لقد عاصر الدكتور مازن في مُقتبل حياته العلمية في جامعة دمشق جمهرة من زملاء عمله – الذين كان بعضهم أستاذًا له ، وأستاذًا لجيلنا أيضًا ؛ وأتيح له أن يتعرف على أعلام جامعة دمشق ، وكلياتها المختلفة ؛ بأسباب كثيرة منها صلاته العلميّة ، والاجتماعية ، وموقعه في قسم اللغة العربية ...
وأتيح له أيضا أن يكون – بصفتيه الشخصية والرسمية – على صلة بقضايا اللغة العربيّة في مجال التعليم ، والتربية والثقافة والإعلام ، ولم يمض وقت بعيد حتى كان الدكتور مازن اسما ً مرموقًا:
- في الهيئة التعليمية في قسم اللغة العربية.
- وفي إطار جامعة دمشق في كل مجال له صلة باللُّغة ، والمصطلح.
- وفي وجوه العلاقات التربوية التعليمية ، والثقافية والإعلامية.
- وبرز ؛ أيضًا ؛ بصفة صاحب حضور إعلامي متميز في ندوات الأدب واللغة والثقافة والحضارة ...
لا يَصْعُب على دارس شخصية الدكتور مازن المبارك ، ومتابع نشاطه الفكري ، واللغوي ، والحضاري ، أن يتبيّن ملامح تلك الشخصية في جوانبها المختلفة ، فهو بمقدار ما له من الذاتية والخصوصية والرغبة في الالتفات إلى الذات والأهل والمكتبة الخاصة والاستقلالية ، يحبّ أن يكون في زورق كبير مكشوف للسماء ، لا غطاءَ ، في مجموعة من الناس ، ويفضّل أن يكون أولئك الناس من الأصحاب ، والأصدقاء ، والجيران ، والزملاء المقربين ...
- وهو - أيضًا- بمقدار ما يحبّ أن يكون مع النخبة المُختارة التي يشعر معها بالانسجام والتوافق يستطيع أن يتلاءم مع الإطار الواسع والعدد الجمّ .
- إنها القدرة : على الائتلاف مع ظروف الحياة ، والمواءمة بين المطلوب والموجود ؛ وبين المتصوَّر والممكن .
- وهو ؛ بمقدار ما في طباعه من خصوصية ذات تميّز يعرفها أقاربه كما يعرفها أصحابُه ومريدوه : قادرٌ على الانفتاح على الآخرين ، وعلى تطويع النفس ، لقَبُول الناس على اختلاف طباعهم وأمزجتهم ، لزمانٍ محدود ، ولكنه – على كل حال- زمانٌ كافٍ لكي يتطبع في نفوس الناس عنه تلك المقدرة على التفافهم ، والتعّايش ، وتسيير الأمور في ظروفها المختلفة .
على أن قارئ الشخصية يلاحظ معالمها في ثلاثة اتجاهات : المعالم الخاصة ، والمعالم الجامعية ، والمعالم العامة .
في المعالم الخاصة ، التي يعبر عنها أيضًا بالمعالم الشخصية ، هي معالم تدور حول قوام الذات ، وخصائص النفس ، ومكوّنات الوُجدان ، وفي هذا كله ما يلوّن الإنسان بلونه ، ويطبعه بطابعه ، ويعطيه – عند نفسه وعند الناس- هويته الخاصة ، وقد اشتركت عوامل كثيرة في تكوين هذه المعالم الخاصة :
- فجانب ، أو جوانب ، يشترك فيها مع أبناء جيله مع أحداث عامة ، وظروف شاملة .
- وجانب أو جوانب ، يختص بها ، وتنبع من ذاته ، ويختلط الجانبان معًا ، يكونا الصورة ، والمزية ، والهويّة ، والذاتية ، والخصوصية .
