المقامات وتأثيرها في الآداب العالمية
د. إبراهيم عوض
عُرفت المقامات، كما يقول د. شوقي ضيف، منذ وقت مبكر خارج الأدب العربي: ففي الأدب الفارسي مثلًا ألف القاضي حميد الدين أبو بكر بن عمر البلخي ثلاثًا وعشرين مقامة على نسق مقامات الحريري وأتمها سنة 551هـ، وكذلك عرفت في الأوساط اليهودية والمسيحية الشرقية فترجموها وصاغوها على مثالها باللغتين العبرية والسريانية، أما في أوروبا فقد عُني المستشرقون بمقامات الحريري فترجمت إلى اللاتينية والألمانية والإنجليزية، إلا أنه يؤكد أن تأثيرها كان محدودًا، وبخاصة إذا قارنا بينها وبين "ألف ليلة وليلة" في هذا المجال؛ذلك أن المقامات، كما يقول، ليست القصة عمادها، بل عمادها الأسلوب وما يحمل من زخارف السجع والبديع، ثم يقول: إننا، مع ذلك، يمكن أن نرى أثرها في بعض القصص الإسباني الذي يصف لنا حياة المشردين والشحاذين، وإن لهذا القصص عندهم بطلًا يسمى بيكارون يشبه من بعض الوجوه أبا الفتح الإسكندري في مقامات بديع الزمان، وأبا زيد السَّروجي في مقامات الحريري (انظر كتابه: المقامة"/ دار المعارف/ سلسلة "فنون الأدب العربي - الفن القصصي"/ العدد 7/ 10 - 11).
وفيما يخص تقليد القاضي المذكور لمقامات الحريري ثمة كتاب للدكتور بديع محمد جمعة عنوانه: "دراسات في الأدب المقارن" تناول في فصل منه هذه المسألة بشيء من التفصيل، وهو يبدأ بتعريف فن المقامة محاولًا الرجوع بهذا الفن العربي الأصيل إلى أول مَن ابتدعه من المؤلفين العرب، والمقامة، في بداياتها الأولى، فن أدبي يقوم عادة على حكاية من حكايات الشطارة والاستجداء ذات بطل واحد ينتقل من مكان لمكان ومن موقف إلى آخر مغيرًا هيئته في كل مرة، متخذًا الكدية وسيلة لكسب ما يقيم حياته، إلى أن تنتهي الحكاية بانكشاف حقيقة حاله وافتضاح أساليب مكره وخداعه التي يلجأ إليها لتحصيل مطعمه ومشربه، كل ذلك في لغة بديعية مفعمة بالفكاهة والتهكم والحرص على متانة الأسلوب وإظهار البراعة اللغوية المتمثلة في سَعة المعجم اللفظي وكثرة التسجيع والجناس والتوازن والتوريات وغير ذلك من ألوان المحسنات المعقدة ولزوم ما لا يلزم، مع حلاوة التصوير وإبراز بعض الأوضاع الاجتماعية وتدبير المآزق للبطل ثم إخراجه منها بذكاء ولوذعية، ثم تطور ذلك الفن ودخله التحوير في الموضوعات والأهداف فاتسع لكل شيء حتى للوعظ الديني والتوجيهات الخلقية...إلخ، وبلغ من اتساع انتشار المقامات واهتمام الكتَّاب بها أن أحصى بعض الدارسين عدد الذين مارسوا تأليفها فوجدهم تجاوزوا الثمانين مؤلفًا بدءًا من بديع الزمان الهمَذاني في القرن الرابع الهجري، وانتهاء بناصيف اليازجي في القرن التاسع عشر الميلادي (د.بديع محمد جمعة/ دراسات في الأدب المقارن/ ط3/ 2003م/ 199 - 214).
