ثانيهما: أنّ القرآن والحديث في مقام الكلام على العذابِ لا يهوِّنانِ من عذاب الدّنيا، بل يعظِّمان[32] منه، وكلّ ما يفعلانِه هو التنبيهُ على أنّ عذاب الآخرة أشدّ وأبقى، وذلك ما نراه في الآيات التالية: يقول الله تعالى: ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ﴾ [الرعد: 34]. ويقول تعالى أيضاً: ﴿ فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [الزمر: 26]. ويقول في آيةٍ ثالثةٍ: ﴿ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ ﴾ [فصلت: 16]. وقوله في آيةٍ رابعةٍ: ﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [القلم: 33]. وعلى ذلك النّهج جرت مقارنات النّبي، وهذا ما نلقاه في خبر المتلاعنَين. فقد وعظ نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم الرجلَ (وَذَكَّرَهُ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ. قَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا. ثُمَّ دَعَاهَا - أي دعا المرأة - فَوَعَظَهَا وَذَكَّرَهَا وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ.)[33] فكلّ هذه النصوص لا تهوّن من عذاب الدنيا كما جرى عادةً التهوينُ من متاعها، ولذلك يمتنع مدُّ المقارنةِ في التّمثيل إلى العذابِ.
2- الاقتباسُ اللفظيّ لأداةِ التشبيه والمشبّه به:
وسأمثّل لهذا النّموذجِ من المقتبَسِ النّبويّ بما ذَكَرَه النّبي صلّى الله عليه وسلّم عن سحر لبيدِ بنِ الأعصمِ من حديث عائشةَ رضي اللهُ عنها: (والله يَا عَائِشَةُ لكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحنَّاءِ، ولكأَنَّ نَخْلِهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ). قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَفَلَا اسْتَخْرَجْتَهُ؟
قَال: (قَدْ عَافَانِي اللَّهُ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ شَرًّا. فَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ)[34] فالنّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في كلامه مع عائشةَ يشبّه النخلَ الذي شَرِبَ من ماء السحر برؤوس الشياطين في شديدِ البشاعة، وعظيم القَبَاحة. وهذا التشبيهُ مقتبسٌ من قول الله تعالى: ﴿ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ﴾ [الصافات: 65]. ولعلّه بيّن أنّ المشبّه به في الصورتين واحدٌ: ﴿ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ﴾ ، وكذا حرفُ التّشبيه (كأنّ)، وبيّنٌ كذلك شديد مناسبةِ المشبّه للمشبّه به في الصّورتين القرآنية والنّبويّة، فشجرة الزقوم تنْبُتُ في أصل الجحيم، ولذا (ناسبتها هذه الرؤوسُ الغريبةُ رؤوسُ الشّياطينِ)[35]، وشجرُ النّخيل يشرب من ماء السحر، فناسبته كذلك رؤوسُ القبحِ والبشاعة، رؤوسُ الشّياطين. والنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في هذا المقتبَس كأنّه أراد تشبيهَ شجرِ النّخل الذي شرب من ماء السحر بشجرةِ الجحيم، مبتَغِياً من وراء تلك المشابهةِ غيرِ المباشرةِ أن ينقلَ لسامعه إحساسَه بعِظَمِ قُبْحِ ما رآه، وذلك من خلال نقلِ معاني القبحِ المتناهية، والبشاعةِ الشّديدةِ من شجرة الزقّوم إلى شجرِ النّخيلِ؛ وذلك أنّه مهما قِيل في تبشيعِ هذا الشّجرِ فإنّ ذلك لن يبلغَ في الأذهانِ والنفوسِ قِيْدَ أُنْمُلةٍ بشاعةَ شجرةِ الزقّومِ. وقد ذهبَ الفرّاءُ رحمه الله في كلامِه على المشبّهِ به: ﴿ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ﴾ إلى ثلاثة أوجهٍ أوّلُها: التّمثيلُ برؤوس الشّياطين في القبح، وثانيها: التّمثيل بحيّة معروفةٍ عند العرب باسم الشيطان، وثالثُها: التّمثيل بنبْتٍ معروفٍ برؤوسِ الشّياطين. يقول رحمه الله: قولُه: ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ﴾ فإنّ فِيهِ فِي العربيّة ثلاثةَ أوجهٍ: أحدُها أن تشبّه طَلْعَها فِي قبحه برؤوس الشّياطين؛ لأنّها موصوفةٌ بالقبح، وإن كانت لا تُرى. وأنت قائلٌ للرجل: كأنّه شيطان إِذَا استقبحتَه. والآخرُ: أنّ العرب تسمِّي بعض الحيّات شيطانًا، وهو حَيّة ذو عرفٍ... ويُقال: إنّه نبْتٌ قبيحٌ يُسَمّى برؤوس الشياطين. والأوجه الثلاثة تذهب إلى معنى واحد فِي القبح.)[36].