وعاصر الدكتور مازن مثل أبناء جيله ، بعض زمان الحكم الفرنسي ، وعايش في شبابه الأوّل انتصار إرادة الشعب السوري ، وأدرك نضج ثمرات الثورة السورية التي ناصبت الاستعمار الفرنسي العداء ، وكان في أكثره مجاهدةً بالسّلاح :
سقط فيها الشهداء ، وأقلقت فيه راحة المستعمر المعتدي ، الذي قطع أوصال بلاد العرب ، وفرّق ما بين أبناء الأمة الواحدة .
ومع تشرّب ذلك الجيل بالحماسة الوطنية ، والروح الوثّابة كانوا واعين لمعركة البناء : وأهمّه بناء الفكر ، والوجدان .
ومن هنا كان اختيارًا قاصدًا أعان عليه كون التراجم له من أسرة علميّة مغموسة في الحركة العلميّة – الثقافيّة وكان اختيار طريق التعليم اختيارًا يحقق في النفس الذات الداخلية ، ويواصل جهود الأسرة ، ممثلة في الأب العالم ، والأخ الباحث ، الذي مدّ يديه إلى جانبي الحياة : العلمية من جهة ، والعامّة من جهة أخرى .
وقد اتضحت في معالم مازن المبارك الخاصة :
- ملامح الذكاء : ولا أبالغ ، وأنا أصف ذكاءه بالّلمّاح .
- وعوامل النجاح : يستوي في ذلك جانبا العلم والعمل .
- وغزارة النشاط : فهو شعلة من الحيوية المتدفقة .
- ودقة النظام : فمن عرفه عن قُرب عرف تلك الدقة ومحافظته على مراسمها في حلّه وترحاله ؛ وعلى امتداد سنوات الشباب والكهولة ...
والمعالم الجامعية ، فقد كان المترجم له في جامعة دمشق أحد أعضاء هيئة التدريس البارزين ، وكان ذلك في عدد من الجامعات العربية ، التي انتقل إليها أستاذًا معارًا ، أو زائرًا ، أو مقيمًا.
ولقد تكونت معالم شخصيته الجامعية في كليّة الآداب بجامعة دمشق ، وفي ظلال التقاليد الجامعية الأكاديمية المعروفة في جامعتنا ، ولئن كانت السنوات التي أظلت كلية الآداب في دمشق غير مديدة ؛ منذ نشأة الكلية وابتداء نشاط قسم اللغة العربية ، لقد ورث المعلمون والدارسون معاً تقاليد أصيلة عريقة في مدينة دمشق ، في مدارسها التقليدية القديمة ، ومساجدها التي أبرزت العلماء ، والفقهاء ، والأدباء ، ومجالس علمائها ، التي وصلت مؤلفاتهم ومحاضراتهم إلى أقطار البلاد العربية والإسلامية .
لقد أسهم الدكتور مازن في حركة التعليم الجامعي في القسم والكليّة ، وأسهم في إعطاء خريجي دمشق تلك السُّمعة العلميّة في تخصص اللغة العربية ، حيثما ذهبوا ، للاستزادة من طلب العلم ، أو العمل في أقطار العرب بكفاية عالية .
وظهرت المعالم الجامعية في شخصية الدكتور المبارك في رحاب العلم في جوانب :
- التدريس الجامعي .
- والتأليف والتحقيق .
- وتغطية الندوات المتخصصّة ، والملتقيات ، والمؤتمرات .
وكثيراً ما كان يتفاجئ الحاضرين في تلك الملتقيات بكونه ممثلاً لجامعة أخرى غير جامعته الأصلية : في أثناء لحاقه ببعض الأقطار العربية في إطار التعاون الجامعي بين دمشق وغيرها .
ومثلما تميّزت معالم الشخصية الخاصة ، والمعالم الجامعية ، تميّزت أيضا معالم الشخصية العامة .