أما في الأدب الفارسي فلم يمارسها إلا أديب واحد، هو القاضي حميد الدين (من أهل القرن السادس الهجري)، الذي أقر بأنه ليس إلا تلميذًا من تلامذة بديع الزمان، فكفى الباحثين مؤنة التدليل على أنه إنما استقاها من العربية وأدبها، وإن كان الدكتور جمعة قد استأنس رغم هذا بما قاله كل من براون المستشرق الإنجليزي وكريم كشاورزي الباحث الإيراني (المرجع السابق/ 199، 222 - 223)، وإذا كان البطل في كل من المقامات الهمذانية والمقامات الحريرية شخصًا واحدًا لا يتغير (هو أبو الفتح الإسكندري عند بديع الزمان، وأبو زيد السَّروجي عند الحريري)، وكذلك راوية كل منهما شخصًا واحدًا أيضًا (هو عيسى بن هشام في الأولى، والحارث بن همام في الثانية)، فإن البطل لدى القاضي حميد الدين يتغير في كل مقامة، أما الموضوع فيبقى ثابتًا دون تغيير كما هو الحال عند الهمذاني والحريري حيث الكدية هي المحور في معظم مقامات الأول، وكل مقامات الثاني (ص 214 - 215، 219، 230 - 231).
وكما قامت المقامات في الأدب العربي، ضمن ما قامت، على المحسنات البديعية والإغراق فيها والاستعانة بالألغاز والحرص على إبراز سعة المعجم اللغوي، وبخاصة ما يكثر في لغة العرب من غريب الألفاظ - فكذلك حاول القاضي حميد الدين أيضًا الجري في نفس المضمار، وإن لم يكن للفارسية ذاتُ الثراء الذي تتمتع به لغة القرآن حسبما ذكر المؤلف، ومن مظاهر تأثر الحميدي بمقامات بديع الزمان كذلك كثرة استخدامه للألفاظ العربية، فضلًا عن الجمل والعبارات الكاملة المنقولة من لغة الضاد، حتى في المواضع التي لا يكون ثمة داع لذلك من ضرب مثل أو سوق شاهد في أصله العربي، بل لقد قلد الحميدي تركيب الجملة العربية في كثير من الأحيان، فكان يأتي بالفعل في أول الكلام على عكس ما تقتضيه اللغة الفارسية التي يقع فعلها في آخر الجملة لا في بدايتها، فضلًا عن إيراده كثيرًا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأشعار والأمثال العربية كما هي، إضافة إلى بعض الأشعار التي نظمها هو بلغة القرآن، ليس ذلك فقط، بل إنه قد اقتصر في عدد من الحالات على إيراد بعض المقامات الهمذانية كما هي بعد ترجمتها إلى الفارسية، مع زيادة بعض الإضافات بغية إظهار تفوقه وبراعته مثلما هو الحال في "المقامة السكباجية" التي تقوم على "المقامة المضيرية" لدى الهمذاني، كذلك تتشابه المقامات هنا وهناك في العدد؛ إذ تبلغ كل منهما أربعًا وعشرين مقامة (ص 222 - 225).
هذه نقاط الاتفاق، أما الاختلافات فتكمن في أن بطل مقامات الحميدي يختلف من مقامة إلى مقامة، كما أن راويها هو نفسه كاتبها، على حين أن بطل المقامات لدى الهمذاني واحد دائمًا، علاوة على أن راويها شخص غيره، كذلك ففي الوقت الذي نجد فيه البديع يسمي معظم مقاماته بأسماء البلدان، فإن الحميدي لا يصنع شيئًا من هذا، بل يطلق على كل مقامة اسمًا مشتقًّا من الفكرة التي تعالجها، وإلى جانب ذلك فإن في مقامات الأديب الفارسي كثيرًا من المناظرات، كتلك التي قامت بين السني والملحد، والأخرى التي دارت بين الشيب والشباب، ثم إنه، بسبب انتشار التصوف في إيران في الفترة التي عاش فيها القاضي حميد الدين، وجدنا الكاتب الفارسي "يخلع على كثير من مقاماته خلعة صوفية" بتعبير المؤلف، كما في "المقامة السكباجية" التي تجري في إثر "المقامة المضيرية" للهمذاني؛ إذ يوجد فيها شيخ ومريدون (ص 226 - 227).
