يمكن القول في النّهاية بأنَّ الثقافة هي نتاج مجموعة من العوامل المعنويَّة والمادّيَّة، وهي بالتَّالي عملية لا تعرف الثبات؛ لأنَّها مرتبطة بالإنسان الَّذي لا يعرف الثَّبات بدوره، فموضوع الثَّقافة هو الإنسان حينما ينتقل من المرحلة الطبيعيَّة إلى المرحلة الثَّقافيَّة، وهذا أخصّ ما يميّزه عن الكائنات الحيَّة، ولعلَّ الَّذي يدعونا إلى اللجوء إلى الثَّقافة هو حاجاتُنا إلى البحث عن المشترك الإنساني، وعن العنصر الجامع بين الإنسان.
ويركز المفهوم الأنثروبولوجي للثَّقافة على هذا المشترك الإنساني بين المجموعة البشرية؛ لأنَّه هو الَّذي جعل الإنسان كائنًا متميّزًا عن سائر الكائنات الحيَّة الأخرى، فالإنسان يسعى باستِمرار إلى الاجتماع وتكوين مجتمعه، بل ويبحث دائمًا عن تغْيير مجتمعه وتطْويره.
الثقافة بهذا المعنى تقوم على بناء التَّواصُلات وتحديدها تحقيقًا لاستمراريَّة الإنسان، وبحثًا عن وضع أحسن لوجوده، ولتحقيق تلك التَّواصُلات والبناءات المشتركة؛ لا بدَّ من تحريك المشترك الإنساني في الثَّقافة.
والمشترك الإنساني يقوم أساسًا على الحوار والحواريَّة الَّتي تميّز كلَّ ثقافة، وإلاَّ فقدت ثقافيَّتها أو إنسانيَّتها (موقع: www.allesan.org) الحوار الثقافي وفضاءاته في كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني، الدكتور محمد اللوزي، جامعة محمد الخامس، أكدال، كلية الآداب والعلوم الإنسانيَّة، الرباط.
أهمّيَّة تعليم الثَّقافة في برامج تعليم اللغات الأجنبيَّة للدَّارسين، وتتضمَّن الثَّقافة بالمعنى الواسع عنصريْن رئيسَين هما:
أ- الثقافة الأنثروبولوجيَّة أو الاجتماعية، حيث تشمل العادات والاتجاهات والتَّقاليد.
ب- تاريخ الحضارة، والَّذي يشمل الفنون والإنجازات العلميَّة والعلوم الاجتماعيَّة.
ويعدّ العنصر الثَّاني أساس العنصر الأوَّل حيث يعرض تراث المجتمع؛ ولذا يجب أن يعرفه الدَّارسون لكي يستوعبوا الثَّقافة المستهدفة ثقافة اللّغة التي يراد تعلُّمها، وأرى أنَّ العنصر الرَّئيس لا بدَّ أن يأتي في التَّرتيب أوَّلا؛ نظرًا لأهميَّته ودوره في إثراء الثَّقافة، ومن ثمَّ في تعريف الدَّارسين بها، وبالإضافة إلى ذلك فإنَّ التَّكامُل بين اللغة والثَّقافة يؤدّي إلى تنمية المهارات اللغويَّة والمهارات الثَّقافيَّة لدى الدَّارسين، كما يجعلهم متجاوبين بصورة أفضل مع النَّاطقين الأصليّين للغة الثَّانية، وبناءً على ذلك فإنَّ الدَّارسين تكون لديْهِم القدرة على فهْم أفكار وسلوكيات الشعوب التي يتعلَّمون لُغَتها، كما يتمكَّنون من فهْم المعاني التي يستخدمونَها، ويُمكن أن ندرك أهمّيَّة هذا التَّكامُل عندما نلاحظ أنَّ الدَّارسين للُّغات الأخرى لا يتَّسع أُفُقهم للثَّقافة المستهْدفة فقط، ولكنَّه أيضًا لثقافاتِهم الأصليَّة بحيث ينظرون إليْها نظرةً أشْمل وأوسع عمَّا كانوا عليه قبل دراساتِهم للّغة المستهدفة، وبالتَّالي يُصبحون أكثر احترامًا للثَّقافات الأخرى، وأكثر تقديرًا لمشاعر الآخرين؛ لأنَّهم يستطيعون أن يفهموا أنماطهم الثَّقافيَّة، ويدركوا دلالاتها الثقافية، ومن هنا تنبع أهمّيَّة تدْريس الثَّقافة العربيَّة الإسلامية لدى دارسي اللّغة العربيَّة من الناطقين باللغات الأخرى.
