عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 12-13-2016 - 09:27 AM ]


واستَدلَّ أبو حَيَّان على أنّ (أنْ) في قول سيبويه ليست رابطة ولا توطئة بل زائدة بقوله في (باب أنْ وإنْ) بعد كلام ذَكر فيه بعض أقسام أنْ: «ووجهٌ آخرُ تكون فيه لَغْوًا». ثم قال: «فأمّا الوجهُ الذي تكون فيه لَغْوًا فنحوُ قولك: لَمّا أنْ جاءوا ذهبتَ، وأمَا واللهِ أنْ لَوْ فَعَلتَ لأكرمتُك»51 .

ورأى أبو حيان أنَّ ابنَ عصفور اغْتَرَّ بظاهر كلام سيبويه لَمَّا ذَكر أنَّها تكون بِمنـزلة لام القَسَم، فاستنبط منه أنَّها تكون رابطةً لجملة القَسَم بالمُقْسَم به، وإنَّما يعني سيبويهِ بلامِ القَسَم اللامَ الزائدةَ الموطئةَ للجملة أنْ تقع جوابًا للقَسَم لا جوابًا للشرط، فليست الرابطةَ للجواب بالقَسَم52 .

وذَكر أبو حيان53 أنّ ابنَ عُصفور قد رَجع عن هذا القول إلى ما قاله سيبويه، ونَصَّ على أنَّ (أنْ) هذه هي المُوَطِّئة. وقد ذكرنا قبلَ قليل أنّ عبدالقادر البغداديَّ نَصَّ على أنَّ ابنَ عُصفور قال ذلك في كتابه «شرح الإيضاح»، وهذا يدلُّ على أنَّه صَنَّفه بعد تأليفه «المقرب» و«شرح الجمل»، وإذا ثَبت هذا وَجَبَ الاعتقاد أنَّ القول الثاني هو ما اعتزمه، وأنَّ قولَه به انصرافٌ منه عن القول الأول54 . ولا يُنكَر على العالم أنْ يَرجع عن قولٍ إلى ما هو خيرٌ منه.

واستبعدَ ناظرُ الجيش55 في «شرح التسهيل» وابنُ هشام في «مغني اللبيب»56 قولَ ابن عصفور «إنَّها رابطة» بأنَّ الأكثر تركُ (أنْ)، والحروف الروابط ليست كذلك.

المذهب الرابع: أنَّها مخففةٌ من الثقيلة: وهو قول أبي حيان، قال في «باب عوامل الجزم» من «التذييل والتكميل» بعد أنْ ذَكر المذاهب الثلاثة السابقة: «والذي نذهب إليه في (أنْ) هذه غيرُ هذه المذاهب الثلاثة، وهو أنَّها المخففة من الثقيلة، وهي التي وُصلت ب (لَوْ)، كقوله تعالى ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا ﴾ (الجن:16)، ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ (سبأ:14)، ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ ﴾ (الأعراف:100). وتقريرُ ذلك أنك إذا قلت (أُقسمُ أنْ لَوْ كان كذا لكان كذا) فمعناه: أُقسم أنّه لَوْ كان كذا لكان كذا، ويكون الفعل القَسَميُّ قد وَصل إليها على إسقاط حرف الجر، كأنه قال: أُقسمُ على أنّه لَوْ كان كذا لكان كذا. وصلاحيةُ أنَّ المشددةِ مكانَها تَدُلُّ على أنَّها مخففة منها، وصلاحيةُ التعدي إليها بحرف الجر الذي هو (على) تَدُلُّ على أنَّها محذوفة منها؛ إذْ حذفُ حرف الجر جائزٌ مِنْ (أنَّ) إذا لم يُلْبِس، ولم يُلْبِس هنا، فدَلَّ على الجواز. ف (أنْ) وَصِلَتُها في موضعِ57 المعمولِ لفعلِ القَسَم، لا أنّ ذلك جملةٌ مُقْسَم عليها، لكنها في معنى الجملة؛ إذْ قد تضمنت القَسَمَ والمُقْسَمَ عليه، كتضمن أنّ في نحو (عَلمتُ أنّ زيدًا قائمٌ) المسندَ والمسندَ إليه »58 .