وكما يرى القارئ، فهذا البحث قد توافرت فيه كل الشروط التي تشترطها المدرسة الفرنسية بوجه عام في هذا المجال؛ إذ ثبت بما لا يدع مجالًا لأي شك أن الحميدي قد استقى فن المقامة عن الهمذاني، وأنه قلده في كثير من النواحي الفنية المتعلقة بها، وإن لم ألاحظ أن الدكتور جمعة يتشدد كما يتشدد عامة المقارنين الفرنسيين، فقد وجدته واعيًا تمامًا بتميز المدرسة الأمريكية في ذلك الحقل، ولم أسمعه ينادي بوجوب التزام النهج الفرنسي، أيًّا ما يكن الأمر فقد لمس الأستاذ الباحث مسألة جد مهمة، وهي أن فن المقامات لم يكتب له الرواج والانتشار في الأدب الفارسي؛ذلك أنه لم يكرر المحاولة أحد بعد الحميدي، وقد علل الأستاذ الدكتور هذا بأن الفارسية فقيرة في الكلمات المترادفة والمتساجعة بالقياس إلى لغة الضاد، ومن ثم لا تصلح كثيرًا لكتابة المقامات، التي تلتزم السجع والمحسنات البديعية (ص228 - 229).
ولا أظن إلا أن ما يقوله المؤلف عن السجع في الفارسية صحيح، وإن كنت لا أستطيع أن أدلي بدلوي هنا؛ فأنا لا أعرف من الفارسية إلا ما كنت درسته على نفسي في لندن طوال شهري أغسطس وسبتمبر من عام 1982م وقطعت أثناءه شوطًا لا بأس به، ثم أنسيته بعد عودتي إلى مصر في أواخر سبتمبر من ذلك العام وعدم متابعتي دراستها وتنميتها، وأخيرًا فقد أذكر أن د. زكي مبارك، الذي تكرر الحديث عنه مرات في هذا البحث، كتب قائلًا: إن فن "المقامة" قد انتقل أيضًا إلى الأدبين: السرياني والعبري (د.زكي مبارك/ المقامات في الأدب العربي/ المجلة الجديدة/ مارس 1934م/ 53 وما بعدها، وانظر أيضًا كتابي: "نقد القصة في مصر: 1888 - 1980م"/ مكتبة زهراء الشرق/ 1418هـ/ 1998م/ 189)، وهو ما أشار إليه د. شوقي ضيف كما رأينا منذ قليل، ولعل الله يقيض لمسألة انتقال هذا الفن من العربية إلى السريانية والعبرية من يدرسها هي كذلك.
وفي العصور الوسطى ظهرت في أوربا قصص الفروسية والحب، وقد تأثرت هذه القصص، كما يوضح د. محمد غنيمي هلال، بالأدب العربي تأثرًا واضحًا؛ فقد ظلت المرأة في المجتمعات الأوربية إبان العصور الوسطى وفي آدابها مهملة لا يؤبه لها حتى القرن الحادي عشر حين أخذ يظهر خلق الفروسية، الذي يزاوج بين أخطار الحب وأخطار الحرب: فمثلًا في كتاب "فن الحب العفيف" لأندريه لوشا بلان نرى إدراكًا جديدًا للحب، فيه ترتفع المرأة إلى مكانة سامية لم تكن تعرفها من قبل؛ إذ يخضع الفارس لها خضوعًا مطلقًا، ويضحي بكل شيء في سبيل حبه لها ويبكي أمامها بسبب شدة الوجد الذي يلاقيه غير مستنكف من ذلك شيئًا، فضلًا عن أن حبه لها هو حب طاهر نبيل يتغذى على الحرمان، ويستعذب فيه صاحبه العذاب.
