ولقد مثَّل المؤلِّف لهذه الظاهرة بالأبيات التالية؛ ليؤكِّد أنها عيب موسيقي، من ذلك قول جرير:
عَرِينٌ مِنْ عُرَيْنَةَ لَيْسَ مِنَّا
بَرِئْتُ إِلَى عُرَيْنَةَ مِنْ عَرِينِ
عَرَفْنَا جَعْفَرًا وبَنِبي أَخِيهِ
وَأَنْكَرْنَا زَعَانِفَ آخَرِينِ
حيث يجِب فتحُ نون جمْع المذكَّر، تمشيًا مع قواعد الإعراب، ولكنَّه كسرها تمشيًا مع القافية.
وكذلك قول الشاعر:
أَرَيْتَكَ إِنْ مَنَعْتَ كَلاَمَ يَحْيَى
أَتَمْنَعُنِي عَلَى يَحْيَى البُكَاءَ
فَفِي طَرْفِي عَلَى عَيْنِي سُهَادٌ
وَفِي قَلْبِي عَلَى يَحْيَى البَلاَءَ
حيث يجب رفع البلاء والقافية بالنصب.
وقول بشر بن أبي حازم:
أَلَمَ تَرَ أَنَّ طُولَ الدَّهْرِ يُسْلِي
وَيُنْسِي مِثْلَ مَا نَسِيَتْ جُذَامُ
وَكَانُوا قَوْمَنَا فَبَغَوْا عَلَيْنَا
فَسُقْنَاهُمْ إِلَى بَلَدِ الشَّآمُ
حيث يجب جر "الشآم" والقافية بالرفْع.
ومنها أيضًا قول الشاعر:
تَغَيَّرَتِ البِلاَدُ وَمَنْ عَلَيْهَا
فَوَجْهُ الأَرْضِ مُغَبَّرٌ قَبِيحُ
تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي طَعْمٍ وَلَوْنٍ
وَقَلَّ بَشَاشَةُ الوَجْهِ المَلِيحُ
حيث يجب جرُّ المليح؛ لأنَّها صفة الوجه المجرور بالإضافة، والقافية بالرفْع.
وكل هذه النماذج في نظَر المؤلِّف من قبيل الخطأ النحوي، في سبيل الِحرْص على الأداء الموسيقي للأبيات؛ لذا يقول معقبًا على الأبيات السابقة: "شواهد ليستْ بالقليلة أدركها اللغويُّون، بناءً على قوانين الصَّواب اللُّغوية عندَهم، وقدْ حاولوا مِن خلالها إنارةَ الطريق للشاعِر؛ كي يسيرَ وَفق قواعدِهم، ولَمَّا لمْ يسلمْ لهم ذلك؛ لارتباط الشاعر بالقافية، حاولوا أن يصِلوا الطريق بقواعدِهم وما جاؤوا به، ومِن هنا ظهرت تخريجاتهم النحويَّة، وتأويلاتهم للكثير مِن ظواهر الشِّعر؛ كي يَسلمَ في النهاية المطلبُ النحْوي والمطلَب الإيقاعي".
ويُضيف الدكتور:"وقدْ رأى بعضهم في سبيل تحقيق المطلبين معًا، أنَّ التسكين كان أصلاً في نُطق هذه الأبيات المخالِفة للنحْو، والذي أحْسَبه أنَّ التسكين يمثِّل وقفة لا يمكن معها تمامُ الوزن، فإذا كان هناك إنشادٌ يواجه بإمكانتين صالحتين للوقف: إمكانة يتمُّ فيها الإيقاع مع اتِّخاذ المد سبيلاً للوقف، وإمكانة يختلُّ فيها الوزن مع اتخاذ التسكين سبيلاً للمد".
لقد وهم النُّحاةُ في تصورهم، ووهِم المؤلف في تصوره أيضًا فلا خلَلَ في نحو، ولا خلَل في وزن.
يقولُ ابن القطاع في "الكتاب البارع في علم العروض"، وذكر الزجَّاج أنه جاء في ضرْب الوافِر المقطوف القصر، وأنشد في ذلك عن عبدالله بن مسلم بن قُتيبة، قول العلاء بن المنهال الغنوي في شريك بن عبدالله القاضي - قاضي الكوفة:
فَلَيْتَ أَبَا شَرِيكٍ كَانَ حَيًّا
فَيُقْصِرَ حِينَ يُبْصِرُهُ شَرِيكُ
وَيَتْرُكُ مَنْ تذر بِهِ عَلَيْنَا
إِذَا قُلْنَا لَهُ هَذَا أَبُوكَ
لأنَّه لو أطلق القافية لَأَقْوَى بالمنصوب وهو لا يجوز، إلاَّ في قول ضعيف.