وأقول: كنتُ أذهب إلى ما ذهب إليه أبو حيان في هذه المسألة، ولَمَّا وقفتُ على قوله فيها ازددتُ يقينًا بصحة هذا المذهب، وأرى أنه أقوى المذاهب الأربعة، وإياه أختار للأدلة التي ذكرها أبو حيان.

أمّا القولُ بأنَّها رابطةٌ فقد قدَّمنا مِن أقوالِ الأئمة ما يُبطله، وأمّا القولُ بكونها موطئةً فقد بَيَّنّا أنَّ الموطئة تندرج في القِسْم الذي عُدَّت فيه زائدة، وأمّا جعلُها زائدة فيُبعده أنّ الأصل ألاّ يُصار إلى القول بالزيادة ما وُجد عنه مَنْدوحة، وقد أمكن ذلك بجعلها مخففة من الثقيلة، فوجب الأخذ به.
والموضع الثالث: أنْ تقع بينَ كافِ التشبيه والاسمِ المجرور بها، كقولِ عِلْباء بنِ أَرْقَم59 :

فيومًا تُوافينا بِوَجْهٍ مُقَسَّمٍ
كأَنْ ظَبْيةٍ تَعْطُو إلى وارِقِ السَّلَمْ

في رواية مَن جَرَّ (ظَبْية)60 ، وقولِ مُجَمِّعِ بنِ هلال61 :

عَبـَأْتُ له رُمْحًـا طويـلاً وأَلَّةً
كَأَنْ قَبَسٍ يُعْلَى بِها حينَ تُشْرَعُ

في رواية مَنْ جرَّ، فقال: كأَنْ قَبَسٍ، وقولِ ذي الرُّمَّة أو غيره62 :

تُمَشِّي بِها الدَّرْماءُ تَسْحَبُ قُصْبَها
كأنْ بَطْنِ حُبْلَى ذاتِ أَوْنَيْنِ مُتْئِمِ

في رواية مَنْ جرّ، فقال: كأنْ بَطْنِ حُبْلَى.

وقد عَدَّ ابنُ عصفور مرةً زيادتَها في هذا الموضع من الضرورات الشعرية63 ، وذَكر مرةً أخرى «أنَّ ما جاء مِن ذلك يُحفظ، ولا يقاس عليه»64 . وقال ابنُ الحاجب: «وقَلَّتْ مع الكاف»65 .

وحَكم ابنُ مالك – وتبعه المالَقيُّ وأبو حيان والمراديُّ – على زيادتِها في هذا المكان بالشذوذ66 . وجَعل ابنُ هشام67 وابنُ مالك68 زَيْدَها هاهنا نادرًا، وفَسّرَ ابنُ مالك النادر بالشاذ. وسكت آخرون عن حكم زيادتِها فيه69 . ووصفَها ابنُ جِنِّيْ70 بأنَّها ليست بالكثيرة.

وحَمل على ذلك ابنُ عصفور قولَ المُفَضَّل النُّكْريِّ71 :

تَشُقُّ الأرضَ شائلةَ الذُّنابى
وهاديها كأَنْ جِذْعٍ سَحُوقِ

هكذا رواه بجر (جِذْع) و(سَحُوق).

وأقول: إنّ هذا البيت لا ينهض شاهدًا في هذه المسألة، وذلك لأنه مِن أصمعية مضمومة الروي72 ، ورواية الجر فيه تؤدي إلى الإقواء، وهو عيب من عيوب الشعر، والعرب كانت تستنكره73 ، والشعراء يتجنبونه، والعربي يحتمل زيغ الإعراب، ولا يحتمل زيغ الشعر؛ ألا ترى إلى قول امرئ القيس74 :

كأنَّ ثَبيرًا في عَرانينِ وَبْلِهِ
كَبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ

ف (مُزَمَّل) نعت ل (كَبير أناس)، لكنه جَرَّه تحاشيًا للإقواء.

