عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 12-13-2016 - 09:32 AM ]


ورُدَّ عليه بأمرين:
أحدهما: أنه لو جاز ذلك على التأويل الذي ذكره لوجب أن يكون جائزًا: ضربتُك بالجارية وأنتَ كَفيل، بمعنى: وأنتَ كَفيل بالجارية، وأن تقول: رأيتُك إيَّانا وتُريد، تريد: رأيتُك وإيَّانا تُريد، لأنَّ العرب تقول: إيَّاكَ بالباطل أنْ تَنطقَ، فلو كانت الواو مضمرة في (أنْ) لجاز جميع ما ذكرنا، ولكنَّ ذلك غير جائز؛ لأنَّ ما بعد الواو لا يجوز أنْ يعمل فيما قبلَها. ومما يدلُّ على أنَّ إضمار الواو ها هنا غيرُ جائز قولُ الشاعر:

فَبُحْ بالسَّرائرِ في أهلِها
وإيَّاكَ في غَيرِهِمْ أنْ تَبُوحا

فلو كان ثَمَّ واوٌ مضمرة في «أنْ تَبوحا» لم يجز تقديم «في غيرهم» عليها؛ لأنَّ «في غيرهم» قد عَمل فيه الفعلُ بعدَ (أنْ)113 . وأمَّا قولهم «إيَّاكَ أنْ تتكلَّمَ» فليس على حذف الواو، بل (إيَّـاك) مُضَمَّنٌ معنى (احذرْ)، و«أنْ تتكلمَ» في موضع نصب، وكأنه قيل: احْذَر التكلـم114 .

أقول: التقدير الذي ذكره الفراء حُذف فيه الواو واللام، لا الواوُ وحدَها، وقد أشار إلى تقدير الواو الأخفشُ في الموضع الذي نَفى فيه أن تكون (أنْ) زائدة، فقال: «ولو كانت في معنى: وما لَنا وكذا؟ لكانت: وما لَنا وأَلاَّ نُقاتِلَ»115 . ويُعدُّ قوله هذا ردًّا على مَن ذهب إلى تقدير الواو في مثل هذا.

وثانيهما: أنَّ الحذف على خلاف الأصل، ولا يُذهب إليه إلا لضرورة، ولا ضرورةَ هنا تدعو إليه مع صحة المعنى في عدم القول به 116 .

ونُسب هذا المذهب إلى قوم منهم الطبري 117 . ونسبتُه إليه غيرُ صحيحة، فقد قَدَّمنا أنَّ الفراء حكاه عن بعض النحويين، وابنُ جرير نقل هذا التأويل والردَّ عليه كما قاله الفراء من غير أن يؤيده.

وأمّا احتجاجُه بإعمال (لا) الزائدة عَمَلَ (لا) النافيةِ للجنس في بيت الفرزدق ففي البيت ثلاثة أقوال:
أحدُها: موافقتُه في أنَّ (لا) زائدة في هذا البيت من حيث المعنى، وقد عَمِلت، والأصل: لو لم تكن ذُنوبٌ لغطفان، وجملة «لا ذُنوبَ لها» خبر الكون118 . وعَمَلُ (لا) الزائدةِ شاذٌّ119 .

وثانيها: أنَّ (لا) غيرُ زائدة فيه؛ لأنه نفيٌ، والنفيُ إذا نُفي صار إثباتًا، ففي قوله «لو لم تكن غَطَفانُ لا ذُنوبَ لها» إثبات الذنوب لها، كما يقال: ما أخوك ليس يقوم، بمعنى: هو يقوم120 .
وثالثُها: أنَّ في البيت تصحيفًا، وأنَّ صوابه «لا ذَنُوبَ لها» بفتح الذال لا بضمها، وهو قول الأستاذ محمود محمد شاكر، قال – رحمه الله – في تحقيقه تفسير الطبري: «وجميعُ مَن رأيتُ يذهب إلى أنَّ الذُنوب جمع ذَنْب، وهو عندي ليس بشيء، وإنما انْحَطُّوا في آثار الأخفش حين استشهد بالبيت على إعمال (لا) الزائدة. وصواب البيت عندي «لا ذَنُوبَ لها»، وليس في البيت شاهد عندئذ. والظاهر أنَّ الأخفش أخطأ في الاستشهاد به. والذَّنُوب (بفتح الذال):الحظ والنصيب، وأصله الدَّلْو الملأى. وهو بهذا المعنى في قوله تعالى ﴿ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾(الذاريات:59)، أي: حَظًّا من العذاب. قال الفراء (الذَّنوب: الدلو العظيمة، ولكن العرب تذهب به إلى الحظ والنصيب).وقال الزمخشري: (ولهم ذَنُوبٌ مِن كذا) أي: نَصيب، قال عمرو ابن شَأْسٍ121 :

