- "رأى: ر ذلك بالفتح، وللاثنين ريا ذلك، وللجماعة: روا ذلك، وللمرأة: ري ذلك، وللاثنتين كالرجلين، وللجمع رين ذلك. وبنو تميم يهمزون جميع ذلك"(51). وفي مثال آخر شبيه "الوري: قَيح يكون في الجوف... ورى: تقول منه: ر يا رجل بالكسر، وريا للاثنين، وروا للجماعة، وللمرأة: ري، وهي ياء ضمير المؤنث مثل: قومي واقعدي، وللمرأتين: ريا، وللنسوة: رين"(52). والملاحظ في تصريفهما أن هناك فرقاً بحركة الراء لاختلاف الأصلين، فمن الرؤية بالفتح ومن الآخر بالكسر.
- "يقال: وأيت لك به على نفسي وأيا، والأمر: أه والاثنين: أياه، والجمع: أَوا"(53). وغيرها كما في ودى، ووشى ووعى، كل في مادته.
كما نعثر على الإشارة إلى لغات القبائل المختلفة في كثير من الأبنية مثل الفعل الناقص (بقى) أنها لغة بلحرث بن كعب(54). وفي موضع آخر يذكر عن الليث أن: "لغة طيئ بقى يبقى، وكذلك لغتهم في كل ياء انكسر ما قبلها يجعلونها ألفا نحو: بقى ورضى وفنى"(55). والقبائل الأخرى على فعل بكسر العين نحو: بقي ورضي وعمي وخشي وخفي بالياء. وفي بناء الفعل على فعل بكسر الفاء والعين عند قبائل أخرى مثل: "ذهب... مطرد إذا كان ثانيه حرفا من حروف الحلق، وكان الفعل مكسور الثاني، وذلك في لغة بني تميم"(56). ثم يذكر أن "عامة قيس وتميم وأسد يقولون مخضت، بكسر الميم. ويفعلون ذلك في كل حرف كان قبل أحد حروف الحلق في فعلت وفعيل. فيقولون: بعير وزئير وشهيق، ونهلت الإبل وسخرت منه"(57) كلها بكسر الفاء والعين.
كما أنه يشير إلى اشتقاق الفعل من المصدر في مثل: "البأبأة: قول الإنسان لصاحبه: بأبي أنت، ومعناه أفديك بأبي، فيشتق من ذلك فعل فيقال: بأبأ به"(58). وفي مثال آخر: "الجلب... والفعل يجلبون"(59). وقد يدل على ما لا يشتق منه فعل مثل: "ويل وائل: على النسب والمبالغة، لأنه لم يستعمل منه فعل"(60). وفي: "مدرهم: ولا فعل له، أي كثير الدراهم. حكاه أبو زيد، قال: ولم يقولوا: درهم، قال ابن جني: لكنه إذا وجد اسم المفعول فالفعل حاصل، ودرهمت الخبازى: استدارت، فصارت على أشكال دراهم، اشتقوا من الدراهم فعلا، وإن كان أعجميا، قال ابن جني: وأما قولهم: درهمت الخبازى فليست من قولهم: مدرهم"(61). وفي: "الجورب... استعمل ابن السكيت منع فعلا فقال: تجورب..."(62). وكذلك يتناول بالإشارة إلى ما بني للمجهول، حيث يورد أنه سمع "للعرب أحرف لا يتكلمون بها إلا عن سبيل المفعول به، وإن كان بمعنى الفاعل، مثل: زهي الرجل وعني بالأمر، ونتجت الشاة والناقةُ وأشباهها"(63).
