*الأستاذ الدكتور مازن المبارك محققًا:
أستاذنا الجليل الدكتور مازن المبارك – مدّ الله في عمره- متعدد جوانب الثقافة والنشاط وهو فيها كلها متقنٌ صَـنـَاع ، فهو محاضر من طراز رفيع ، وكاتب بحث بارع ، ومؤلف متمرّس مجتهد ، ومحاور لبق صاحب حجة ، ونحويّ مالكٌ لآفاق اختصاصه ، لكن لم يستبدًّ به النحو ، ولم يستطع أن يحجبه عن آفاق الثقافة المترامية الأطراف ، ومعظم جهوده العلمية بل كلها قاطبة متجهة ٌ إلى خدمة العربية ، وإعلاء شأنها ، والمنافحة عنها ، وإبراز عبقريتها ، وجمالها إنتاجه متقن غير مكثر ، بعيد كلّ البعد عن الادعاء ، يصون كل ما يكتبه وينشره كما يصون منبره الجامعي أيضًا، عن الابتذال والفضول .
ولا أستطيع هنا أن أوفي جوانبه العلمية حقها ، لأن مجال البحث هو جهوده في التحقيق وحدها ، والتحقيق جانب هام من جوانب اهتماماته العلمية .
والتحقيق كالتأليف يتطلب أول ما يتطلب أساسًا أخلاقيًّا ينطلق منه ، وإليه يستند ، فهو أمانة والأمانة ثقيلة ، إلا على أولي العزم ، وهو أخلاق ، والأخلاق صعبة ٌ ، إلا على من راضَ نفسه على ممارستها ، وكبح أهواءه عن جماحها وأخضعها لمقتضاها ... والتحقيق أو لأقلْ : إتقان التحقيق صعب وطويل سلـّمه ...
لذلك كله نرى المحققين الأثبات لا يعبؤون بكثرة الأعمال ، ولا يطنبون في تعدادها... لأن تحقيق الكتاب ، قد يستغرق من المحقق من الوقت أضعاف ما قد يستغرقه تأليف مثله ، وذلك حسب طبيعة خطه ، وتسلسل أوراقه ، ولأن المحقق قد يوقف عمله في مرحلةٍ ما ، لينتظر وصول مخطوطة علم بها ، وانتظار المخطوطات ، والسعي لها معاناة لا يدركها إلا من عاناها ، ووقع في شباكها ...
وربما كان كثيرون قد انصرفوا عن التحقيق بسبب ٍ من صعوبة الوصول ، أو الحصول على المخطوط الذي به يرغبون ، وقد أخبرنا بعض المحققين في مقدماتهم عن جوانب من تلك المعاناة ، وإن صعوبة قراءة كلمة على وجهها ، قد توقفك عن متابعة العمل أسبوعًا، أو أكثر ، وتؤرق عليك ليلك وأنت بها تفكـّر ... وتستنفر حدسك وحواسك لاستجلاء قراءتها ، زد على ذلك أن بعض المعاجم قد لا تسعفك في مواضع ، والمراجع قد تخذلك في مواضع ... ثم بعد ذلك كله أو قبله كله أنت لا تعمل لنفسك في التحقيق ، إنما تعمل لغيرك .. فأنت تحرر نصًّا ليس لك ، وتبذل العمر ، ومعه العيون والراحة ، في إحياء أعمال ستحيا باسم مؤلفيها الذين رحلوا من مئات السنين ، لذلك كان التحقيق واستغراق العمر فيه ، يمثل ضربا ً من الإيثار ولا سيما في هذا العصر الذي كثر فيه المغيرون على أعمال غيرهم ، وأوضحت هذه الظاهرة من صوارف بعض المجدّين عن العمل في التحقيق ، ونشير هنا فقط إلى (رسالة الغفران) للمعرّي ، وقد سلخت فيه محققته بنت الشاطئ سنواتٍ من عمرها ، وسنوات أخر في الاستدراكات والتصحيحات ، ثم رأت بعد أن نشرته وشهرته غير ما واحدٍ يتنطع بأن حققه ونشره وهو يدعي أن النص للمعري وليس لها ، وله فيه من الحق مثل مالها ، وهو إنما سرق جهدها ولياليها وعلمها ...