وفي كُلِّ حَيٍّ قد خَبَطْتَ بِنِعْمةٍ
فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِن نَداكَ ذَنُوبُ

أقول: يقول الفرزدق: لو لم تكن غطفان خَسيسةً لا حَظَّ لها من الشرف والحسب والمروءة (إذًا لَلامَ ذَوُو أَحْسابِها عُمَرا). وبذلك يبرأ البيت من السخف ومن تكلف النحاة»122 .

وقد أثبتُّ هٰذا النصَّ على الرغم مِن طوله ليتضح المعنى، وليكون فيه مَقْنَعٌ للقارئ. وهذا رأي وَجيه، وإنْ كنا لا نتهم الأخفش فيما روى.
وأمّا القياس فرُدَّ على الأخفش فيه بأمرين:

أحدهما: أنَّ (مِنْ) و(الباءَ) الزائدتين إنَّما عَمِلتا لاختصاصهما بالاسم، وحرفُ الجر الزائدُ مثلُ غير الزائد في العمل فيما اختص به، بخلاف (أنِ) الزائدةِ، فإنَّها غير مختصة بالأفعال، بدليل دخولها على الحرف، وهو (لو) و(كأنَّ)، وعلى الاسم، وهو (ظَبْية ) و(قَبَس) و(بَطْن)، كما رأينا123 .

وثانيهما: أنَّ الزيادة على خلاف الأصل، ولا يُصار إليها إلا لضرورة، ولا ضرورةَ تدعو هنا إلى ذلك مع صحة المعنى في عدم القول بِها124 .
والذي أختاره في هذه المسألة مذهب الكسائي للأدلة التي ذكرت.

الموضع الثانِي: في قول أبي ذُؤيب الهذلي125 :

فأَجَبْتُها أمَّا لِجِسمي أَنَّهُ
أَوْدَى بَنِيَّ مِنَ البِلادِ، فَوَدَّعُوا

فقد أجاز أبو علي الفارسي126 أن تكون (أمَّا) مركبة من (أنِ) الزائدة و(ما) الموصولة، ويكون التقدير: «فأجبتُها، فقلتُ: الذي بِجِسمي أنَّه أودى بَنِيَّ»، فتكون (ما) مبتدأ، والمصدر المؤول خبره، والجملة في موضع نصب بالقول المضمر، وقال: «وتكون أنْ زائدة على قياس ما أنشده أبو زيد من قوله (كأنْ ظَبْيةٍ) أيْ: كظَبْيةٍ».

أقول: إذا كان قد قَصد القياس على (كأنْ ظَبْيةٍ) فهو قياس على القليل أو الشاذ، وقد ذكرنا في الموضع الثالث من مواضع زيادة (أنْ) في الفصل الأول أنَّ زيادتَها بينَ الكاف ومجرورها مِمَّا يُحفظ ولا يُقاس عليه. ولعله أراد بذلك التمثيل لزيادتِها من غير اعتبارٍ لكون ذلك مما يُقاس عليه أو مما يُقتصر فيه على المسموع. وهذا التأويل عندي أَولَى؛ لأنَّ أبا علي لا يرى القياس على القليل، وهذه عادة النحويين، فهم يمثلون بالقليل للاستئناس به لا للقياس عليه، وقد يعكسون الأمر، فيحتجون للوجه القليل بما هو أكثر منه؛ ألا ترى أنَّ ابن جِنِّيْ لَمَّا ذكر هٰذا الوجه نَظَّر له بزيادة (أنْ) بعد (لَمَّا)، فقال: «وهو أن تكون زائدة، كقوله سبحانه ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ (يوسف:96)»127 .

