عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 10-21-2016 - 11:54 AM ]


•اللغة هي ركيزة الأمة ومنطلق حضارتها وبقدر احترام الأمة للغتها وتقديمها لها يكون قدر تقدمها وتمركزها بين الأمم، فهل ترون العربية قد نالت هذا القدر من الاحترام والتمكين في بلادها الآن، وما السياسات المنتظرة تجاه تعزيز هذه الركيزة.
هناك جهود مشكورة ومؤثرة تقوم بها بعض المؤسسات والهيئات الرسمية في العالم العربي من أجل النهوض بواقع اللغة العربية، وإعطائها حقها في أن تكون واحدة من أعلى اللغات مكانة إن لم تكن أعلاها في عصرنا الحديث، إلا أن هذه الجهود تشوبها بعض المنغصات، وبحسب ظني فإن أعظم هذه المنغصات هو غياب التنسيق بين هذه المؤسسات، وهو أمر في رأيي أيضا يصيب هذه الجهود في مقتل، فقد قدر الله لي أن أكون مستشارًا لعدد من هذه المؤسسات، وقد رأيت بأم عيني حرصًا شديدًا على هذه اللغة وفهمًا راقيًا لمشاكلها وطرق دعمها وتمكينها، والعجيب أن معظم العاملين في هذه المؤسسات يدركون مشكلة غياب التنسيق بين مؤسساتهم، ولكن شيئًا لم يحدث من أجل حل هذه المشكلة، ولا شك لدي في أن غياب المظلة العامة لجهود تمكين اللغة العربية وضعف جهود المظلات الحالية مثل منظمة العالم الإسلامي، أو جامعة الدول العربية له أثر كبير في تبعثر الجهود وقلة تأثيرها في واقع اللغة العربية؛ لذلك فإنني أدعو - وعبر هذا المنبر -منظمة العالم الإسلامي و جامعة الدول العربية إلى تكثيف جهودهم من أجل تشكيل مظلة تجمع الجهود جميعها وتنظمها وتؤطرها ضمن أطر مؤسسية مبرمجة، وبغير ذلك فإن هذه الجهود ستبقى مشتتة، وسيبقى أثرها سطحيًّا وبطيئًا.
•ترون بالتأكيد تغريبًا ولهثًا وراء كل ما هو أجنبي، وتوقير أبناء العروبة وشبابها للغات الأجنبي وشعورهم بالحياء عند النطق بالفصحى وأحيانًا بالازدراء، فما هي الأسباب الجوهرية التي أدت إلى ما نحن فيه، وهل ترون لذلك الإشكال حلًّا ناجعًا.
السبب الأول بحسب رأيي هو نحن، وأعني بذلك: المختصين، والمهتمين، والعاملين في مجال العربية بجميع أشكاله وفروعه، فالملاحظ أن الجهد المبذول من قبل هؤلاء لا يتعدى الاجتماعات ومؤتمرات التنظير في غالب الوقت، ولا نلحظ إنتاجًا ملموسًا لهم يساهم في حل المشكلات، بل على العكس من ذلك نرى المشكلات تتفاقم، ونرى وضع العربية في تراجع، دعني أعطيك مثالًا على ذلك برامج الأطفال في قنوات التلفزيون، قديمًا كانت برامج الأطفال جميعها باللغة العربية الفصيحة، وقد كان لهذه البرامج الأثر الكبير في تطويع أذهان وألسنة أولئك الأطفال للغة العربية، إلا أننا الآن نلحظ انتشارًا متسارعًا لبرامج الأطفال باللغات المحكية والدارجة، وهذا سيؤثر على المدى المتوسط على انسجام العرب مع لغتهم العربية الفصيحة، وربما بدأنا نشهد بعض هذه المظاهر في طلبة الجامعات العربية للسنوات الأخيرة، وربما نشهد تزايدًا للانفصام الحادث بين اللغة وأهلها في المستقبل القريب، فما الذي فعلته المجامع اللغوية كلها في العالم العربي، وما الذي فعلته مراكز خدمة اللغة العربية كلها في العالم العربي على أرض الواقع من أجل محاربة هذا الانفصام؟ مع أنني أعلم علم اليقين أن بعض هذه المراكز لديه من الميزانيات والمخصصات المالية ما لا تحلم به أية لغة أخرى في العالم بما فيها اللغة الإنجليزية التي تتربع على عرش اللغات في عصرنا الحالي، فلماذا إذًا نشهد هذه التراجع في وضع اللغة العربية؟
وهنا فإنني أدعو المؤسسات والهيئات المهتمة باللغة العربية إلى وقفة تقييمية تعيد فيها حساباتها، وتحدد أولوياتها، وتضع في الحسبان وضع خطط عملية للمشاكل التي تعيشها هذه اللغة العظيمة، وتنطلق في ذلك من أرض الواقع، وليس من مخيلات من يسمون بالخبراء أو المختصين، وتكون الخطط التنفيذية جميعها مبنية بشكل رئيس على نتائج الدراسات الميدانية التجريبية الواقعية، وليس على افتراضات ربما لا توجد إلا في أذهان مفترضيها.
ولا شك لدي أيضًا في أن للساسة والمخططين الدور الكبير في تراجع وضع اللغة العربية محليًّا وعالميًّا، ولذلك فإنني أتمنى أن ينشأ حوار بين المهتمين والمخططين من أجل توضيح الصورة، ووضع الإصبع على الجرح كما يقولون، بما يعود بالفائدة على اللغة العربية، وأهلها.