ولقد أكَّدت الدّراسات الأجنبيَّة السَّابقة أنَّ تدريس اللّغة بدون ثقافتها، أو تدْريسها من خلال لغة وسيطة، لا يُفيد الدَّارسين كثيرًا؛ بل تصبح عمليَّة تدريس اللُّغة - إلى حدٍّ ما - مضيعة للوقت والجهد، سواء بالنِّسْبة للمعلّم أو المتعلّم، بالإضافة إلى أنَّ اللُّغة تصبح غير نافعة، وعسيرة الفهْم على الدَّارسين، كما أنَّها بهذا الشَّكل لا تُساعد الدَّارسين على الاتِّصال الفعَّال بأهل اللُّغة التي يودّون تعلُّمها، وينبغي أن تعلم اللغة بذاتها، وليس من خلال لغة وسيطة؛ حيث إنَّ لكلّ لغة ذاتيَّتها الثَّقافيَّة، فإذا ترْجمت بعض كلماتها إلى لغة أخرى فقدتْ معناها الثقافيَّ الخاصَّ بها.
ولِلثَّقافة أثر كبير في نفوس الدَّارسين؛ إذ تؤدّي إلى تنمية الاتّجاه الإيجابي نحو اللّغة الَّتي يتعلَّمونها؛ لأنَّها تجعل عمليَّة التَّدريس مُمتعة ومشوّقة، حيث يتعرَّف الدَّارسون على أنماط ثقافيَّة جديدة تختلف عمَّا في ثقافاتِهم الأصليَّة، وهذا يؤدّي إلى زيادة اهتِمامات الدَّارسين وإثارة دافعيَّتهم لكي يتعرَّفوا على الأنْماط الثَّقافيَّة الجديدة في اللّغة المستهدفة، والمقصود بها هنا اللغة العربية.
وبالإضافة إلى ذلك، فإنَّ الثَّقافة تؤدّي إلى تقليل العرقيَّة لدى الدَّارسين، ممَّا يجعلهم يتقبَّلون الثَّقافات الأخرى، وتكون لديهم القدرة على التَّكيّف والتَّفاعل مع الشعوب الأخرى، على الرغْم من اختِلاف ثقافاتهم عن ثقافة الدَّارسين الأصليَّة.
ومن خلال ما سبق يتَّضح مدى أهمّيَّة تعْليم الثَّقافة في برامج تعليم اللغات الأجنبيَّة للدَّارسين، حيث تؤدّي إلى تكوين اتجاه إيجابي نحو اللّغة المستهْدفة وثقافتها، وهذا ينطبق على تعْليم اللّغة العربيَّة وثقافتها، فتعليم الثَّقافة العربيَّة الإسلاميَّة على درجة كبيرة من الأهمّيَّة في مساعدة الدَّارسين على تعلّم اللغة العربيَّة، وتحقيق الاتّصال اللغوي الفعَّال مع الشعوب العربيَّة، وتغيير الاتجاهات السلبيَّة أو العدائيَّة لدى دارسي اللّغة العربيَّة من النَّاطقين بلغات أُخرى، وتكوين الاتّجاهات الإيجابيَّة نحو الشعوب العربيَّة.