وأجاز أبو علي أيضاً – قياساً على قولِ مَن أجـاز زيادة حرفيـن متجاورين – أن يكون الحرفان (أنْ) و(ما) زائدين، ويكون المعنى: «فأجبتُها، فقلتُ: لِجسـمي أنَّه أوْدى بَنِـيَّ»128 .

وضَعَّفَ ابنُ جِنِّيْ الوجهَ الأول لأنَّ (أنْ) «لم تقع زائدة في غير هذا الموضع مبتدأة، إنَّما تقع في حشو الكلام وتضاعيفه»129 . وعَدَّه ابنُ عصفور من ضرائر الشعر130 . ولم يُجز ابنُ جِنِّيْ الوجهَ الثاني لئلا يجتمع زائدان131 ؛ وهو يمنع اجتماع زائدين لتوكيد معنًى واحد، ويُجيزه إذا كان الغرض منه توكيد معنى جملة الكلام132 .

وأجاز أبو علي في (أَمَّا) هذه أوجُهًا أخرى، ومَنع بعض الأوجه133 .
والذي نختاره من الأوجه التي أجازها هو أن تكون (أنْ) في هذا البيت حرف تفسير بمنـزلة (أيْ)، كالتي في قوله تعالى ﴿ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا ﴾134 (ص:6)؛ وذلك لاجتماع شروط (أَنِ) المفسِّرة فيها135 . وقد تابعه في إجازة هذا الوجه تلميذه ابنُ جِنِّيْ136 .
الموضع الثالث: بعدَ (ما) النافية في قول أبي قيس بن رفاعة137 :

مِنَّا الذي هو ما أنْ طرَّ شاربُهُ
والعانِسُونَ، ومِنّا المُرْدُ والشِّيبُ

في رواية ابن دُريد له بفتح الهمزة138 ، فقد نَصَّ ابنُ جِنِّيْ139 على أنَّ (ما) نافية، و(أنْ) بعدها زائدة. وتبعه التبريزي140 . ولم أَرَ مَنْ خالفهما في ذلك. وزيادتُها في هذا الموضع بَيِّنة، زيدت هنا كما زيدت أختها (إنْ) بعد (ما) النافية في قول النابغة الذُّبياني141 :

ما إنْ أَتَيتُ بِشيءٍ أنتَ تَكرَهُهُ
إذًا فلا رَفَعَتْ سَوْطي إليَّ يَدي

الموضع الرابع: (أنِ) الواقعة بعد (لكي) في نحو (جئتُ لِكي أنْ أُكرمَك) عند الكوفيين142 ، فقد ذهبوا إلى أنه يجوز إظهار (أنْ) بعد (كي)، وتكون(كي) ناصبة للمضارع، و(أنْ) زائدة مؤكِّدة ل (كي) على طريق توكيد الحرف للحرف الملاقيه في المعنى وإن اختلفا في اللفظ، ولا عمل لها. وذهب بعضهم إلى أنَّ العامل هو اللام، و(كي) و(أنْ) توكيدان لها. واستدلوا على ذلك بالنقل والقياس: أمَّا النقل فقول الشاعر:

أَرَدتَ لِكَيْما أَنْ تَطيرَ بِقِرْبَتي
فَتَتْرُكَها شَنًّا بِبَيْداءَ بَلْقَعِ

وأمَّا القياس فوجهه أنَّ (أنْ) جاءت للتوكيد، والتوكيد من كلام العرب، فدخلت (أنْ) توكيدًا ل (كي) لاتفاقهما في المعنى وإن اختلفتا في اللفظ.
ورُدَّ عليهم بأنَّ هذا البيت لا يُعرف قائله، وأنَّ ظهور (أنْ) هنا إنَّما هو لضرورة الشعر، وأنه يمكن أن تكون (أنْ) بدلاً من (كيما) لأنَّهما بمعنًى واحد، وبأنَّ التوكيد إنَّما جاز فيما وقع عليه الإجماع، بخلاف ما وقع فيه الخلاف، فإنه لم يأتِ عن العرب فيه إلا شاذًّا نادرًا لا يُعَرَّج عليه، ولم يَثبُت ذلك الشاذُّ عنهم، فوجب ألاَّ يكون جائزًا143 .
ونرى أنَّ عدم معرفة قائل البيت لا يضرّ، وأنَّ (أنْ) فيه زائدة لضرورة الشعر.