وإذا كان من تحصيل الحاصل أن المحقق يجب أن يكون متضلعا من فنه علميًّا، فإنه أيضًا يجب أن يكون متقنا ً لآليات هذا الفن وتقنياته ، لذلك رأينا المستشرق برجستراسر (توفي 1933م)، ومن بعده المرحوم عبد السلام محمد هارون (توفي 1988م)، يؤلفان في فن تحقيق النصوص ، إضافة إلى ما نثاه في تضاعيف كتاباته العلامة المرحوم محمود محمد شاكر (توفي 1977م) ، في أصول هذا الفن ومستلزماته ، ولعل أهمّ هذه الأمور هو المحقق نفسه ومقدار ما يتمتع به من الفهم ، والحذق في قراءة النصوص وفهمها وتحليلها .
وقبل أن أنتقل إلى الكلام على الأعمال المحققة لأستاذنا المبارك لا بدّ أن أذكر أن التحقيق قد ينتقل إلى مجال الطبع الشخصي ، ويصبح صفة راسخة ً ملازمة ، فترى المحقق محققا تجاه كل فكرة وكل خبر ، وأنا أزعم أن الدكتور المبارك قد أصبح على هذا النحو ، فقد جلس يوما ً أمام الشاشة الصغيرة يراقب ندوة وكان المتحدث يقول : (إن المؤرخين ذكروا أنه اجتمع على حرب المسلمين مشركو قريش ، ومَنْ رافقهم من الأحابيش ، وهم من الحبشة وغيرها من العبيد والزنوج .. وكان بعضهم قد جاء من القارّة) .
وكان هذا الكلام الذي سمعه الدكتور بداية رحلة تنقيب وبحث ومراجعة للسيرة النبوية ، ومعاجم اللغة ، وكتب الأنساب وكانت النتيجة أن بيّن بالدليل الناصع أن الأحابيش إنما هي نسبة إلى جبل (حُـبْـشيّ) ، وهو جبل بأسفل مكـّة بنعمان الأراك ، يقال به سُمّيت أحابيش قريش ، وذلك أنّ بني المصطلق ، وبني الهون بن خزيمة ، اجتمعوا عنده ، وحالفوا قريشًا وتحالفوا بالله : (إنـّا ليد ٌواحدة ٌ على غيرنا ما سجا ليل ٌ ووضح نهار ، وما رسا حُـبْشيّ في مكانه) ، فسموا أحابيش قريش باسم الجبل ، وبينه وبين مكة ستة أميال) ، وخلص الدكتور المبارك إلى أنّ الأحابيش هم بنو الهون ، وبنو الحارث من كنانة وبنو المصطلق من خزاعة ، تحبّـشوا أي تجمعوا ، وتحالفوا عند جبل حبشيّ ، فسُموا الأحابيش ) .
أما (القارّة) وقد قرأها صاحب الندوة بتشديد الراء ، فصوابُها (القارَة) ، بتخفيف الراء وفتحها ، وهي قبيلة مشهورة بالرمي ، وهم عَـضَـل والدّيش ابنا الهون بن خزيمة بن مدركة ، سُمّوا (قارة) لاجتماعهم ، والتفافهم ، لمّا أراد ابن الشـّداخ أن يفرقهم في بني كنانة وقريش ، قال شاعرهم :
دَعُونا قارة ً لا تذعرونا=فنجفلَ مثل َ إجفال الظـَّليم
وهم رماة الحدق في الجاهلية ، وهم اليوم في اليمن ، ينسبون إلى أسد ، والنسبة إليهم : قاريّ ، وهم حلفاء بني زهرة) .