وقد يعرض كل شروح المادة بمشتقاتها المختلفة بدون أي ترتيب ما بين المصدر والفعل الثلاثي المجرد أو المزيد فيه منه مثلا مادة (كتب) "الكتاب... كتب الشيء يكتبه كتبا وكتابا وكتابة وكتبه والكتاب والكتابة والكتبة. ويقال: اكتتب واستكتبه الشيء"(64). وهكذا إلى نهاية هذه المادة مع تكرار بعض الألفاظ لاختلاف المعاني ومصادر النقل. وبمعرفة أدلة الزيادة نتبين الأصول في الفعل والمصدر. وقد يصرح بأصوله أو الزيادة في مثل: "قدأ: ذكره بعضهم في الرباعي. القندأ والقندأوة: السيئ الخلق والغذاء"(65). ثم يعلل إيراده في الثلاثي بقول: "الأزهري: النون فيها ليست بأصلية... وقد همز الليث جمل قندأو وسندأو، واحتج بأنه لم يجئ بناء على لفظ قندأوٍ إلا وثانيه نون، فلما لم يجئ على هذا البناء بغير نون علمنا أن النون زائدة فيها"(66). ومثل: "خفيدد وفيه لغة أخرى خفيفد وهو ثلاثي من خفد ألحق بالرباعي"(67). أو بالتلميح إلى زيادة الحرف في القول: "تدرع مدرته وادرعها وتمدرعها، تحملوا ما في تبقية الزائد مع الأصل في حال الاشتقاق توفية للمعنى وحراسة له ودلالة عليه. ألا ترى أنهم إذا قالوا تمدرع، وإن كانت أقوى اللغتين، فقد عرضوا أنفسهم لئلا يعرف غرضهم أن الدرع هو أم من المدرعة؟ وهذا دليل على حرمة الزائد في الكلمة عندهم حتى لأقروه إقرار الأصول، ومثله تمسكن وتمسلم"(68).
وبهذه الكيفية الإجرائية يعرف الدارس المستعمل من المهمل بدون التصريح في مثل: "رجأ: أرجأ الأمر: أخره... الإرجاء: التأخير والمرجئة وأرجأت الناقة: دنا نتاجها..."(69). وذلك أن الفعل هنا استعمل المزيد فيه منه دون المجرد لعدم (رجأ) في الاستعمال عند العرب. وأحيانا يذكر الفعل ومصدره واسم مصدره وما يشبهه مثل: "الجواب: معروف، رديد الكلام، والفعل أجاب يجيب... والمصدر الإجابة، والاسم الجابة بمنزلة الطاعة والطاقة"(70).
وقد يظهر الميزان الصرفي في مثل: "ادفَأَ به: وهو افتعل..."(71). ومثل: "استفاء واستفعل من الفيء"(72). أو يشار إليه بالمماثلة على وزن ما هو أشهر إثباتا مثل: "الألاء بوزن العلاء: شجر"(73). أو بالتمثيل بما هو أوضح نحو: "آء على وزن عاع: شجر واحدته آءة"(74). أو نفيا لرفع الالتباس بين الأصول والزوائد مثل: "الحلبلاب: نبت... ثلاثي كسرطراط، وليس برباعي، لأنه ليس في الكلام كسفرجال"(75). وهنا يعلل بنفي وجود مثل هذا الوزن في الكلام العربي رباعيا من الأصول، أو بالإثبات والنفي معا مثل: "في الكلام فَعلل و ليس فيه فَعلل"(76). أو بذكر الحركة في مثل: "البدء والبدأة... بفتح الباء فيهما"(77). أو بكل ذلك جميعا مثل: "هنباء مثل فعلاء بتشديد العين والمد قال: ولا أعرف له في كلام العرب نظيرا"(78). ومثل: "ترك فَعللا بفتح الفاء، لأنه بناء غير معروف، ليس في الكلام مثل قمطر بفتح القاف"(79). وقد يصرح بما أهمل في مثل: "وقال بعضهم: عندأوة فعللوة، والأصل قد أميت فعله"(80). أي أهمل ولم يستعمل.
ونجد فيه تعليلا لمسألة ما بأدلة الزيادة كالاشتقاق في مثل قول: "ابن جني: ينبغي أن تكون النون في عنتر أصلا ولا تكون زائدة كزيادتها في عنبس وعنسل لأن ذينك قد أخرجهما الاشتقاق، إذ هما من العبوس والعسلان، وأما عنتر فليس له اشتقاق يحكم له بكون شيء منه زائدا، فلابد من القضاء فيه بكونه كله أصلا"(81). أو الكثرة في مثل: "التولب: ولد الأتان من الوحش إذا استكمل الحول... وإنما قضي على تائه أنها أصل وواوه بالزيادة، لأن فوعلا في الكلام أكثر من تفعل"(82). أو النظير في كلام العرب وهو كثير نفيا مثل: "المنجنيق: الميم أصلية... ولأنها لو كانت زائدة والنون زائدة لاجتمعت زائدتان في أول الاسم، وهذا لا يكون في الأسماء والصفات التي ليست على الأفعال المزيدة، ولو جعلت النون من نفس الحرف صار الاسم رباعيا، والزيادات لا تلحق بنات الأربعة أولا إلا الأسماء الجارية على أفعالها نحو مدحرج"(83). أو الاستثناء مثل: "ليس في الكلام فعلال إلا مضاعفا غير الخزعال"(84). و"القرثاء: ضرب من التمر... ولا نظير لهذا البناء إلا الكريثاء وهو ضرب من التمر أيضا"(85). ولعل هذه الكلمة تكون واحدة بإبدال القاف كافا أو العكس، ومثلها كثير نحو: السخب والصخب بمعنى الصياح(86). والكست الذي يتبخر به لغة في الكسط والقسط(87)، وغير ذلك كثير.
