عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي هل (مَا) المصدريةُ حرفيَّةٌ أو اسْمِيَّةٌ؟

كُتب : [ 10-16-2016 - 11:00 AM ]


هل (مَا) المصدريةُ حرفيَّةٌ أو اسْمِيَّةٌ؟
د.مصطفى شعبان
للنحاة في (ما) المصدرية مذهبان سائدان :
المذهب الأول : مذهب سيبويه والجمهور : أنها حرف موصول كـ (أَنْ) إلا أنها لا تعمل عملها وليست اسمًا ، ومن ثمَّ فلا تفتقر إلى ضمير ، فإذا قلت : (أعْجَبَنِي مَا صَنَعْتَ) ، فيقدرونها : أعجبني صنعُكَ(1 ).
والمذهب الثاني : مذهب الأخفش – المنسوب إليه – أنها اسم موصول فتحتاج إلى عائد ، والتقدير عنده في (أعجبني ما صنعتَ) أي : ما صنعته،ثم حذف الضمير الذي في الصلة،فالهاء تعود على (ما) ، والتقدير : الصنع الذي صنعته(2 ) ، وهو مذهب المازني(3 ) ، وابن السراج(4 ) ، والسهيلي(5 ).
وحُجَّة المذهب الأول : أنه لا يعود إليها ضمير،ولو كانت اسمًا لاحتاجت إلى ضمير( 6).
واحتج الآخرون بأنها موصولة غير عاملة ، فكانت اسمًا كأمثالها من الموصولات(7 ).
والذي يوجب عند هؤلاء أن (ما) اسم وليست حرفًا كـ (أنْ) أنها لو كانت كـ (أَنْ) لعملت في الفعل كما عملت (أن)؛ لأنا وجدنا جميع الحروف التي تدخل على الأفعال ولا تدخل على الأسماء تعمل في الأفعال فلما لم نجدها عاملة حكمنا بأنها اسم(8 ) .
ويبدو للبحث أن أصحاب المذهب الأول لحظوا في (ما) جانبين جانب: (أَنْ) فحملوها عليها في أنها تدخل على الفعل فتنسبك معه مصدرًا ، ولحظوا جانب :(ما) الموصولة غير المصدرية نحو: أعْجَبَنِي ما في الدَّارِ ، ورأيتُ مَا فَوقَ البَيْتِ ، فحملوها عليها في الاسمية .
وقد نقل الفارسي كلام المبرد الذي صوَّب فيه قول سيبويه وطعن على قول الأخفش واتهمه بالتخليط؛ إذ لم يَجُزْ: أعجبني ما قمتَ؛لأنه لا يتعدى ( 9) ثم أورد – أي الفارسي – ما يدل من كلام سيبويه على ما ذكره المبرد من أن (ما) هذه حرف فقال : «قوله – أي سيبويه – في (أنْ) وتقول: ائْتِنِي بعدمَا تقولُ ذاكَ القولَ، كأنك قلت : ائتني بعد قولك ذاك القول .. » قال أبو علي: «فاستدل على أن (ما) هذه غير كافية بقولهم : ائتني من بعدما تقول ذاك ، فقال : لو كانت (بعد) مع (ما) بمنزلة كلمة واحدة لم يقل : ائتني من بعد ما تقول ذاك القول ، و لكانت الدال على حالة واحدة»( 10).
ثم قال أبو علي : «والقول عندي فيها أنها مع ما بعدها من الفعل بتأويل المصدر، وأنه حرف ليس باسم ؛ لأني وجدت صلته في مواضع لا يجوز أن يعود منها إليه شيء ، فمن ذلك قوله تعالى : (ومما رزقناهم ينفقون)(11) .