ويؤكد د. هلال أن هذا المفهوم الجديد للحب قد نشأ على أثر اتصال الغرب بالشرق في الحروب الصليبية وفي الأندلس، ومما له دلالته أن الأميرة التي ألف لها الكتاب المذكور هي ما ري دي فرانس أميرة إقليم شامبانيا حفيدة جيوم التاسع أمير بواتييه ودوق أكيتانيا، الذي عاش في أواخر القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر الميلاديين وشارك في الحروب الصليبية، وهو أول شاعر من شعراء التروبادور يتبين في شعره هذا المفهوم الجديد للحب، ومن يقابل بين ما كتبه مؤلف الكتاب المذكور عن الحب وبين الحب العذري وما كتبه ابن داود الظاهري في كتابه: "الزهرة"، وابن حزم في كتابه: "طوق الحمامة"، وهما سابقان عليه بوقت طويل، يجد تشابهًا واضحًا، وهناك من هذا الضرب من القصص الأوربي قصة "لانسيلو"، التي ألفها كريتيان دي تروا، وقصة "سجن الحب" للكاتب الإسباني سان بدرو، الذي عاش في القرن الخامس عشر، وقصة "أمايدس دي جولا" لجارثي أوردونييس، التي رأت النور عام 1508م، وهذه القصص، وإن كانت تتفوق على الملاحم بهذا الحب النبيل، لا تبتعد كثيرًا عنها؛ إذ الوحدة العضوية لا وجود لها، كما أن هناك قوى غيبية تحمي بطلها الفارس، وتكثر فيها العجائب والغرائب (انظر د. محمد غنيمي هلال/ الأدب المقارن/ دار نهضة مصر/ 1977م/ 200 - 207).
ويذكر د. هلال أيضًا أن قصص الرعاة في عصر النهضة الأوربية كانت أقرب إلى الواقع من قصص الفروسية؛ إذ تقل فيها العناصر العجيبة الموجهة للأحداث، وتكاد تنحصر في السحر واستطلاع المستقبل، كما أن الحوادث فيها حوادث إنسانية في جوهرها كما يقول، فضلًا عن تصويرها أماكن واقعية معروفة للناس، وقد نشأت هذه القصص أولًا في إيطاليا، ثم انتقلت إلى الأدب الإسباني، ثم إلى الأدب الفرنسي من بعده (المرجع السابق/ 208).
وفي القرنين السادس عشر والسابع عشر ظهر في أوربا كذلك "جنس جديد من القصص خطا بالقصة خطوات نحو الواقع، هو ما نطلق عليه: "قصص الشطار"، ووجد أول ما وجد في إسبانيا، وهو قصص العادات والتقاليد للطبقات الدنيا في المجتمع، وتسمى في الإسبانية: "picaresca"، وتختص بأن المغامرات فيها تحكى على لسان المؤلف كأنها حدثت له، وهي ذات صبغ هجائية للمجتمع ومن فيه، ويسافر فيها البطل (المؤلف) على غير منهج في سفره، وحياته فقيرة بائسة يحياها على هامش المجتمع، ويظل يتنقل بين طبقاته كي يكسب قوته، وهو يحكم على المجتمع حكمًا تظهر فيه الأثرة والانطواء على النفس وقصر النظر في اعتبار الأشياء من الناحية الغريزية النفعية: فكل من يعارضه فهو خبيث، ومن يمنحه الإحسان خيِّر، وأول قصة من هذا الجنس القصصي في الأدب الإسباني هي قصة عنوانها: "حياة لا ساري ودي تورمس وحظوظه ومحنه"، وهي قصة تنبع من واقع الحياة في الطبقات الدنيا، وتصفها كما يمليها منطق الغرائز الصريح، وهي معارضة تامة لقصص الرعاة...وتسير على نقيضها؛ لأنها تصف واقعًا لا مثالية فيه ولا أمل" (المرجع السابق/ 208 - 210).
