الفتوى (943) :
بارك الله في السائل الكريم، وبعد
فالشعر فنٌّ وموهبةٌ يهبُها الله من يشاء من الناس، إلا أن هذه الموهبة تظل كامنة مستترة في النفس، حتى يأتي خبير فيكشف عن تلك الموهبة الغطاء، ويجلو عنها الصدأ؛ قال ابن حسان بن ثابت لأبيه ذات يوم: "لَسَعَني طائرٌ"، فقال حسان: "صِفْه يا بُنيّ"، فقال: "كأنه مُلتَفٌّ في بُردَي حِبَرَة " [والحِبَرَة: ثوب من قطن أو كتّان مخطّط كان يُصنع باليمن] فقال حسان: "قال ابني الشعرَ وربِّ الكعبة" ، فجعل الصورة المجازية (وهي هنا: التشبيه) مقياسًا لقوة الطبع ومعيارًا في الفرق بين الذهن المستعد للشعر وغير المستعد له.
ففي البدء أيها السائل الكريم لابد أن تكون لديك تلك الموهبة أو الاستعداد الفطري لقول الشعر، فتشعر بالأشياء لا كما يشعر بها الإنسان العادي، ثم تعبر عن تلك المشاعر بكلام فيه من الفن والبلاغة والتصوير ما يجعله شعرًا أو قريبًا من الشعر.
إلا أنك أيها السائل الكريم لابد لك أن تصوغ هذا كله في وزن موسيقي حسبما يقتضيه علم العَروض والقافية، وذاك علمٌ لا يُدرك بالعين، ولا يُخطّ بالقلم، بل هو ضربٌ من الموسيقا، والموسيقا لا تُدرك إلا بالأذُن؛ لذا يجب أن تلزم شيخًا يفقه العروض فيقطّعُه على أذنك تقطيعًا موسيقيًّا حتى تألف أذنك أوزانه المتباينة، وقوافيه المتوافقة. ولست أنصحك أن تطالع كتب العروض وحدك فإنك إن فعلت ذلك –دون اللجوء إلى من يأخذ بيدك- كنتَ كمن يقرأ رموز الموسيقا على الورق ثم يذهب من فَورِه ليعزف ما قرأه، فهل تُراه يعزفُ إلا أصواتًا مبهمة مضطربة لا معنى لها؟!
وإني ناصحُك بنصيحة مشهورة لبعض القدماء عندما سأله بعض الشداة: كيف أنظم الشعر؟ فقال له: احفظ ألف بيت من الشعر. فغاب عنه مدة وحضر إليه، فقال: قد حفظتُها. فقال له: لا آذن لك إلا أن تنساها. فخلا بنفسه مدّة حتى نسيها. ثم حضر فقال: قد نسيتها حتى كأن لم أكن حفظتها قط. فقال له: الآن .. انظم الشِّعر!
وهذه الرواية تدلّك على أن نظم الشعر إنما يكون في البدءِ تقليدًا لمن سبقوك من الشعراء الكبار في الأوزان والمعاني، ومع كرّ الليالي تجد نفسك قد انسلخت عن التقليد، كما تنسلخ الفراشة عن اليرقة، فتحلّق في عالمك الشعري، ويصبح لك معجمك ومعانيك وأسلوبك الشعري الذي تُعرف به بين الناس.
اللجنة المعنية بالفتوى:
المجيب:
أ.د. محروس بُريّك
أستاذ النحو والصرف والعروض المشارك بكليتي
دار العلوم جامعة القاهرة، والآداب جامعة قطر
راجعه:
أ.د. محمد جمال صقر
(عضو المجمع)
رئيس اللجنة:
أ.د. عبد العزيز بن علي الحربي
(رئيس المجمع)