وعلى الرَّغْم من أنَّ الدَّارسين يصِلُون إلى المستوى المتقدّم، فإنَّهم يفتقِرون إلى استيعاب مفاهيم الثَّقافة العربيَّة الإسلاميَّة وأنْماطها، ومازال لدى بعضهم أسئِلة وقضايا تدلُّ على أنَّ هناك تفاوتًا ثقافيًّا بين هؤلاء الدَّارسين والثَّقافة العربيَّة الإسلاميَّة، وقد كانت هناك بعض الأسباب الَّتي أكَّدت على أنَّ الجانب اللغوي يَطْغى على الجانب الثَّقافي، على الرَّغم من أنَّ بعض الكتب لتعْليم اللغة العربية للنَّاطقين بلغات أخرى تشتمِل على مفاهيم وأنماط ثقافيَّة - يفترض تزويد الدَّارسين بها - إلاَّ أنَّها لا تجد مَن ينقلها من نطاق التَّراكيب اللغويَّة إلى نطاق ما تحمله من مفاهيم وأنْماط ثقافيَّة في أثناء عمليَّة التَّدريس، فقد يكون الأمر راجعًا إلى عدم تَحديد الأهداف الثَّقافيَّة ضمن برامج تعليم اللّغة العربيَّة للنَّاطقين بلغات أخرى بصورة واضحة، ومن ثمَّ لا تُظهر أنشطة التَّدريس وطرُقه ما يؤكد تحقيقها، وكذلك في أساليب التَّقويم وأدواته أو في إعْداد المعلّم أو في المحتوى الَّذي يقدَّم للدَّارسين.
آثار العربيَّة في الثَّقافة الإسلاميَّة عامَّة:
إنَّ المسلمين قد اهتمُّوا بضبط اللّغة وجمعها، وتحْديد ألفاظها، وقد أدَّى هذا الاهتِمام إلى ظهور المعاجم اللّغويَّة والنَّحويَّة والصَّرف والعروض، وهي من العلوم الدينيَّة بمنزلة الآلة؛ (محمد حسن، 46، 2000).
وتأثيرها على ثقافة المسلمين يكون من أوجه متعدّدة، منها:
1- أسلوب التحيَّة بالتَّسليم وردّه.
2- استخدام بعض مصطلحات عربيَّة متعلقة بالدّين الإسلامي، كالصَّلاة والحجّ والزَّكاة، والمسجد والجنازة والدّعاء والنكاح والطلاق.
كاد أن لا يوجد مسلم لا يفهم أو لا ينطق بتِلك المصطلحات اللغويَّة العربيَّة، مهما كان ضعْفه في العربيَّة وإن لم يكن عربيًّا.
3- وأسلوب الكتابة بالأحرُف العربيَّة عند بعض اللّغات المنتمية إلى الإسلام، كالفارسيَّة والتّركيَّة والمالايوية والهاوسا والأورديَّة، وغيرها من اللغات التي تعتبر لغات المسلمين.
4- ومنها: قرض مفردات اللغة العربيَّة إلى بعض تلك اللّغات المذْكورة.
5- العربيَّة كوسيلة مهمَّة في أداء العبادات المحتاجة إلى التلفُّظ، كالقراءة في الصلاة، والتّلاوة والتَّلبية في الحجّ، والتلفظ بالأدعية والأذكار المأثورة وغيرها.
6- وقد أثَّرت العربية في القراءاتِ القرآنيَّة، من حيثُ إنَّ لكلّ قراءة دليلها المقنع في اللغة، لاسيَّما إذا كانت مثل هذه القراءة من القراءات الصَّحيحة.
7- ومن بين أوجُه تأثير العربيَّة في ثقافتنا: نزول القرآن دستور المسلمين نفسه باللّغة العربيَّة، وقد تكرَّر الإقرار بنزول القُرآن بهذه اللغة العربيَّة لحكمة التبيّن والتعقّل والتدبّر المحكم والتفصيل، فيما بلغ إحدى عشرة مرَّة (فصلت: 44، الرعد: 37، الرمز: 28).
التحديات في وجه الثقافة العربية الإسلامية:
بدأت الحملات الغربيَّة توجّه إلى الثقافة العربية من خلال أرسخ الحصون وأقواها، وهو الإسلام نفسه، وقد حاولوا عدَّة مرَّات وما زالوا في الدَّعوة إلى التَّفرقة بين الدّين والقوميَّة العربية، بل بين الإسلام واللّغة التي أنزل بها دستور الأمَّة الإسلاميَّة نفسها؛ أي: العربيَّة.