ما ذكرته كان ملخصا ً لبحث موثَّق مطوَّل كتبه الدكتور المبارك محققًا ما سمعه في ندوة تلفزيونية ، ونشره في كتابه : (مقالات في العربية) ، وقد أشرت إلى هذا البحث لأدلّل على ما ذهبت إليه من أنّ التحقيق أضحى لدى المبارك صفة راسخة ً وطبعا ً متحكما ً حتى وهو يستمع إلى ندوة أو يكتب مقالاً .. إنه ببحثه المشار إليه لم يصحح خطأ وقع فيه أحد المشاركين في ندوةٍ عَرَضًا ، بل إنه لخطأ كثيرا ً ما سمعناه يتردد على ألسنة أناس في مواضع مختلفة ، وهم يتصدّون للتعليم أو للخطابة أو الوعظ والإرشاد ... يذهب بهم لفظ الأحابيش إلى الحبشة ، وتذهب بهم الحبشة إلى اللون الأسود .. فيبنون عليه ما يبنون ويفسرون ما يفسرون .
* العلامة مازن المبارك ورأيه في حالة التدهور التي آلت إليها اللغة العربية:
ما ذلَّت لغة قوم، إلاَّ ذلُّوا، وأرى أنه ما ذلَّ قوم إلاَّ ذلَّت لُغتهم؛ كما هي حالنا اليوم، فالمعادلة طرديَّة؛ تقوى الأُمَّة، فتَقْوى لُغتها، وتقوى اللغة، فتقوى الأُمَّة؛ لأن اللغة تُعلِّم أبناءها المُروءة، وتُعلِّمهم الأخلاق، وتُقَوِّي الشخصية، وتَبني الفكر، هذه المعاني الآن غائبة عن كثيرٍ من المُثقَّفين، يظنون موضوع اللغة وتمسُّكنا بالفصحى عبارة عن تعصُّب لا لزومَ له، وأنَّ العلم يُمكن أن يكون بأيِّ لُغة، على حين أنَّ الأُمَّة التي تتقدَّم عِلميًّا تتقدَّم لُغتها، وحين تتقدَّم لُغتها تتقدَّم، فهناك معادلة طرديَّة بين اللغة وبين الأُمة، فنحن يمكن أن نُعزَّ بإعزاز اللغة، ويمكن أن تُعز اللغة بإعزازنا، والتاريخ أكبر دليلٍ على ذلك، حين نرى اللغات الأوروبيَّة الحيَّة، ونرى اللغة العربية متى كان عِزُّها؟ أين كان العرب حين كانت العربية عزيزة؟ كيف كان الحكم العربي حين كانت العربية؟ كيف كان العلم العربي الذي نُقِل عن طريق إسبانيا وعن طريق صقلِّية إلى أوروبا؟ وكيف كان العالَم يَخضع للعرب حضاريًّا وسياسيًّا ولُغويًّا؟ ثم انسَحب العرب، وأفَلَت شمسُهم، فانحصَر ظلُّ لُغتهم، وما زِلنا نتراجَع، أو نقف على الأقل، ونحن حين نقف ويتقدَّم غيرنا، فمعنى ذلك أننا تأخَّرنا؛ ولذلك فكلام الرافعي صحيح، نحن عِزُّنا بلُغتنا، وعِزُّ لُغتنا بنا، وأعتقد أنه لولا بقايا الإسلام والتمسُّك بالقرآن، لكنا تأخَّرنا، وتأخَّرت لُغتنا أكثر من ذلك بكثير.