الخاتمة:
فقد كانت هذه النقول تمثيلا لنماذج من القضايا الصرفية بالطريقتين: الإجرائية، والأخرى التي تتبع بالقاعدة والتعليل. وهي محاولة بسيطة تبين أهمية معجم لسان العرب في حفظ كثير من قواعد اللغة العربية الأساسية، وإن كان هدف صاحبه جمع مواد اللغة العربية قصد الحفاظ عليها من الضياع والخلط حين تداخلت ألسنة الأجناس الأعجمية في صفوف العرب. وكان التركيز في ذلك التمثيل على ذكر نماذج من كل باب صرفي لأجل التدليل على ورودها في هذا المعجم المفيد، لأنه قد يتصور لأول وهلة أنه غير معني بهذا الجانب العلمي الذي يمكن أن يصلح فهرسا لكل القضايا الصرفية والنحوية وغيرها.
وكانت هذه الصفحات عبارة عن عرض مختصر لبعض الأمثلة بغية تبيين منهجية لسان العرب في تقديم القضايا الصرفية عبر الشروح اللغوية، وقد توفرت بقدر كبير يستحق العناية والمتابعة للاستفادة، ولكن العثور عليها صعب، لكونها غير مقصودة في ذاتها، وإنما وردت ضمن التعليل والتدليل لقضايا لغوية، ولذلك كانت أهمية حصرها مفيدة للباحث الذي يرغب في المرور على هذا المعجم الضخم، وقد يعثر على ضالته بأقل طاقة، ولعل في هذه الجولة السريعة على مواده عبر سطوره النيرة تمكنه من الاقتراب من ذلك الكنز الباقي بقاء اللغة العربية.
الهوامش:
1 - يراجع، السيوطي: بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة ، تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم، مطبعة عيسى البابلي وشركاه، ط. 1، 1384 هـ - 1964 م، 1/248. والزركلي: الأعلام، دار العلم للملايين، ط. 5، بيروت 1980، 7/108.
2 - ابن منظور: لسان العرب، دار صادر، ط. 3، بيروت 1414 هـ - 1994 م، 1/263، إذ جاء فيه: "قال عبد الله بن مكرم: رويفع بن ثابت هو جدنا الأعلى من الأنصار..." ثم يسرد كل نسبه.
3 - مقدمة لسان العرب، ص 8.
4 - يراجع المصدر نفسه، ص 6.
5- المصدر نفسه، ص 7.
6 - نفسه.
7 - المصدر نفسه، 1/26 (بدأ).
8 - المصدر نفسه، 1/31 (برأ).
9 - المصدر نفسه، 1/79 (ذرأ).
10 - المصدر نفسه، 4/226 (خبر).
11 - المصدر نفسه، 10/85 (خلق).
12 - المصدر نفسه، 1/128 (قرأ).
13 - المصدر نفسه، 1/65 (خسأ).
14 - المصدر نفسه، 1/78 (دنأ).
15 - المصدر نفسه، 1/107.
16 - المصدر نفسه، 1/25 (بأبأ).
17 - المصدر نفسه، 1/34 (بطأ).
18 - المصدر نفسه، 1/26 (بدأ).
19 - المصدر نفسه، 1/13 (برأ).
20 - المصدر نفسه، 1/30 (بذأ)
21 - المصدر نفسه، 1/145 (كلأ)، والشاهد من سورة الأنبياء من الآية 42.
22 - المصدر نفسه، 1/92 (زوأ).
23 - المصدر نفسه، 1/26 (بتأ).
24 - المصدر نفسه، 1/314 (حسب).
25 - المصدر نفسه، 1/32 (برأ).
26 - المصدر نفسه، 1/313 (حسب).
27 - المصدر نفسه، 15/253.
28 - المصدر نفسه، 1/240 (ثقب).
29 - المصدر نفسه، 1/44 (جرأ).
30 - المصدر نفسه، 1/540.
31 - المصدر نفسه، 1/35 (بهأ).
32 - المصدر نفسه، 1/25 (ببأ).
33 - المصدر نفسه، 1/27 (بدأ).