ولقد واجهت اللّغة العربيَّة أقسى ألْوان التحدّي في سبيل القضاء على وحدتها، وتغْليب العامّيَّات الإقليميَّة عليها، وقد بدأت الحملة من منطلق مقارنة اللّغة العربية باللغة اللاتينيَّة الَّتي دخلت المتاحف، مخلية الطَّريق للغات الإقليمية واللهجات المحلّية، وبالجملة فإنَّ التَّحدّيات الصَّادرة من قبل هؤلاء المغربين والمستشْرقين يمكن أن تشتمِل وتتمثَّل على هذه المحاولات التَّالية:
1- المحاولة في إيقاف اللغة العربيَّة عن النموِّ في الأوطان الإسلاميَّة، بما فيها الدول العربيَّة وغير العربيَّة، علمًا أنَّها هي لغة الفِكْر والثَّقافة والعبادة لدى هؤلاء المسلمين، الَّذين قد يبلغ عددُهم حاضرًا 1.4 مليار؛ (مقالة: يحيي توين مرتضى، أثر العربية في ثقافة المسلمين).
2- المحاولة المتواصلة في استبدال العاميَّة بالفصحى في كثير من البلدان العربيَّة.
3- السَّعي في خلْق لغة وسطى بين العامّيَّة والفصحى؛ وذلك لإنزال مستوى الثَّقافة العامَّة إليها، وعزل اللّسان العربي والثَّقافة عن مستوى القرآن الكريم من الفصاحة.
4- المحاولة في هدْم دولة الإسلام والقضاء عليها، وقد سلكوا في تحقيق ذلك طريق تجْزِئة الأمَّة الإسلاميَّة وتفتيتها، فأثاروا النعرات الإقليميَّة والقوميَّات، وجنَّدوا لذلك أعوانًا لهم داخل ديار المسلمين.
5- محاولة الإغارة على حضارة الإسلام وثقافته؛ سعيًا وراء هدم عقائده وأفكاره، ونشْر الأفكار الغربيَّة بديلا عنها.
6- الغزْو الفكري عن طريق التَّبشير.
الخاتمة:
وجدت الدِّراسة أنَّ تأثير اللغة على المسلمين كبير، ولكن يبدو أنَّ الغربيين حاولوا كلَّ محاولتهم في سبيل التَّفريق بين اللّغة العربية والثَّقافة الإسلاميَّة، ولكن لم ينجحوا؛ لأنَّ المسلمين كان لهم دور مهمّ لا يُنسى في تاريخ تطوّر اللغة العربية، بإنشاء علوم لغويَّة متعدّدة تُعين على إحياء اللغة وإبقائها وانتشارها في أنحاء العالم، حتَّى اعتبارها لدى الأمم المتَّحدة.
ومن المستحْسَن أن يقوم المسلمون بدوْرِهم في الدّفاع عن اللغة وثقافتها تِجاه العداوة الفكرية التي تحاول التفريق بينهما وتغييرهما، بهدف القضاء عليهما. -------------------------
المراجع:
♦ القرآن الكريم
♦ العمايرة، محمد حسن، 2000، الفكر التربوي، عمان: دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة.
♦ جميل عيسى الملائكة، اللغة العربية ومكانتها الإسلامية في الثقافة العربية، رقم العدد: 1082 الموضوع: أدب وثقافة، 6.
♦ يحيي، توين مرتضى، 2007، أثر العربيَّة في ثقافة المسلمين، مجلة: إسهامات اللغة والأدب في البناء الحضاري للأمَّة الإسلاميَّة، ماليزيا: دار التَّجديد للطباعة والنَّشْر والتَّرجمة.
♦ عوض، يوسف نور، المقومات الإسلاميَّة للثقافة العربية، بيروت: دار القلم.
♦ وافي، علي عبدالواحد، 1962، فقه اللغة، القاهرة: دار النهضة.
♦ خليل، عماد الدين، مؤتمرات حول الحضارة الإسلامية، دار الصَّحوة للنشر والتَّوزيع.