ومظاهر الشخصية العامة ، إنما تستمدّ من الدائرتين الأوليين : الذاتية والجامعية فالرجل يظهر في المجتمع ، ويقدم حيثما يكون باعتباره المعلم الجامعي المتخصص ، الذي تُطيف به هالة الأستاذ ، المحاضر ، المتكلم ، الباحث ، المحاور ، والذي يَحْمِلُ اللغة على كاهله ، ويطوف بها حيث ما ذهب لتكون في مواقعها ومكانها ...
وإذا كانت شخصية المعلم ، شخصية اعتبارية تحظى بكل تقدير في المراحل الدراسية المختلفة ، فإن شخصية الجامعي – والبلاد حديثة عهد بالجامعيين الحاصلين على المؤهلات العليا – هي شخصية مرموقة :
- للحقيقة العلمية والأكاديمية التي تمثلها من جانب ؛
- وللهالة الاجتماعية التي ترافقها من جانب آخر .
وشخصية الدكتور مازن ، الذي يعرفه أصحابُه بكنيته :
أبي زاهر ، شخصية ٌ متميزة ، ظاهرة المعالم ، وهم يحسبون حسابًا لهذه الشخصية ، في جدٍّ وهزل ، وفي محاورة ومباسطة ؛ وفي أخذٍ وردّ .
ومن مزايا هذه الشخصية القدرة على الجمع بين جوانب قد تبدو للمشاهد العابر متضادة ، أو متناقضة ، وهما عند التدقيق وجهان لعملة واحدة :
- فبالقدر الذي يُجيد فيه المُتَرْجَم له المجاملة ، والمداراة ، والمحاسنة ، والمسايرة إلى أبعد الحدود ، فإنه يتمتع أيضا ، وحين يكون الموقف في حاجة ، بالصَّراحة ، وهي صراحة واضحة ، ليس فيها مواربة ، ولا يمكن أن يكون لها تفسير آخر .
- ومع معرفة أبي زاهر بأساليب الكياسة واللياقة الاجتماعية وأخذ الأمور بالليونة ، وما يسمى (السياسة) بالمعنى الاجتماعي ، فإنه قادر على الحسم ، وتحمل مسؤولية القرار الحاسم .
- ولعل هذا مما يميز صورته في حياته العملية والاجتماعية .
- ومع كثرة أسفاره ، وإقاماته العديدة المديدة في بلدان عربية مختلفة ، واستقراره ، واستئناسه بالاغتراب ، حتى لكأنه من أبناء البلد الذي يقيم فيه ، يجده من يعرفه مرتبطا بالوطن الصغير ، مشغولا بالآتي منه مع مسافر قادم ، أو نبأ شارد ، أو هاتفٍ واصل ٍ ، أو مارّ عابر ، أو بريد مكتوب ...
- ومن هنا يسمع منه أصحابه في اغترابه ، منذ أن عرف الاغتراب الرغبة العاجلة في الاستقرار ، في الدار مع المكتبة والكتاب ، ومع الأصحاب والأحباب ، ثم تغلب على آرائه الطامحة ، وقائع الحياة المماثلة ...
- وأبو زاهر ، يبدو على سمته الهدوء والسَّكينة ، ومن مظاهره العامة الانتباه ، وتلقي الرأي والحجة ، ولكنه ، وإن بدا عليه هذا القدر الكبير من الصبر ، يمكن في لحظة أن يظهر عليه وجه العملة الآخر من حدّة الانفعال ، إذا نفذ الصبر منه ، أو غضب للوجْهِ الذي يراه صوابا ، وهو مع هذا يبقى في إطار الوقار ، وفي تماسك الشخصية .
- والدكتور مازن المبارك ممّن يعتد بالرأي ، ويدافع عن الفكرة ، ويعجبه أن يكون في ظلال الخصوصية ، وقد تعود أن يبني رأيه أو يقيم فكرته بعد دراسة وأناة ، ومن هنا كان التصلب المعهود منه في الرأي ، والفكرة ، والموقف .