•كيف يمكن إحلال الفصحى في المناهج الدراسية واللغة الصحفية والعلمية محل اللغة المعاصرة التي صارت مشوبة بالألفاظ الأجنبية المعربة، والأخطاء الشائعة السقيمة، والعامية المبتذلة، وما الدور المنوط بالمتخصصين والمجامع اللغوية في تلك المهمة.
ربما أكون قد أجبت على هذا السؤال في معرض إجابتي على الأسئلة السابقة، ولكنني ألخص ما قلته سابقًا في النقاط الآتية:
1- حتمية البدء في التنسيق بين المؤسسات والهيئات المهتمة باللغة العربية الرسمية وغير الرسمية،
2- فتح قنوات حوار بين المختصين، والمهتمين من جهة، وبين المخططين والسياسيين من جهة أخرى،
3- التحول من ثقافة التنظير والفلسفة إلى ثقافة البحث والتحليل والاستنتاج، والانطلاق من الواقع في التعامل مع قضايا اللغة العربية.

•يتعاظم الإقبال على تعلم العربية كل يوم وتتباين المناهج والأطاريح المقدمة لتعليم اللغة للناطقين بغيرها ولا يخلو أحدها من انتقادات وسلبيات، فما هي اقتراحاتكم لتطوير مناهج العربية في هذا المجال وتطويرها. وهل يمكن الاستفادة من الدراسات اللسانية الحديثة واللغويات التطبيقية في هذا الحقل المتنامي.
أيضا ربما أكون قد أجبت على هذا السؤال في ثنايا إجاباتي السابقة، والذي يمكن تلخيصه في النقاط الآتية:
1- حتمية الاعتماد على علوم اللسانيات التطبيقية، والعلوم التربوية التطبيقية في التعامل مع تعليم العربية لغة ثانية،
2- إطلاق مرحلة تطوير الضوابط والمعايير، بما في ذلك معايير احتراف تعليم العربية الثانية، ومعايير اكتسابها، ومعايير تقييمها، ومعايير تصميم مناهجها، ومعايير تطوير محتوياتها التعليمية، وغيرها،
3- توحيد الجهود ونشرها وتعميمها، والعمل بروح الفريق،
4- المتابعة الاحترافية المهنية لكل نشاط يتعلق باللغة العربية لغة ثانية، أيًّا كان ذلك النشاط.