ثم ينتقل الأستاذ الدكتور إلى القضية التي تهمنا هنا، ألا وهي قضية تأثر هذا الفن القصصي الجديد بالمقامة فيقول: "ويوجد وجوه شبه قوية بين قصص الشطار السابقة الذكر وبين المقامات العربية كما نعلمها عند بديع الزمان الهمذاني ثم الحريري، ولم تبحث هذه المسألة بحثًا مقارنًا بعد، ولكن الأدلة التاريخية تقطع بأن مقامات الحريري عرفت في الأدب العربي في إسبانيا، ومن كتاب العرب الإسبانيين (يقصد الأندلسيين) من ألفوا مقامات على غرارها في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، مثل ابن القصير الفقيه، ومثل أبي طاهر محمد بن يوسف السرقسطي، وقد شرح مقامات الحريري كذلك كثير من العرب الإسبانيين، من أشهرهم: عقيل بن عطية المتوفى عام 1211م، ثم أبو العباس أحمد الشريشي المتوفى عام 1222م، ثم إن مقامات الحريري ترجمت إلى اللغة العبرية: ترجمها سالمون بن زقبيل في القرن الثاني عشر الميلادي، ثم ترجمها الحريري، وظهرت ترجمته عام 1205م، وقد كانت هذه المقامات رائجة كل الرواج لا بين العرب فحسب، بل بين العبريين والمسيحيين أيضًا؛ ولهذا ترجموها إلى لغاتهم، وإذًا قد لقيت هذه المقامات حظًّا كبيرًا في أدب العرب في الأندلس، وغير المعقول أن تظل مجهولة لدى كتاب الإسبان وقصاصيهم بعد ذلك، وهذا التلاقي التاريخي هو الذي يفسر وجوه التشابه الكثيرة الواضحة بين المقامات وجنس قصص الشطار في الأدب الإسباني، وقد آثر كتاب الإسبان أن ينحوا منحاها الواقعي على أن يسيروا على منوال قصص الرعاة المثالية، فكان جهدهم ذا أثر كبير في القضاء على قصص الرعاة، وفي التقريب بين القصة وواقع الحياة، وأثروا بذلك تأثيرًا في كتاب القصة في الآداب الأوربية الأخرى" (ص210).
ولا يكتفي د. هلال بذلك، بل يمضي فيبين امتداد تأثير المقامات، ذلك التأثير الذي يقوم عليه ما بسطه من شواهد قوية مقنعة، إلى خارج الأدب الإسباني فيقول: "وممن تأثر بهم (أي بالأدباء الإسبان المتأثرين بالمقامات العربية) في الأدب الفرنسي شارل سورل (Charles Sorel) في قصته: "تاريخ فرانسيون الحقيقي الهازل"، وقد نشرها في باريس عام 1622م، وهي أول قصة من قصص الشطار في فرنسا، وهي على لسان شخصية فرانسيون يهجو فيها العادات والتقاليد بوساطة أشخاص من المتسولين ومن يعد في حسابهم في نظر المؤلف، كما يهجو مختلف الطبقات الأخرى...وقد كانت هذه القصة وأمثالها أصلًا لما سلكه الكاتب الفرنسي لوساج (Les age) في قصته: "جان بلا"، التي ظهرت طبعتها الكاملة في فرنسا عام 1747م، وفيها يهجو المؤلف العادات والتقاليد على لسان البطل الذي سميت القصة باسمه، كما كان قد انتفع بهذا الاتجاه العام الأقرب إلى الواقع الكاتب الفرنسي الآخر جوتييه (Gauthier) في قصته التي عنوانها: "موت الحب: Mort d Amour"، التي ظهرت في باريس عام 1616م، وفيها يصور حبًّا ماديًّا بين راعٍ نفعي غليظ الطبع وراعية في صفاتهما الحقيقية بين الرعاة العاديين، وهو حب لا مثالية فيه"، ثم يخلص كاتبنا إلى القول بأنه "بهذا الجهد المشترك لكتاب القصص في الآداب المختلفة قضي على قصص الرعاة، كما قضي من قبل على قصص الفروسية والحب، وقامت على أنقاضها قصص العادات والتقاليد في معناها الحديث، وخلت القصة بذلك من العناصر العجيبة الخارقة للمألوف، واتخذت حوادث الحياة العادية مادة خصبة لموضوعاتها" (ص211).
.