وذهب أبو علي الفارسي75 – وتبعه ابنُ عصفور76 – إلى أنَّها جاءت زائدة في هذا الموضع حملاً على زيادتِها بعد (لَمَّا)، ولم يُبين أحدهما وجه الشبه بين المسألتين.

وبالنظر في الشواهد التي ذكرها النحويون في هذه المسألة نرى أنَّها كلها شواهد شعرية؛ لذا أرى أن تُقصَر زيادتُها في هذا الموضع على
الضرورة.

والموضع الرابع: أن تقع بعدَ (إذا)، كقول أوس بن حَجَر77 :

فأَمْهَلَهُ حتى إذا أنْ كأنَّهُ
مُعاطِي يَدٍ مِنْ جَمَّةِ الماءِ غارِفُ

ولم أقف على من ذكر زيادتِها في هذا الموضع فيما رجعتُ إليه مِن كتب المتقدمين من النحويين، إنَّما ذكرها المتأخرون منهم كابن مالك وابن هشام. ويبدو لي أنَّ الزيادة ها هنا مقصورة على الشعر.

هذه هي المواضع التي ذكر جمهور النحويين أنَّ (أنْ) تزاد فيها. وأنت ترى أنَّها في المواضع الأربعة غير عاملة، وذلك لعدم اختصاصها بالأفعال، بدليل دخولها على الحرف، وهو (لو) و (كأنّ)، وعلى الاسم، وهو (ظَبْية) و(قَبَس) و (بَطْن)78 . قال خالد الأزهري: «وأكثرُها الواقعة بعد لَمَّا، وأقلُّها الواقعة بين الكاف ومجرورها»79 .
الفصل الثانـي
مواضع الزيادة غير المشهورة

هذا القِسم يشمل عشرة مواضع، هي:
الموضع الأول: أنْ تقع (أنْ) بينَ (ما لَكَ) ونحوِه و (لا)، فقد ذهب الأخفش في أحد قوليه إلى أنَّها زائدة، وأنَّها تنصب المضارع80 . واستدلَّ بالسماع والقياس:

أمّا السماع فقولُه تعالى ﴿ وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾81 (البقرة:246)، وقولُه ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ﴾82 (الأنفال:34)، وقولُه ﴿ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ ﴾83 (إبراهيم:12)، وقولُه ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا﴾84 (الحديد:10) فـ (أنْ) في هذه الآيات زائدة بدليل عدم مجيئها في نظائرها، كقوله عز وجل ﴿ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾85 (المائدة:84).

وأمّا القياس فهو أنَّ (أنْ) زيدت هنا حملاً على زيادتِها بعد (فلمَّا)، وبعد (ولَمَّا)، وبعد (لو)، قال: «فأنْ ها هنا زائدة، كما زيدت بعد (فلمَّا) و(ولَمَّا) و(لو)، فهي تُزاد في هذا المعنى كثيرًا، ومعناه: ما لَنا لا نُقاتِلُ »86 . وعملت (أنْ) كما عملت (مِنْ) وهي زائدة، قال: «فأعملَ (أنْ) وهي زائدة، كما قال: ما أتاني مِنْ أحدٍ، فأعملَ (مِنْ) وهي زائدة»87 ، وكما عملت الباء الزائدة في نحو: ليس زيدٌ بقائمٍ88 ، وكما عملت (لا) النافية للجنس، وهي زائدة، في قول الفرزدق89 :

لو لم تَكُنْ غَطَفانُ لا ذُنُوبَ لها
إليَّ لامتْ ذَوُو أحْسابِها عُمَرَا

قال: «المعنى: لو لم تكن غطفان لها ذُنوب، و(لا) زائدة، وأعملها»90 .
وعلى هذا المذهب يكون المعنى في الآية الأولى: أيُّ شيءٍ ثَبَتَ لنا في حالِ تركِنا للقتال في سبيل الله، وقد وقع ما يقتضيه – وكذا في بقية الآيات – فما بعد (أنْ) جملة حالية، ولا يعيّنها الناصب للاستقبال لأنه زائد، وإنَّما يكون الناصب معيّنًا للاستقبال إذا لم يكن زائدًا91 . ومثلُ ذلك92 – لكن دون أنْ – قولُه تعالى ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا ﴾ (يوسف:11)، وقولُه ﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ (نوح:13)، وكقول العرب: ما لَكَ قائمًا، وقال الله تعالى ﴿ فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ (المدثر:49).