•نجد في اللغات الأخرى كالصينية والإنجليزية اختبارات لتحديد المستوى، وهذه الاختبارات معممة على مستوى العالم، ولابد من اجتيازها للحصول على فرصة دراسية أو وظيفية مناسبة، فهل نطمع في أن نجد اختبارًا معممًا للغة العربية على مستوًى دولي أيضًا.
لا أظن أننا في حاجة إلى اختبار عالمي لتحديد المستوى؛ ويعود ذلك إلى الاختلاف في طبيعة البرامج التعليمية المعتمدة في الجامعات والمؤسسات، إلا أننا في حاجة إلى اختبار عام لقياس الكفاية اللغوية، وهذا من الجهود التي أعلم أن عددًا من المؤسسات في العالم العربي تعمل عليه حاليًّا، وقد اشتركت في واحدة من تلك الجهود، وأنا الآن عضو في لجنة إعداد تصور لاختبار آخر، والذي أتمناه هنا هو نفسه ما دعوت إليه سابقًا، وهو اجتماع تلك الجهود جميعها تحت مظلة واحدة والعمل بروح الفريق الواحد من أجل الوصول إلى اختبار واحد تتبناه تحت مظلة مؤسسة عمومية تنتشر في أرجاء الوطن العربي، فإن نجحنا في هذه المهمة فأنا على يقين بأن هذا الاختبار سيعمم ليصبح دوليًّا.
•وأخيرًا كيف ترون مستقبل العربية في بلدانها وغير بلدانها،وماذا تتمنون للعربية وطلابها وبماذا تنصحون للنهوض بها والوصول بها إلى المقام الذي تستحقه من أهلها على مستوى الشعوب والحكومات والأفراد.
اللغة العربية شمعة تحترق من أجل أبنائها، وقلب أم انتزع من صدرها بأيدي أبنائها وما زال يدق خوفًا عليهم، إنها الأم الحانية لهذه الأمة، والأب الحريص عليها، المتفاني من أجلها، والعشيرة التي تحميها وتضمها إليها وقت الضيق، والهوية التي لن تقوم لها قائمة إلا بها، ولن تتجاوز هذه الأمة متاريس الذل والهوان إلا بها، وهي المستقبل المشرق، والواقع المؤلم، وبحزن شديد أقول بأنني لست أرى في سلوكنا حكومات، ومختصين، ومهتمين، وشعوبًا ما يدعو إلى التفاؤل، ولكنني أرى في وعد الله لنا بحفظ القرآن الكريم، وما لهذه اللغة من دور في حفظه ضمانًا بأن اللغة العربية وإن مرت بأوقات عصيبة فإنها ستتغلب عليها وستنهض دومًا وتعود أقوى مما كانت.
ونصيحتي لكل عربي وكل مسلم أن لا يلتفت إلى كل تلك التفاهات والدعوات التي تقلل من قيمة اللغة الفصيحة، وتجعل منها كائنًا فضائيًّا لا صلة له بعصرنا، فهذه دعوات إما حاقدة أو جاهلة، إما خبيثة أو مضلَّلة، إما منتفعة أو تابعة.
وقبل ذلك وبعده فإنني أدعو الشعوب العربية إلى إنشاء مزيد من جمعيات اللغة العربية، شبيهة بجمعيات تحفيظ القرآن الكريم، ووضع البرامج التي تساهم في نشر الوعي اللغوي لدى هذه الشعوب، ونشر اللغة نفسها بين أبنائها، بطرق وأساليب عصرية جاذبة.
وختامًا، أرجو أن تسمح لي مرة أخرى بتوجيه الشكر لمجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية لما يبذله من جهود في سبيل علو شأن لغة القرآن الكريم، وتمكينها، وتوجيه الشكر للقائمين عليه رئيسًا وإدارة وأعضاء، وتوجيه الشكر لك أيضًا على إجراء هذه المقابلة، وعلى تشريفي بأن أكون شخصية هذا العدد، سائلًا الله تعالى أن يوفقنا جميعًا إلى ما فيه خير هذه اللغة وخير هذه الأمة، والله من وراء القصد.

رد مع اقتباس