وواضح أنّ التّوجيهين الثّاني والثّالث يعتمدان في إبراز المُراد إبرازه على صورةٍ مرئيةٍ يعلم السّامع خبرَها، وما تتصفُ به هذه الصّورة من قبحٍ شديدٍ، وأمّا التّوجيه الأوّل فسبيلُه مختلفٌ؛ إذ (اعتمد في إبراز الحقيقة المراد إبرازُها على ما ترسّخ في نفوس النّاس من صورٍ لأشياءَ ليست حقائقُها مرئيةً في حياة النّاس.)[37] وما رسَخَ في النّفوس من صور الجنّ والشّياطين (أنّها صورٌ مُنْكَرةٌ وبشِعةٌ).[38] والذي يَرْجُح عندي هو القول بالتّوجيه الأوّل؛ وذلك لأنّ الغرضَ المرادَ من الصّورتين تنبيهُ السّامع على أنّه لا شيءَ يداني بشاعة طلع شجرة الزّقّوم، ونخلِ بئر ذروان، وذلك ما يتحقق على أحسن وجهٍ إذا ما أخذنا بمعنى التّوجيه الأول؛ إذ إنّ صورة هذا التوجيه تمكِّن الخيالَ من الذّهوب كلّ مذهبٍ في التّبشيع والتّقبيح، فيستجمعُ الخيال السيّار في كلّ فجّ كلّ قُبْحِ الدّنيا، ليلقيَه من بعد ذلك على رؤوسِ الشّياطين، ومثلُ هذا لا يتأتّى للسامع في التّوجيهين الثّاني والثّالث؛ إذ القبحُ المستخرَح منهما على شدّته يبقى محصوراً بما رأتْه العينُ، وأحسّت به النفسُ. ولعلّ أوّل من ذهب إلى ترجيح الوجه الأوّل أبو العبّاس المبرّد رحمه الله تعالى رادّاً ذلك إلى تقبيح الله لرؤوس الشياطين، يقول رحمه الله: (والقول الآخر - وهو الذي يسبقُ إلى القلب - أنّ الله جلّ ذكرُه شنّع صورة الشياطين في قلوب العباد. فكان ذلك أبلغَ من المعاينة، ثم مثّل هذه الشجرة ممّا تَنْفُر منه كلُّ نفس.)[39] ولكنّ هاتين الصّورتين على ما بينهما من التقاءٍ في حرف التشبيه، ووحدة المشبّه به، ومناسبتِه للمشبّه تفترقان في عددٍ من مكونات الأسلوب؛ وذلك لوقوعِهما في سياقين مختلفين؛ فقد جاء طلعُ شجرة الزقّوم في الصّورة القرآنية مشبَّهاً، وأمّا في الصّورة النّبويّة فجاء المشبَّهُ[40] رؤوسَ النخل من ثمرٍ وسعَفٍ، وهذا لأنّ الصّورةَ القرآنيّة جاءت في سياق الكلام على قبح شجرة الزقّوم، وأنّها مأكلُ أهل الجحيم، فناسب مثلَ هذا السياق جعلُ ثمرِ النخيل المشبَّه، وأمّا الصّورة النّبويّة فجاءت في سياقٍ مغايرٍ، يدور حول وصف التبدّل الكبير الذي أصاب شجر النخيل بسبب ريّها بماء السّحر، فكان من المناسب في هذا السياق ألّا يُقتَصَرَ على الثمر وحدَه كما الحالُ في القرآن، وإنّما يؤتى بما أصاب النخلة من تبدُّلٍ في ثمرها وسعَفِها.