* رأيه في آليات إحياء الوعي اللغوي:
أنا الآن أُفضِّل أن نوجِّه بعض الجهود إلى إحياء الوعي اللغوي، لا إلى إحياء اللغة نفسها؛ لأنني أرى العاميَّة التي تَطغى في الإعلام وفي الحياة اليوميَّة، وأرى أن ما يُدعى بالمعركة بين الفصحى والعاميَّة، لا حاجة إليه، ولا لزومَ له، كلُّ ما هنالك أنَّ اللغة العامية لا تزول بقرار سياسي، اللغة بصورة عامَّة مِلك الناس، وليست ملك الحاكم، ومن الصعب أن يَصدر قرار فيغيِّر لغة؛ لأن ذلك يحتاج إلى زمنٍ، أهم شيء أن يحبَّ العاميُّ الذي يتحدَّث العامية اللغة الفصحى، وأن يتمنَّى أن يكون من أصحاب اللغة الفصحى، هذا الحب وحْده في هذه المرحلة يكفي، ويَكفيني أن يشعرَ العرب بالحبِّ نحو لُغتهم، حتى ولو لَم يكونوا قادرين على حمايتها، حتى ولو لَم يكونوا قادرين على استعمالها، يَستعملها مَن يستطيع منهم ذلك، لكنَّه يجد التشجيع، ويجد الاحترام، ويجد الإمكان المفتوح له، أمَّا أن نجدَ الصدود والمقاومة من المستغربين العرب، فهذا من أعجب العجب! يعني نحن الآن نجد صدودًا، ونجد مقاومة من كثير من الناس، وهذا بلا شكٍّ لا أعتقد أنه عن سوء نيَّة، بقَدْر ما هو عن جهلٍ، فإذا استطَعنا أن نُحبِّبهم في اللغة العربية، وأن نرغِّبهم فيها وفي أدبها، فقد أفْلَحنا.
*رأيه في دور المجامع اللغوية في صيانة اللغة العربية:
نحن لا نُنكر أنَّ المجامع مُقصِّرة، وأن مَجمعنا مُقصِّرٌ، ورسالة المجمع أصبَحت واسعة جدًّا، وبعض الناس الذين يتَّهمونه بالتقصير، يرون ظاهر الأمر دون باطنه، وهذا أيضًا يعود لتقصير المجمع، فمَجمعنا عُمره كذا سنة، ومع ذلك لَم يمضِ على تأسيس مكتب إعلامي فيه سنة واحدة؛ أي: إنَّ ما يحدث في المَجمع لا يَعلم به إلاَّ الذي يعيش داخل المجمع، فالآن فيه ما لا يقلُّ عن اثنتي عشرة لجنة، فيه لجنة فيزياء، وكيمياء، ونبات، وحضارة، وحياة يومية، وكلُّ لجنة وضَعت مئات المصطلحات بعد دراسة وتمحيصٍ، وهذه المصطلحات لَم يَدْرِ بها أحد إلى الآن؛ لأن عندنا رتابة؛ أي: روتين، فهي يجب أن تُعرض على اللجنة، ثم على مجلس المجمع، ثم على المؤتمر السنوي الذي يَحضره أعضاء مجامع اللغة العربية؛ ليناقشوها ويُقِرُّوها، وبعد ذلك تُطبع على شكل مشروع؛ لأخْذ آراء الذين يَطلِعون عليه، ثم يُطبع نهائيًّا، وهذا يحتاج إلى سنة أخرى.
لقد أنْجَز قسم كبير من معجم الفيزياء أو المعجم كله، وكذلك ألفاظ الحضارة، لكن هذا لا يكفي، كذلك لجنة الأصول واللغة العربية تأتيها رسائل وفتاوى، فتُجيب عنها وتَصدر كلمات كثيرة ومصطلحات كثيرة، وتُفصح من العامية ألفاظًا كثيرة، لكنَّها تنتظر حتى تعرض على المَجمع، ثم تعرض على المؤتمر السنوي، ثم تُنشر، وعمَّا قريب أعتقد أن مَجمع دمشق سينشر مجموعة كبيرة من هذه الكتب التي تتضمَّن مثل هذه المصطلحات.
لكن بصورة عامة، فاللغة ليست من الأمور التي يُمكن إصلاحها بين عشيَّة وضحاها، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فالمجمع وحْده لا يكفي، أنا أحبُّ أن تكون الجماهير مُلتفَّة حول المجمع؛ يعني: مثلاً أنا حضرتُ في المجمع عشرين محاضرة، ما وجَدت عشرين واحدًا من أساتذة اللغة العربية الجامعيين يحضرون المحاضرات أين هم؟