ثم شرع في الاستدلال على أن (ما) حرف بـ «أنها لا تخلو من أن تكون حرفًا أو اسمًا ، فإن كان اسمًا وجب أن يعود إليه من صلته ذكر،كما يعود من سائر الصلات إذا كانت موصولاتها أسماءً ذِكْرٌ إليها،ولا يخلو الذكر العائد من الصلة أن يكون أحد ما في الصلة من الأسماء الملفوظ بها أو تكون هاء مقدرًا حذفها منها ، فلا يجوز أن يكون شيء من الأسماء الظاهرة في الصلة عائدًا إليه ، وامتناعه من الجواز بيِّن، ولا يجوز أيضًا أن يرجع إليه هاء محذوفة من الصلة ، على أن يكون التقدير : ومما رزقناهموه، مثل: ومن الذي رزقناهموه ؛ لأنك إن قدَّرته هذا التقدير عدَّيت (رزقْتُ) إلى مفعولين إنما يتعدى إلى مفعول واحد ، مثل : أكلْتُ ، وشَرِبْتُ ، ولو عدَّيته إلى ثانٍ لنقلت الفعل بالهمز كما ينقل سائر ما يتعدى إلى مفعول إذا أردت تعديته إلى مفعولين ، فمن حيث لم يجز أن يتعدى (رزقت) إلى مفعولين لم يجز تقدير هذا الضمير، فلما لم يجز تقدير هذا الضمير لم يُعد إلى (ما) شيء وإذا لم يُعد إليه شيء لم يكن اسمًا ، وإذا ثبت أنه ليس باسم ثبت أنه حرف، وإذا كان حرفًا لم يحتج إلى العائد كما لا يحتاج إليه (أن)،فتقدير(ومما رزقناهم ينفقون): ومن رزقهم فينفقون ، وهذا أحد الدلائل البينة أن (ما) هذه حرف ليس باسم»( 12).
وذكر أيضًا في معرض الاستدلال أنه «إذا أردت بـ (ما) في هذا الموضع الذي هي فيه مع ما بعدها بمنزلة المصدر لا يجوز أن تقدر في صلته عائدًا إليه تعرِّي صلته من العائد إليه ، ولو كان اسمًا موصولًا (كالذي) وما أشبهه لما جاز أن تعرِّي الصلة في موضع من المواضع من العائد ، ألا ترى : أنَّ (ما) التي بمعنى (الذي) و (من) والذي لا تُعرَّى صلاتهن في كل موضع مما يرجع منهن إليهن، إلا ما جاء من قولهم : أنا الذي فعلتُ ، وأنت الذي فعلت ، وهذا شيء يختص كلام المخاطبين ولم يجئ في غيره .
قال أبو عثمان : ولولا أنه مسموعٌ من العرب لرددناه لفساده ، ولم تخل صلة (ما) التي بمعنى المصدر من العائد في موضع المخاطبة،فيجوز لقائل أن يقول : إنه كـ (الذي) لكن خلت صلتها من العائد، والفعل لغير المخاطب ، والضمير لغيره أيضًا ، وذلك في قوله : (ومما رزقناهم ينفقون) ، وفي قوله:(بما كانوا يكذبون)،فقد ثبت بما قلنا أنَّ (ما) هذه حرف لا يعود من صلتها إليها شيء»(13).
وقد اعتمد على مسلك الفارسي في التعليل والاستدلال على حرفية (ما) المصدرية هنا كلٌّ من ابن الشجري(14 )، وابن يعيش( 15)، والرضي( 16)، والمالقي(17 )، وأكثر النحاة يؤيدون مذهب سيبويه بلا خلاف يعرف بينهم في ذلك (18 ).
ومما أُورِد على الأخفش ويُبطل قوله قولهم : عجبتُ مما ضحِكتَ ومما نام زيدٌ ، فنجد (ضَحِكَ) و(نَامَ) خاليين من ضمير عائد على (ما) ظاهر ومقدر ، ونجد أبدًا عائدًا إلى (ما) الخبرية ظاهرًا في نحو: عجبتُ مما أخذتَهُ، ومما جَلَبَهُ زيدٌ ، ومقدَّرًا في نحو :(فكلوا مما رزقكم الله)( 19).
ويُردُّ على احتجاج مؤيدي قول الأخفش في قولهم : «إنها موصولة غير عاملة، فكانت اسمًا كأمثالها من الموصولات» بأن الاسمية لا تثبت من حيث كانت موصولة غير عاملة، فإن ذلك ليس من حدِّ الأسماء ولا علاماتها ؛ لأن كونها موصولة يخرجها عن حكم الأسماء؛ إذ من حكم الأسماء التمام، وكونها لا تعم حكم أكثر الحروف فعلم أن الاسمية تثبت بدليل غير هذا(20 ).
أضف إلى ذلك أن قول الأخفش إن (ما) المصدرية اسمية ويعود عليها من صلتها ضمير المصدر فيه تكلُّفٌ لا ضرورة تدعو إليه،وإن كان يمكن أن يقال به إن كان ضمير المصدر بارزًا( 21) .