الموضع الخامس: (أَنِ) الواقعة بعد لام الجحود، نحو: ما كان زيدٌ لِيقومَ، فقد ذهب الكوفيون إلى أنَّ لام الجحد هي الناصبة بنفسها، ويجوز إظهار (أنْ) بعدها، فتكون زائدة للتوكيد، كما جاز ذلك في (كي)، فتقول: ما كان زيدٌ لأَنْ يقومَ144 . وذكر أبو حيان أنَّ هذا قد نُقل عن بعض الكوفيين145 .

ورُدَّ عليهم بأنَّ إظهار (أنْ) غير مسموع، فينبغي ألاَّ يجوز146 . والقول بعدم جواز إظهار (أنْ) هنا هو الصواب لانتفائه في السماع.

الموضع السادس: فيما أنشده أبو علي الفارسي في (التذكرة) من قول الشاعر:

أرادتْ لِئلاَّ أنْ يكونَ كمثلِها
غريبٌ، فأخْطَتْ رَأْيَها أُمُّ عَلْكَدا

فقد أجاز أبو حيان أنْ تكون (أنْ) فيه زائدة لضرورة الشعر، كما زيدت بين الكاف الجارَّة ومجرورها147 .
وقوله هذا مقبول؛ لأنَّها لا تحتمل أيَّ نوع مِن الأنواع الأخرى ل (أنْ).

الموضع السابع: (أنِ) الواقعة بعد (أمَا) المخففة، وذلك في قول العرب «أمَا أنْ جَزاك اللهُ خيرًا»148 ، فقد زعم ابنُ الطَّراوة أنَّ (أمَا) حرف استفتاح بِمنـزلة (ألاَ)، و(أنْ) زائدة ليس غير149 .
وجَوَّز ابنُ مالك فيه أن تكون (أمَا) بمعنى (ألا)، و(أنْ) بعدها مخففة، أو زائدة، كما زيدت بعد (لَمَّا)، وقبل (لَوْ)، وبين كاف الجر ومجرورها150 .

وردُّوا على ابن الطـراوة «بأنَّ (أنْ) لا تُزادُ بقياس إلا بعد (لَمَّا)، وهي هنـا زائـدة بغيـر قياس»151 . وخَرَّجوه على حذفِ اسم (أنْ) على أنَّها مخففة، وحذفِ القول الذي هو خبـر.

ورأى أبو حيان152 أنَّ هذا التخريج ضعيفٌ جدًّا، وفيه إجحاف كثير؛ لأنه حُذف فيه الاسم والخبر معًا، وما ذهب إليه ابن الطَّراوة ليس فيه سوى دعوى زيادة (أنْ)، وهذا قريب، زيدت هنا كما زيدت أختها (إنْ) بعد (ألاَ) الاستفتاحية، كقول الشاعر153 :

ألا إنْ بِلَيلٍ بانَ مِنِّي حَبائبِي
وفيهنَّ مَلْهًى، لو أرَدنَ، لِلاعِبِ

والأخذ بقول ابن الطراوة هو الصحيح لِما ذكره أبو حيان.

الموضع الثامن: في قوله تعالى ﴿ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ﴾ (الإسراء:2)، فقد أجاز بعض النحويين أن تجعل (أنْ) زائدة، ويكون الكلام خبرًا بعد خبر، ويُضمر القول، ويُحمل ﴿تَتَّخِذُوا ﴾ على القول المضمر، فيكون التقدير: وجعلناه هُدًى لِبَني إسرائيلَ، فقلنا: لا تَتَّخِذُوا مِنْ دُوني وَكيلاً154 .