وتفترق الصورتان القرآنيّة والنّبويّة كذلك في عِدّة المؤكدات؛ فقد أكدّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم صورتَه بثلاثة مؤكّدات، هي: (القسم، ولام الجواب، وكأنّ)، وأمّا الصّورة القرآنيّة فليس فيها غير مؤكّد واحد، هو حرف التشبيه والنصب (كأنّ)، ولعلّ ذلك معادُه إلى مقام كلّ صورة، فالصّورة القرآنية تصوّر لنا شجرةً تخرج من أصلِ الجحيم، وشجرةٌ كهذه ليس غريباً أن يكون ثمرُها قبيحاً قبحَ رؤوس الشياطين، أمّا الصورة النبوية فهي صورةٌ دنيويّة تثير فينا الإحساس بالدّهْشَةِ والغرابة؛ إذ كيف يصيِّرُ السحرُ لونَ الماء كنُقَاعة الحنّاء في الحُمْرة، ويبدّل شكلَ النخيل الحسن إلى قُبْحٍ لا يقاربُه قبحٌ، فمثلُ هذا غريبٌ، ويستدعي من المؤكّدات عدداً غيرَ قليلٍ.)[41].
ثانياً- اقتباسُ الهيئةِ العامّة للمعنى دونَ تفاصيلِ الأسلوبِ:
ويكونُ هذا الضربُ من الاقتباس حين يكون الغرضُ من الكلامين: المقتبَس والمقتبس منه واحداً. ويمكن التّمثيل له بحديث النّبي صلّى الله عليه وسلّم عن ابنِ عمرَ رضي اللهُ عنهما: (لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ. أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ،[42] فَتُكْسَرَ خِزَانَتُه، فيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟ إنما تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمتَهُمْ. فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إلا بِإِذْنِهِ)[43] فالنّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في هذا الحديث ينهى المسلمين عن أن يحلبوا ماشية أيّ أحدٍ من إخوانهم من غير إذنٍ، ثُمّ يُلْحِقُ نهيه بتشبيه يبيّن فيه للمسلمين وَجَاهَةَ النّهي، ووجوب طلب الإذن، وينهجُ لبلوغ ذلك مِنْهَاجَ الاقتباس من قول الله تعالى: ﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحجرات: 12]. مكتفياً في هذا الاقتباس بأخذ الهيئة العامّة للمعنى القرآني دون تفاصيل الأسلوب، فتشابه القولان القرآنيّ والنّبويّ في أنّ كلّاً منهما من التشبيه المركّب الذي لا يشفّ عن دلالته على نحوٍ مباشرٍ، وفي أنّ كلّاً منهما جاء بالمشبَّه من خلال أسلوب النّهي: (ولا يغتب، لا يحلبنّ) وفي أنّ كلّاً منهما جاء بالمشبَّه به من خلال كلام مستأنَفٍ بُني على تقرير المخاطب بأسلوب الاستفهام: (أيحبّ أحدُكم أن تؤتى..، أيحبّ أحدكم أن يأكل...)