وبنظرة فاحِصة إلى كل النماذج التي أوردها المؤلِّف للظاهرة نجد أنَّ غالبيتها العظمى من بحر الوافِر، اللهمَّ ببتين أحدهما للنابغة والثاني للفرزدق، وقد أرْجعنا الخطأ فيهما إلى خطأٍ في الصنعة الشعريَّة، وليس الفَهم النحوي.
وخلاصة القول: إنه يجوز في الوافر:
مفاعلتن مفاعلتن فعولن
مفاعلتن مفاعلتن فعولْ
لذلك لا أرَى خطأً نحويًّا فيما ذكَر المؤلف ولا إقواءً، وخصوصًا بعد أن ذكر تعليق قُدامة بن جعفر على بيتي سحيم الرباحي:
عَذَرْتُ البُزْلَ إِنْ هِيَ خَاطَرَتْنِي
فَمَا بَالِي وَبَالُ ابْنِيْ لَبُونِ
وَمَاذَا يَبْتَغِي الشُّعَرَاءُ مِنِّي
وَقَدْ جَاوَزْتُ حَدَّ الأَرْبَعِينِ
قال قدامة: "كأنه وقف القوافي ولم يحرِّكها"، ولكنَّه لم يعجِب المؤلف على الرغم مِن موافقته لرأي الزجَّاج وابن القطَّاع في قصر ضرْب الوافر المقطوف فيقول معلقًا: "وإنَّ موقفًا كهذا يشبه قولنا لمن يخطئ نحويًّا حين الحديث، سكِّن تَسْلَم" لماذا؟ لأنَّه يخالف رأيه ويهدِم نظريته في الخطأ النحوي، وليس الخطأ الموسيقي؟
ولذلك، سوف أُعيد ضبط الأبيات السابقة، على أنَّها من ضرب الوافر المقصور:
1- أَرَيْتَكَ إِنْ مَنَعْتَ كَلاَمَ يَحْيَى
أَتَمْنَعُنِي عَلَى يَحْيَى البُكَاءَ
فَفِي طَرْفِي عَلَى عَيْنِي سُهَادٌ
وَفِي قَلْبِي عَلَى يَحْيَى البَلاَءَ
مفاعلتن مفاعلتن فعولن
مفاعلتن مفاعلتن فعول
2- أَلَمَ تَرَ أَنَّ طُولَ الدَّهْرِ يُسْلِي
وَيُنْسِي مِثْلَ مَا نَسِيَتْ جُذَامُ
وَكَانُوا قَوْمَنَا فَبَغَوْا عَلَيْنَا
فَسُقْنَاهُمْ إِلَى بَلَدِ الشَّآمُ
مفاعلتن مفاعلتن فعولن
مفاعلتن مفاعلتن فعول
3- تَغَيَّرَتِ البِلاَدُ وَمَنْ عَلَيْهَا
فَوَجْهُ الأَرْضِ مُغَبَّرٌ قَبِيحُ
تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي طَعْمٍ وَلَوْنٍ
وَقَلَّ بَشَاشَةُ الوَجْهِ المَلِيحُ
مفاعلتن مفاعلتن فعولن
مفاعلتن مفاعلتن فعول
وهي كما ترَى قافيةٌ تصلُح للنظم في ساعات الحُزن، والألَم أو هي مِن قبيل ما يستخدمه النساءُ في رِثاء الأموات.
---------------------------
[1]منشور في كتابنا: "فن القافية - قضايا وبحوث" (ص: 100 وما بعدها)، طبعة ثالثة 2001م – 1421هـ.
[2] "موسيقا الشِّعر" (ص: 261).
[3]المصدر السابق.
[4] "فصول في فقه العربية" دكتور رمضان عبدالتواب (75 - 142).
[5] "فصول في فقه العربية" (75 – 142)، و"في عروض الشعر العربي" (ص: 147).
[6] "في عروض الشعر العربي" (ص: 202).
[7] "القافية تاج الإيقاع الشِّعري" (ص: 103).
[8]عالم الكتب - العدد الرابع مِن المجلد الخامس، مايو 1985م (ص: 730).