعِ، فجعلَ مثنى بمعنى اثنين اثنين، وكذلك ثُلاث ورُباع " [34]، ثم بيَّنَ سببَ جهلهم جميعًا بقوله: "وهذا كلُّه جهلٌ باللسانِ والسُّنةِ، ومخالفةٌ لإجماع الأمة" [35]، وأولُ مَن وقفت عنده على رد على هؤلاء هو النحاس، مع أنه لم يُسَمِّ أصحاب هذا الرأي، قال: "وأمَّا مَن قال معنى مَثنى وثُلاث ورُباع تسعٌ فلا يُلتَفتُ إلى قوله، ولا يصحُّ في اللغة؛ لأنَّ معنى (مَثنى) عند أهل العربية: اثنتين، اثنتين، وليس معناه اثنتين فقط، وأيضًا فإن من كلام العرب الاختصار، ولا يجوز أن يكون معناه تسعًا؛ لأنه لو كان معناه تسعًا لم يكن اختصارًا أن يُقال انكحوا اثنتين وثلاثًا وأربعًا؛ لأنَّ تسعًا أخصر من هذا، وأيضًا فلو كان هذا على هذا القول لما حلَّ لأحد أن يتزوج إلا تسعًا أو واحدة، فقد تبيَّنَ بطلان هذا [36]، وتناولَ الزمخشريُّ رأيهم من غير أن يشير إليهم، لكن مضمون ما ذكره يُعَدُّ ردًّا عليهم، لقد مهَّدَ لردِّه ببيان المراد من مجيء الأعداد مكررةً، قال عن مثنى وثلاث ورباع: "إنها معدولة عن أعداد مكررة وإنما منعت من الصرف لما فيها من العدلين، عدلها عن صيغها، وعدلها عن تكررها، وهي نكرات يُعرَّفْنَ بلام التعريف، تقول: "فلان ينكح المَثنى والثُّلاث والرُّباع" ومحلهن النصب على الحال مما طاب، تقديره: فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد ثنتين ثنتين وثلاثًا ثلاثًا وأربعًا أربعًا"، وراح يسأل ويجيب بما يتضمَّن الرد عليهم، قال: "فإنْ قلت: فلِمَ جاء العطفُ بالواو دون أو؟ قلت: كما جاء بالواو في المثال الذي حذوته لك، ولو ذهبت تقول: "اقتسموا هذا المال درهمين درهمين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة" أعلمت أنه لا يسوغ لهم أن يقتسموه إلا على أحد أنواع هذه القسمة، وليس لهم أن يجمعوا بينها فيجعلوا بعض القسم على تثنية، وبعضه على تثليث، وبعضه على تربيع، وذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذي دلَّت عليه الواو، وتحريره أن الواو دلَّتْ على إطلاق أن يأخذ الناكحون مَن أرادوا نكاحها من النساء على طريق الجمع، إنْ شاؤوا مختلفين في تلك الأعداد، وإنْ شاؤوا مُتفقين فيها محظورًا عليهم ما وراء ذلك[37].
أمَّا القرطبي الذي بسطَ رأيهم وسمَّاهم أيضًا، فقد انبرى أيضًا للرد عليهم، فقال إنَّ:
هذه الآراء مخالفةٌ لما هو مُجمَعٌ عليه، قال: "لم يُسمَعْ عن أحدٍ من الصحابة ولا التابعين أنَّه جمعَ في عصمته أكثرَ من أربع، وقد ورد عددٌ من الأحاديث أمرَ الرسولُ فيها الاكتفاءَ بأربع، أخرجَ مالك في موطئه والنسائي والدارقطني في سُنَنِهِما أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم- قال لغيلانَ بنِ سلمةَ الثقفيِّ وقد أسلمَ وتحته عشرُ نسوة: "اخترْ منهنَّ أربعًا، وفارِقْ سائرَهنَّ"[38]، وفي كتاب أبي داود عن الحارث بن قيس قال: "أسلمتُ وعندي ثمانِ نسوةٍ، فذكرتُ ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم- فقال: "اخترْ منهنَّ أربعًا"[39].