وبتتبع كلام الأخفش بخصوص هذه القضية في معانيه ألفيت له ما يوافق فيه قول سيبويه والجمهور ويخالف ما نسب إليه ، ومنه :
قوله في قوله تعالى : (فاصدع بما تؤمر)(22 ) : «وليس هذا في معنى فاصدع بالذي تؤمر به، لو كان هذا المعنى لم يكن كلامًا حتى يجيء بـ (به) ، ولكن(اصدع بالأمر) جعل (ما تؤمر) اسمًا واحدًا ».
وذكر مثل ذلك في قوله :(بما عصوا)( 23)، وقوله :(بما كذبوا)(24 )، وقوله:(بما أوحينا إليك)( 25)، وقوله: (رب بما أغويتني)( 26)، وقوله:(لما تصف ألسنتكم الكذب)(27 ) ، بينما ذهب في قوله: (عزيز عليه ما عنتم)( 28) إلى أن (ما) هنا اسم ، و (عَنِتُّمْ) صلته، ولعل هذا ما دفع المبرد إلى رمي الأخفش بالتخليط ، وهو اتهام لا يسلم لاحتمال تغير المذهب ، وعلى كُلٍّ فالبحث لا يجد مانعًا من تسويغ المذهبين مذهب سيبويه القائل بأن (ما) في نحو (أعجبني ما صنعت) حرف إذا غَلَّبْنَا جانب الشبه الحرفي في (ما) بـ (أن)،ومذهب الأخفش – في أحد قوليه – القائل بأنها اسم ، إذا غلبنا جانب الشبه الاسمي في (ما) المصدرية بـ (ما) الموصولة غير المصدرية .

------------------------------
(1 ) الكتاب 1/367،410 ، المقتضب 3/200 ، البغداديات 271 .
(2 ) المقتضب 3/200 ، الأصول 1/161 ، البغداديات 271 .
(3 ) همع الهوامع 1/281 ، وفي شرح الكافية للرضي: الرماني 3/52 .
(4 ) الأصول 1/161 .
(5 ) نتائج الفكر 186 ، ونسب الرضي والسيوطي إلى المبرد مثل قول الأخفش وهو وهم بيِّن.
(6 ) اللباب في علل البناء والإعراب 2/126 .
(7 ) المصدر السابق .
(8 ) الأصول 1/161 .
(9 ) المقتضب 3/200 .
(10 ) المسائل البغداديات 272 .
(11 ) [سورة البقرة: 3]، وانظر: البغداديات 3/272 .
(12 ) المسائل البغداديات 272-273 .
(13 ) المسائل البغداديات 274-275 .
(14 ) أمالي ابن الشجري 2/558 .
(15 ) شرح المفصل 8/142-143 .
(16 ) شرح الكافية 3/52 .
(17 ) رصف المباني 315 .
(18 ) انظر: التسهيل 38 ، التذييل والتكميل 3/154 ، ارتشاف الضـرب 2/993 ، توضيح المقاصد 1/418 ، الجنى الداني 332 ، مغني اللبيب 6/160 ، المساعد 1/173 ، شرح ابن عقيل 1/149 ، شفاء العليل في إيضاح التسهيل للسلسيلي(ت770هـ) 1/243 ، همع الهوامع 1/281 ، دراسات لأسلوب القرآن للشيخ الأستاذ محمد عبد الخالق عضيمة-3/22 .
(19 ) [سورة النحل:114] ، وانظر: أمالي ابن الشجري 2/558-559 .
(20 ) اللباب في علل البناء والإعراب 2/126-127 .
( 21) رصف المباني 315 .
(22 ) معاني الأخفش 1/43 ، [سورة الحجر: 94] .
(23 ) المصدر السابق 1/108 ، [سورة البقرة: 61].
( 24) المصدر السابق 1/334 ، [سورة الأعراف: 101].
(25 ) المصدر السابق 1/393 ، [سورة يوسف: 3].
( 26) المصدر السابق 2/412 ، [سورة الحجر: 39].
(27 ) المصدر السابق 2/419 ، [سورة النحل: 116].
(28 ) المصدر السابق 1/368 ، [سورة براءة: 128].



التعديل الأخير تم بواسطة شمس ; 10-20-2016 الساعة 08:50 PM
رد مع اقتباس