34 - المصدر نفسه، 1/96 (سوأ).
35 - المصدر نفسه، 1/30 (بذأ).
36 - المصدر نفسه، 1/31 (برأ).
37 - المصدر نفسه، 12/597، يراجع، كتاب سيبويه، تحقيق وشرح عبد السلام هارون، الهيأة المصرية العامة للكتاب، ط. 2، 1977 م، 4/38. وعبارته فيه "وبنوا فعلَ على يَفعل في أحرف".
38 - ابن منظور: المصدر السابق، 1/315 (حسب). والصحاح للجوهري، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، ط. 3، بيروت 1404 هـ - 1984 م، 1/111 و112.
39 - ابن منظور: المصدر السابق، 1/434.
40 - المصدر نفسه، 1/40 (جنأ).
41 - المصدر نفسه، 1/34 (بطأ).
42 - المصدر نفسه، 1/44 (جرأ).
43 - المصدر نفسه، 1/66 (خطأ).
44 - المصدر نفسه، 1/486 (شذب).
45 - المصدر نفسه، 1/45 (جزأ).
46 - المصدر نفسه، 14/378 (سرا). ينظر، السيوطي: المزهر في علوم اللغة وأنواعها، شرح وتعليق جاد المولى بك وآخرين، المكتبة المصرية ودار الفكر، صيدا 1408 هـ - 1987 م، 2/81.
47 - ابن منظور: المصدر السابق، 2/265 (دحرج).
48 - المصدر نفسه، 11/337 (سغبل). يراجع 11/334 (سبغل).
49 - المصدر نفسه، 8/251 (فرقع).
50 - المصدر نفسه، 14/14 (أتي).
51 - المصدر نفسه، 14/293 (رأى).
52 - المصدر نفسه، 15/387 (ورى).
53 - المصدر نفسه، 15/377 (وأي).
54 - المصدر نفسه، 14/79 (بقي).
55 - المصدر نفسه، 14/80. 4 - وتهذيب اللغة للأزهري، تحقيق وتقديم عبد السلام هارون وآخرين، الدار المصرية للتأليف والترجمة، 1384 هـ - 1964 م، 9/349. والصحاح للجوهري، 6/2284 (بقي).
56 - ابن منظور: المصدر السابق، 1/395. المحكم والمحيط الأعظم في اللغة لابن سيده، تحقيق مجموعة من الأساتذة، معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية، 1377 هـ - 1958 م، 4/211.
57 - ابن منظور: المصدر السابق، 7/228. يراجع كتاب سيبويه، 4/107 - 108.
58 - المصدر نفسه، 1/25 (بأبأ). يراجع التهذيب للأزهري، 15/600 (بأبأ).
59 - المصدر نفسه، 1/268 (جلب).
60 - المصدر نفسه، 11/738 (وال).
61 - المصدر نفسه، 12/109 (درهم). والمحكم، (درهم). والخصائص، 1/393.
62 - المصدر نفسه، 1/263 (جرب).
63 - المصدر نفسه، 14/360. والمحكم، 7/250.
64 - المصدر نفسه، 1/698 (كتب).
65 - المصدر نفسه، 1/128 (قدأ). والتهذيب، (قدأ).
66 - نفسه.
67 - المصدر نفسه، 3/163 (خفد).
68 - المصدر نفسه، 8/81 (درع).
69 - المصدر نفسه، 1/83 (رجأ).
70 - المصدر نفسه، 1/283 (جوب).
71 - المصدر نفسه، 1/76 (دفأ).
72 - المصدر نفسه، 1/126 (فيأ).
73 - المصدر نفسه، 1/24 (ألأ).
74 - المصدر نفسه، 1/24 (أوأ).
75 - المصدر نفسه، 1/334 (حلب).
76 - المصدر نفسه، 2/278.
77 - المصدر نفسه، 1/30 (بدأ).
78 - المصدر نفسه، 1/788 (هنبأ). والهنباء هو الأحمق.
79 - المصدر نفسه، 2/422.
80 - المصدر نفسه، 1/119 (عدأ).
81 - المصدر نفسه، 4/610 (عنتر). والمحكم، 2/323 (عنتر). والخصائص، 1/257.
82 - المصدر نفسه، 1/232 (تلب).
83 - المصدر نفسه، 10/338. والكتاب، 4/309.
84 - المصدر نفسه، 2/73.
85 - المصدر نفسه، 2/177.
86 - المصدر نفسه، 1/462.
87 - المصدر نفس، 2/78.