ورُدَّ عليه بما يلي93 :
أمّا السماع فقال الجمهور – ومعهم الأخفش في قوله الآخر -: إنَّ (أنْ) في ذلك مصدرية. ثم اختلفوا على ثلاثة أقوال:
الأول: قول الفراء94 : إنَّ هذا مما حُمل على معنًى هو مخالف لصاحبه في اللفظ، فقد دخلت (أنْ) بعد (ما لَنا) لأنه بمعنـى: ما مَنَعَنا. واستدلَّ على ذلك بأنَّ قولك للرجل «ما لَكَ لا تُصَلِّي في الجماعة» بمعنى: ما يَمنعك أنْ تصلي، وبقوله تعالى ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ﴾ (الأعراف:12) وفي موضع آخر ﴿ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ (الحجر:32)، وقصةُ إبليس واحدة، فوضع «ما مَنَعَك» موضعَ «ما لَكَ»، و«ما لَكَ » موضعَ «ما مَنَعَك»؛ لاتفاق معنييهما، وإن اختلفت ألفاظهما، وإثباتُ (أنْ) بعد «ما لَكَ» تارةً وحذفُها تارةً أخرى لغتان فصيحتان للعرب، ومِن عادتِهم أنْ يفعلوا ذلك فيما تتفق معانيه وتختلف ألفاظه، ومن ذلك قولُ الفرزدق95 :

يقولُ إذا اقلَوْلَى عليها، وأَقْرَدَتْ
ألا هل أخو عَيشٍ لَذيذٍ بِدائمِ

فأدخل الباءَ في (دائم) مع (هل) وهي استفهام، حملاً على دخولها في خبرِ (ما) النافية، كقولك: ما أنت بقائمٍ؛ وذلك لأنَّ (هل) يراد بِها هنا
النفي.

واستَدلَّ أيضًا على صحة قوله بأنَّ (ما لَكَ) قد جاءت في المستقبل، ولم تأتِ في دائم ولا ماضٍ96 .

واختار هذا القولَ محمدُ بنُ جَريرٍ الطبريُّ دون أن ينسبه إلى الفراء، فعندما فَسَّرَ هذه الآية بدأ بـه، وساق معه حُجَج الفراء التي أوردها في كتابه (معاني القرآن)، ثم ذَكر الأقوالَ الأخرى في الآية والردودَ عليها من غير نسبة – وأكثرُها للفراء (تفسير الطبري 5: 300 ـ 306.)) – ونَصَّ على أنَّ المعنى هو: «وأيُّ شيء يَمنعُنا ألاَّ نُقاتِلَ في سبيل الله عَدُوَّنا وعَدُوَّ الله»97 .

وتابَعَه في ذلك ابنُ مالك98 ، والمراديُّ99 .
واستُبعد تخريجُ الفراء لأمرين:
أحدهما: أنه لم يَثبت إعمال الجار والمجرور في المفعول به.
والثاني: أنَّ الأصل ألاَّ تكون ( لا ) زائدة100 .

وتوضيح ذلك أنَّ المعنى على قول الفراء يكون: أيُّ شيء مَنَعَنا القتالَ – وكذا في البواقي – و(مَنَعَ) يتعدى إلى مفعولين، نحو: مَنعتُ زيدًا أثاثَه، فتكون (أنْ) وصِلَتُها في محل نصب على أنه المفعول الثاني، ويكون العامل فيه (لَنا)، ولم يَثبت إعمال الجارِّ والمجرور في المفعول المصرَّح حتى يَصِحَّ هذا التخريج. وينبني عليه أيضًا زيادة (لا)101 .