ولكن الجانب الآخر ، هو أنه – مع هذه الصلابة التي تبدو جاسية أحيانًا- قادر على أن يأخذ بالحق إذا اتضح له الوجه فيه ، أو كانت حجة الطرف الآخر ، حُجةً بيّنة .
يتنازل عن الرأي الخاص ، وإن كان عزيزا عنده ، ليأخذ بالصواب ، أو الحق ، وقد اتضحت معالمه .
وأسلوبه في الدفاع عن الرأي ، والأخذ بالرأي الآخر ، يدخل في ملامح الشخصية : القائمة على الوضوح ، والصراحة ، والسلامة في الموقف .
وفي مظاهر شخصية الدكتور مازن المبارك ، التي تمتزج فيها الخصال والخصائص ، والمعلومات والمعارف ، والخواطر والنوازع :
- حُسن المحاضرة .
- وحُسن المحاورة .
- وحُسن المذاكرة .
أما حُسن المحاضرة ، فيتجلى في لقائه مع طلابه ، ومع مستمعي أحاديثه وبحوثه .
وإذا كان المشهور عن معلمي النحو جفاف العبارة وبعدها عن الطلاوة ، وقربها من لغة أهل الرياضيات أصحاب الأعداد والأرقام ، فإن عبارة الدكتور مبارك عبارة حسنة ، وأسلوبه أسلوب صريح ، ثم إن له قدرة على إيضاح المُرَاد بالعبارة القاصدة ، والكلام القليل ...
وأما حُسن المحاورة ، فيبدو لزملائه في الاجتماعات الأكاديمية وفي الندوات العلمية ، واللقاءات الإعلامية ، فإنه يقدم الحجة ويدلل عليها ، ويحاور الطرف الآخر بأناة وصبر وقدرة على الهجوم ، في الوقت المناسب ، حين تكون الخاتمة حاسمة .
وأما حُسن المذاكرة ، فيبدو في لقاءاته العامة ، في أوقات الجد والهزل ، والمزاح والمباسطة ، ويبدو في لقاءاته الخاصة ، في قضايا العلم والثقافة ، وفي قضايا المجتمع والحياة ...
ويَتبع هذا قدرة على الاستماع ، وصبر على الطرف الآخر ، ولكنه الصبر (الذي له حدود) ، كما يقولون ...
جوانب الدكتور مازن المبارك متعددة ، وهو في كل جانب يبدو ، وكأنه مختص به ، لا يكاد يجاوزه إلى غيره ؛
o فقد كان - وما يزال – معلمًا ناجحًا، له أسلوبه الخاص ، في التدريس والتعليم ، وإيصال الفكرة ، وتقديم المعلومات .
o وهو مؤلف ناجح ، يتقن التأليف الجامعي ، الذي يتوجه به كاتبه إلى القارئ المختص ، ليوصل إليه المعلومة ، ويختصر له الطريق .
o وهو باحث جاد ، وقد شغلته قضايا اللغة العربية في مراحلها المختلفة ، وركّز اهتمامه على التعليم الجامعي ، وكانت له مشاركة مهمة في تعليم اللغة العربية ، لغير الناطقين بها ...
o وهو مربٍّ مسؤول ، ومن هنا نجد في محاضراته ، ومحاوراته ، وبحوثه ، وتواليفه ملامح :
- الأب الذي يرعى أولاده .
- والعالم الحريص على إيصال المعلومة إلى أصحابها
- والمعلم الذي يحمل مسؤولية تواصل الأجيال .
- والمحنك المجرّب الذي عركته الأيام والليالي .
وإذا لخصنا منهجه في تعليمه ، وتأليفه ، ومحاضرته ، ومذاكرته ، قلنا :
إنه يسعى دائما للأخذ بأيدي طلابه ، ومريديه من شقّ طريق العلم إلى شق طريق الحياة.
يُتبع إن شاء الله