ورُدَّ هذا الوجه بأنَّ هذا الموضع ليس من مواضع زيادة (أنْ)155 .
وهذا أحد ثلاثة أوجه أجازها الفارسيُّ فيها156 . والوجه الثاني: أن تكون (أنْ) ناصبة للفعل، والمعنى: كراهة أنْ تَتَّخذوا، أو لئلاَّ تتخذوا. والوجه الثالث: أن تكون (أنْ) حرف تفسير بمعنى (أيْ)، فيكون التقدير: أيْ لا تَتَّخذوا. والوجه الثالث أقواها لتوفر شروط (أنِ) المفسِّرة هنا، ووضوح المعنى بحملها عليه.

الموضع التاسع: (أنِ) الواقعة بعد (ما) الموصولة، كقول جابر بن رألان الطائي157 :

يُرَجِّي العبدُ ما أنْ لا يُلاقي
وتَعرِضُ دُونَ أبعَدِه خُطوبُ

فقد روي بفتح (أنْ)، وبكسرها، ورواه أبو حاتم: ما لا إنْ يُلاقي. فذهب أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش الأصغر إلى أنَّ الصواب «ما أنْ لا يُلاقي» بفتح الهمزة، و(أنْ) زائدة، وهي تُزاد في الإيجاب مفتوحة، كزيادتِها بعد (لَمَّا)، وفي النفي مكسورة، كزيادتِها بعد (ما) النافية العاملة عمل ليس، و(ما) في هذا البيت بِمعنى الذي، فلا تكون (أنْ) بعدها إلا مفتوحة، والذي رواها مكسورة ظَنَّ (ما) نافية. ورواية أبي حاتم صحيحة لأنَّ (لا) في النفي بمنـزلة (ما)158 .

وروى الرضيُّ البيتَ كما يلي: ما لا أنْ يُلاقي، وجعله دليلاً على قول الخليل إنَّ (لن) أصلها: لا أنْ، بدليل أنَّ المعنى فيهما واحد159 .

ورُدَّ على الأخفش بأنَّ رواية الكسر ثابتة صحيحة، وأنَّ دعوى عدم زيادة (إنِ) المكسورةِ الهمزة بعد (ما) الموصولة غيرُ صحيحة، فقد زيدت بعدَها في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ ﴾ (الأحقاف:26)، فقد قال بعضهم160 : أراد: فيما مَكَّنَّاكم فيه، و(إنْ) زائدة. ونُسب للأخفش الأوسط161 . ونَظَّر الزمخشري162 الآية الكريمة بِهذا البيت. وبهذه الآية رُدَّ على ابن عصفور في زعمه أنَّ زيادتَها هنا ضرورة شعرية163 . وممن ذهب إلى أنَّها تُزاد بعد (ما) الموصولة الفارقيُّ164 ، والمُراديُّ165 ، وابنُ هشام166 . وإنَّما زيدت بعد (ما) الموصولةِ تشبيهًا لها ب (ما) النافيةِ لفظًا.

وذكر أحمد بن محمد الحَدَّاديُّ أنَّ (أنِ) الزائدة لا تدخل بعد (ما) الموصولة167 . وتابعه مِنَ المعاصرين سعيدٌ الأفغانِيُّ، فأنكر زيادتَها في هذا الموضع، لأنه لا يؤيدها قياس ولا سماع قويّ، ورأى أنَّ مَن قال بزيادتِها هنا إنَّما استند إلى الشعر، والشعرُ موضع ضرورة، وعلى كل حال لا يُحمل القرآن على قوله168 .

وزعم قُطْرُب أنَّها هنا بمعنى (قد)169 . وقيل: يحتمل أن تكون شرطية، وجوابُها محذوف، والتقدير: ولقد مَكَّنَّاهم فيما إنْ مَكَّنَّاكم فيه كان بغيُكم أكثرَ وعنادُكم أشدَّ170 . وقال الجمهور: هي نافية بمنـزلة (ما). قال ابن الشجري171 : «وهذا القول أَسَدُّ ما قيل فيها؛ لأنَّ (ما) بمعنى الذي، والمعنى: ولقد مَكَّنَّاهم في الذي ما مَكَّنَّاكُم فيه، فهذا مطابق لقوله تعالى ﴿ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ﴾ (الأنعام:6)».

رد مع اقتباس