وحاول بعضُهم أنْ يلتمس وجهًا لقول الفراء، فذكر أنَّه ليس في كلامه ما يقتضي أنَّ المصدر المسبوك مفعولٌ مُصَرَّح، ويحتمل أن يكون هذا القائل – يعني الفراء – يرى أنَّ (أنْ) وصِلَتَها معمولان للجارِّ والمجرور المُضَمَّنَينِ معنى (مَنَعَنا) على تقدير نـزع الخافض، أي: ما مَنَعَنا عن كذا، لأنَّ (مَنَعَ) يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف الجر، فقد قال الجوهري: يقال: مَنَعتُه عن كذا فامْتَنَعَ102 ، فلا يكون مفعولاً به مُصَرَّحًا، وإذا كان كذلك لم يمتنع عمل الجارِّ والمجرور على التضمين، ويكون المصدر المؤول حينئذ في محل نصب بنـزع الخافض، أو في محل جرٍّ بحرف الجر المحذوف103 ، وحذفُ الجارِّ قبلَ (أنِ) المصدريةِ قياسيٌّ.

والثاني: قول الكسائي – وهو القول الثاني للأخفش -: إنه على تقدير حرف جر، قال الكسائي في إدخال (أنْ) في (ما لَكَ) ونحوه: «هو بِمنـزلة قوله: ما لَكُمْ في ألاَّ تُقاتِلُوا»104 ، ثم حذف الجار.

ونَصَّ الأخفش في تفسير قول الله تعالى ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ (الأنعام:119) على تقدير حرف الجر، وعلى أنَّ (أنْ) ليست زائدة، قال: «يقول – واللهُ أعلمُ -: وأيُّ شيءٍ لَكُمْ في ألاَّ تأكُلُوا؟ وكذلك ﴿ وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ﴾ (البقرة:246)، يقول: أيُّ شيءٍ لنا في تَرْكِ القتالِ؟ ولو كانت (أنْ) زائدةً لارتفع الفعل»105 . فهو هنا قد صَرَّح بأنَّ الزائد لا يعمل.

وأنكر الفراءُ هذا القولَ، ورَدَّ عليه بأنه لو كان التقدير كما قال الكسائي لجاز في الكلام أن تقول: ما لَكَ أنْ قُمتَ، وما لَكَ أنَّك قائم، فتُوقِع الماضيَ واسمَ الفاعل بعدَ (أنْ)، و«أنْ قمت» و«أنَّك قائم» في تأويل مصدر، والتقدير: ما لَكَ في قيامك، ماضيًا ومستقبلاً، وقال: «وذلك غير جائز؛ لأنَّ المنع إنَّما يأتي بالاستقبال، تقول: مَنَعتُك أنْ تقومَ، ولا تقول: مَنَعتُك أنْ قُمْتَ. فلذلك جاءت في (ما لَكَ) في المستقبل، ولم تأتِ في دائم ولا ماضٍ. فذلك شاهد على اتفاق معنى (ما لَكَ) و(ما مَنَعَكَ) »106 .

واختار هذا القولَ الزَّجَّاجُ107 ، وأبو جعفرٍ النَّحَّاسُ108 ، وأبو حيان109 ، والسمينُ110 ، وابنُ هشام111 .

الثالث: قولُ بعض النحويين – على ما حكاه الفراء112-: إنّ هذا مما أُضمرت فيه الواو، ومعنى قوله تعالى ﴿ وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ﴾: ما لَنا ولِئلاَّ نُقاتلَ، فحُذفت الواو كما يقال في الكلام: ما لَكَ ولِئلاَّ تذهبَ، فألقى منها الواو لأنَّ (أنْ) حرفٌ غير متمكن في الأسماء. وقال صاحب هذا القول: أُجيز أن يقال: ما لَكَ أنْ تقومَ، ولا أُجيز: ما لَكَ القيام؛ لأنَّ (القيام) اسمٌ صحيح، و(أن) اسمٌ غير صحيح. واحتَجَّ بقول العرب: إيَّاكَ أنْ تتكلمَ، وزعم أنَّ المعنى: إياكَ وأنْ تتكلمَ.

رد مع اقتباس