، وذلك للحصول من المقرَّرِين على الردّ الطّبيعي بكره المقرَّرِ ليلزمَ عن ذلك الكفُّ عن الفعل المنهي عنه أحسنَ لزومٍ: الغيبةُ في القرآن، والحلبُ بغير إذنٍ في التعبير النبوي، وفي أنّ كلّاً من المقتبَس والمقتبَس منه أعقب تشبيهه بالفاء الفصيحة، المُفْصِحة عن محذوفٍ يُفْهَم من سياقِ القول، فجاء القرآن بجملة: (فكرهتموه). يقول الزمخشري رحمه الله معلّقَاً على هذه الجملة، وصلتِها بما قبلَها: (ولمّا قرّرهم عزّ وجلّ بأنّ أحداً منهم لا يحبّ أكل جيفةِ أخيه، عقّب ذلك بقوله تعالى: (فَكَرِهْتُمُوهُ) معناه: فقد كرهتموه، واستقرّ ذلك. وفيه معنى الشرط، أي: إن صحّ هذا فكرهتموه، وهي الفاء الفصيحة، أي: فتحقّقت - بوجوب الإقرار عليكم، وبأنّكم لا تقدِرُون على دفعه وإنكاره: لإباء البشرية عليكم أن تجحدوه - كراهتُكم له، وتقذرُّكم منه، فليتحقّقْ أيضاً أن تكرهوا ما هو نظيره من الغيبة والطعنِ في أعراض المسلمين.)[44] وجاء الحديث النّبويّ بجملة: (فلا يحلبن أحدُكم..) مكرِّراً طلب النّهي، والفاء في هذه الجملة هي الفصيحة، وتقدير الكلام مع هذه الفاء المفصِحَة عن محذوفٍ: فإذا أقررتم بكُرْه أن يُسرَق طعامُكم، وظهر لكم ظهوراً لا لبسَ فيه أنّ ما في ضروع الماشية طعامٌ لأصحابه كطعامكم الذي في خزائن بيوتكم، فلا يحلبنّ أحدكم ماشية أخيه بغير إذنه، وهكذا يكون النّهي النّبويّ جاء نتيجةً لِمَا قبلَه من تشبيهٍ مُقْنِعٍ مؤثّرٍ، فصَّل النبي في أحداثه: (تُؤتى، تُكسر، يُنتقل)، وبناها لغير الفاعل مرِيداً من ذلك أن يعاين السامع الأذى الذي يقع عليه لحظةً بعد أخرى بغضّ النّظر عن الفاعل له؛ إذ لا تعلق للغرض بذكره، فإذا ما وقع ذلك كان السامع مهيّئاً لجملة النّهي؛ لأنّ الرهبة من ذلك الفعل البشع الشّنيع تكون قد استمكنتْ من نفسه، فيمتنعُ لذلك عن إيذاء غيره بحلب الماشية بغير إذنٍ.
ولكنّ هذين القولين المقتبَس والمقتبَس منه يفترقان بعدَ ذلك التشابهِ العامّ في كثيرٍ من تفاصيلِ الأسلوب، ومن هذه الفروقِ: إسنادُ الفعل إلى المخاطَب في جملةِ النهي القرآنية: ﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴾ [الحجرات: 12] وإسنادُه إلى الغائب في جملة القصر النّبويّة الأولى والمكرَّرةِ؛ إذ اكتفى النّبي صلّى الله عليه وسلّم بتقرير حكمٍ عامٍّ يعمّ كلّ أحدٍ، في كل زمانٍ ومكانٍ: (لا يحلبنّ أحدٌ ماشية أحدٍ إلّا بإذنه)، وكأنّ الغايةَ عدمُ إشعار المخاطب أنّ الكلام موجّه إليه، وذلكم مِنْهَاجٌ مغايرٌ لِما عليه القولُ القرآنيّ من مكاشفةٍ صريحةٍ، ومواجهةٍ حاسمةٍ، ومن هذه الفروق أيضاً: جعلُ التّشبيه القرآنيّ الواقع في الغيبة آكلاً للحم أخيه الميّت، وأمّا التّشبيه النّبويّ فلم يجعل من يحلبُ الماشية بغير إذن صاحبِها سارقاً، وإنّما جعله مسروقاً، فلم يقلْ على طريقةِ القرآن: (أيحبّ أحدُكم أن يأتي بيتاً، فيكسرَ خزانته، وينقلَ طعامَه)، وإنّما قال: (أيحبّ أحدُكم أن تؤتى مشربتُه، فتُكسر خزانتُه، فيُنتقل طعامُه.) وذلكم مظهرٌ آخر من مظاهر المواجهة الشّديدة، نلقاه في القرآن، ولا نلقاه في الحديث، وثالث الفروق الظاهرة: التصريح بلفظ الكره في القول القرآنيّ، وتذييل تشبيهه بقوله تعالى: (واتقوا الله...) فدلّ هذا وذاك على قَبَاحة الغيبة، وعِظَم ذنبها عند الله؛ إذ المعنى: (فخافوا عقوبته بانتهائكم عمّا نهاكم عنه...)[45]، وأمّا القول النّبويّ فلم يصرّح بلفظ الكره، وإنّما أبقاه مضمَراً، وجاء بجملةٍ مستأنَفةٍ: (إنما تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمتَهُمْ)، وكان يمكن أن يُستغنى عن هذه الجملة من دون أن يؤثر ذلك في المراد من التشبيه، ولكنّ النّبي ابتغى من وراء هذه الجملة أن يؤكّد المراد من التشبيه، وأن يقرّر في نفوس سامعيه أنّ ما في ضروع الماشية من طعامٍ لا يختلفُ عمّا في البيوت، (فمن حلبَ مواشيهم فكأنّه كسرَ خزائنَهم، وسرقَ منها شيئاً.)[46] ولهذا صدّر هذه الجملةَ بحرف التّوكيد والحصر (إنّما)، وكرّر لفظ الطعام لإثبات عدم الاختلاف بين الطّعامين، وأن حال المتعدّي عليهما حال واحدة. وهذا الافتراق في الأسلوب بين المقتبَس والمقتبَس منه معادُه - فيما يظهر لي- إلى التفاوت الكبير بين المعصيتين في القبح، وإلى اختلاف نظر السامع إليهما؛ فالغيبة خطيئة تأباها الفطرةُ، ويرفضُها العقلُ، ولا يجهلُ مسلمٌ ذكيّ الحسّ حرمتَها، ولا عِظَمَ قباحتِها، ولذلك سلكَ القرآنُ في سياقة الكلام عليها مع المخاطب مسلكَ المواجهة والمكاشفة، ومثّل ما (يناله المغتابُ من عِرْض المغتاب على أفظع وجهٍ وأفحشهِ. وفيه - أي في التمثيل- مبالغاتٌ شتّى: منها الاستفهام الذي معناه التّقرير، ومنها جعلُ ما هو في الغاية من الكراهة موصولاً بالمحبّة. ومنها إسنادُ الفعل إلى أحدِكم، والإشعارُ بأنّ أحداً من الأحدين لا يحبّ ذلك، ومنها أن لم يُقتَصرْ على تمثيل الاغتياب بأكل لحمِ الإنسان، حتى جُعِل الإنسان أخاً، ومنها أن لم يُقتصر على أكل لحم الأخ حتى جُعِل ميّتاً.)[47] وأمّا حلبُ بعض الماشية بغير إذن صاحبها طلباً للطّعام مع إمكان الاستغناء عنه فحال مغايرةٌ لحال خطيئة الغيبة؛ إذ الناس يتساهلون فيها أشدّ التّساهل، ولا يرونها خطيئةً، بَلْهَ أن ترقى إلى حدّ السّرقة. ولو كان حال من يحلب الماشية بغير إذنٍ على غير الحال التي وصفتها لَمَا رَفَقَ النّبي صلّى الله عليه وسلّم بالمخاطب، ولا أَلَانَ له القولَ؛ لأنّ هذا ليس من منهج النّبي صلّى الله عليه وسلّم، ولأنّ العالم بحقيقة الخطأ لا تنفع معه غيرُ المواجهةِ الحاسمة، والتّصريحِ المباشر، والتّشبيه غير الموارب. وما يؤكّد عدم دراية النّاس بخطيئة حلب الماشية بغير إذن صاحبها طبيعةُ الصّورة التي أتى بها النّبي صلّى الله عليه وسلّم؛ فهو لم يأتِ بمشبَّه به من جنس المنهيّ عنه كالقول: (أيحبّ أحدكم أن تُحلب ماشيتُه)، وإنّما أتى بصورةٍ تدلّ دَلالةً بيّنةً على فعل السرقة، وأراد من هذا أن ينبّه السامع على أنّ ما يُتساهل في شأنه، ولا يُتصور بلوغُه حدّ السرقة هو فعلُ سرقةٍ لا يختلفُ عن فعل الاقتحام والسلب الذي تدلّ عليه صورة المشبّه به.
خامساً- فاصلةُ القولِ:
عرضْنا فيما مضى من صفحاتٍ للمقبوس النّبويّ وصلتِه اللغويّة بأصله القرآني، وما بين المقبوسِ وأصلِه من أوجهِ التقاءٍ وافتراقٍ، ولم كان الالتقاءُ؟ ولم كان الافتراقُ؟ وفي هذا الجزء من الدّراسة نختِمُ بفاصلةٍ نُودِعُهَا أبرزَ ما انتهيْنا إليه، ووقفْنا عليه:
أولاً- رجّحتِ الدراسةُ في المعنى اللغويّ للاقتباس أن يكون (القَبَسُ) بمعنى الجذوةِ الصغيرة تؤخذ من معظم النّار، وذهبتْ إلى تضعيف قول من قال: إنّ المرادَ من القبس النارُ، أو الشعلةُ والنارُ معاً، وعلّةُ هذا التّضعيفِ أنّ في لفظ (القبَس) معنيين لا يفارقانه أبداً: أوّلُهما: معنى الأخذِ. وثانيهُما: الصِغَرُ في جَنْب الكِبَر. وكشفتِ الدّراسةُ عن أنّ المعنى الاصطلاحي للاقتباس مجازٌ من المعنى اللغوي في معاني: الأخذِ والصِغَرِ والانتفاعِ.
ثانياً- أرجعتِ الدراسةُ في تحليلها التّطبيقي للمقتبسات النّبوية أوجه الالتقاء والافتراق في الأسلوب إلى اتّحاد المقتبَس والمقتبَس منه في الغرض العامّ، وافتراقِهما في الغرض الخاصّ.
ثالثاً- أظهرَ التحليل البلاغيّ للمقتبسات النّبويّة أنّ سياق الكلام النّبويّ، والغرض منه، وما يحتفّ به من أحوال هو ما يبعث على التغيير في لغة الكلام القرآني المقتبَس منه، وأنّ كلّاً من الكلامين القرآني والنّبويّ كان يتسق مع سياقه والغرض منه أحسنَ الاتساق وأكملَه.
رابعاً- أظهرتِ الدّراسةُ أنّ الاقتباسَ اللفظيّ والمعنويّ قد يجتمعانِ في قولٍ واحدٍ، فيكونُ بعضُ القولِ مقتبَساً بلفظِه، وبعضُهُ الآخرُ مقتَبَساً بمعناه، وذلك ما رأيناه في تمثيلِ الدّنيا.
خامساً- كشفتِ الدراسةُ أنّ الأصل القرآني للمقتبَس النّبوي قد يكون ذا أثرٍ مهمٍّ في تحديد الدّلالة النّبويّة تحديداً يمنعُ أن يخالطَها ما قد توهم اللغةُ النّبويّة أنّها تحتملُه.
سادساً- ظهرَ للدّراسة أنّ المشابهةَ غيرَ المباشرة تتحقّق في بعض المقتبسات النّبويّة، إذا ما تحقّق فيها شرطان: أوّلهما: أن يكون الاقتباس لفظيّاً. وثانيهما: أن يكون حالُ المقتبَس له في الصّفة أدّنى بكثيرٍ من المقتبَس منه، والغرضُ من هذه المشابهةِ غيرِ المباشرة المبالغةُ في اتّصاف المقتبَس له بالصّفة، فذلك يمكّن المتكلّمَ من إيصال ما يحسّ به من مشاعرَ تجاهه - أي تجاه المقتبَس له- إلى السامع على أحسن وجهٍ وأكمل هيئةٍ.