عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 10-15-2016 - 10:26 AM ]


وأمر كل قارئ أن يقرئ الناس وفق مصحفه، فقرأ أهل كل مصرٍ مصحفهم الذي وُجِّهَ إليهم على ما كانوا يقرؤون قبل وصول مصحفهم إليهم مما يوافق خط المصحف، وسقط العمل بما يخالف خط المصحف، ومن ثَمَّ نشأ الاختلاف بين قراء الأمصار في قراءة بعض الحروف بناءً على كتابتها في المصحف أو لا.

وأقول: إن القراءات العشر التي يقرأ بها الناس اليوم إنما هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووافق خط المصحف، وهي متفرقة في القرآن في كل قراءة، ولا تجمعها رواية ولا قراءة واحدة، فإذا قرأ القارئ برواية من الروايات فإنما قرأ ببعضها لا بكلها، وهي منزلة من عند الله - تعالى، لا اجتهاد فيها لجبريل - عليه السلام - أو النبي صلى الله عليه وسلم، وليس لأحد من العلماء بعده أن يغير شيئًا بزيادة أو نقصان أو إبدال؛ قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فيما رواه أحمد وابن حبان والحاكم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تقرؤوا كما عُلِّمْتُم.

وفي هذه المرحلة تم ضبط القراءات، وظهرت مصطلحات ضبط المصحف الشريف، وذلك على مراحل، أهمها:
• وضع نقاط الإعراب: فبعد أن كثرت الفتوحات الإسلامية، ودخل كثير من الأعاجم في الإسلام، واختلط اللسان العربي بالعجمي، وفشا اللحن على الألسنة - قام أبو الأسود الدؤلي بتنقيط المصحف نقاط الإعراب، فوضع نقطة فوق الحرف لتدل على الفتح، ونقطة أمام الحرف لتدل على الضم، ونقطة تحت الحرف لتدل على الكسر، ونقطتين لتدلا على التنوين، وذلك بمداد يخالف لونُه لونَ مداد المصحف.

• وضع نقاط الإعجام: لما صعب على كثير من المسلمين التمييز بين الحروف المتشابهة، طلب الحَجَّاج بن يوسف من نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر أن يعملا على إبعاد التحريف عن ساحة القرآن، فوضعا نقاط الإعجام لتمييز الحروف المتشابهة رسمًا من بعضها بلون مداد المصحف؛ فالباء نقطة واحدة تحت، والتاء بالمثناة الفوقية، والثاء بالمثلثة الفوقية، وهكذا.

• طوَّر الخليل بن أحمد الفراهيدي نقاط الإعراب إلى حركات الإعراب؛ فجعل الضمة واوًا صغيرة فوق الحرف، والفتحة ألفًا صغيرة مبطوحة فوق الحرف، والكسرة ألفًا مبطوحة تحت الحرف، والتنوين حركتين، والشَّدَّة رأس شين، والسكون رأس خاء، وهكذا تنامى علم مصطلحات ضبط المصحف حتى وصل إلى ما هو عليه الآن، مع فَرْق بين المشارقة والمغاربة في علامات الضبط.

وقد تجرَّد قوم للقراءة والإقراء، واعتنَوْا بضبط القراءة حتى صاروا أئمة يُقتدى بهم في القراءة، وكانوا كثيرًا في العدد، كثيرًا في الاختلاف، فأراد الناس أن يقتصروا من القراءات التي توافق خط المصحف على ما يسهل حفظه، وتنضبط القراءة به، فنظروا إلى كل إمام مشهور بالثقة والأمانة وحسن الدين وكمال العلم، قد طال عمره، واشتهر أمره بالثقة، وقد أجمع أهل بلدهم على تلقي القراءة منهم بالقبول، ولتصديهم للقراءة نُسبت إليهم، ومنهم في المدينة: أبو جعفر بن القعقاع، ثم شيبة بن نصاح، ثم نافع بن أبي نعيم، وفي مكة: عبدالله بن كثير، وحميد بن قيس الأعرج، ومحمد بن محيصن، وفي الشام: عبدالله بن عامر، ثم يحيى بن الحارث الذماري، وإبراهيم بن أبي عبلة، ثم شريح بن يزيد الحضرمي، وفي الكوفة: يحيى بن وثاب، وعاصم بن أبي النَّجُود، وسليمان بن مهران الأعمش، ثم حمزة الزيات، ثم الكسائي، وفي البصرة: عبدالله بن أبي إسحاق، وعيسى بن عمر، وأبو عمرو بن العلاء، ثم عاصم الجحدري، ثم يعقوب الحضرمي.

وهؤلاء قُلٌّ من كثر، ونزر من بحر؛ فإن القراء الذين أخذوا عن التابعين كانوا أممًا لا تحصى، وطوائف لا تستقصى، والذين أخذوا عنهم أيضًا أكثر، وهلم جرًّا، وفي هذه الفترة بُدِئَ التأليف في علم القراءات؛ حيث إن أول من ألف في علم القراءات هو يحيى بن يعمر (ت90هـ).

وذهب الكثير من العلماء إلى أن أول من ألف فيها هو الإمام/ أبو عُبيدٍ القاسم بن سلام (ت224هـ)، ثم أبو حاتم السجستاني (ت225هـ)، وبعده أحمد بن جبير بن محمد الكوفي جمع كتابًا في القراءات الخمسة (ت258هـ)، ثم إسماعيل بن إسحاق المكي صاحب قالون ألَّف كتابًا في القراءات جمع فيه قراءة عشرين إمامًا (ت282هـ)، ثم ابن جرير الطبري (ت310هـ)، وفي هذا الوقت كان قد اشتهر القراء الذين نُسبت إليهم القراءة نسبة مداومة وملازمة واشتهار، لا اختراع ورأي واجتهاد.

ثالثًا: مرحلة تسبيع السبعة وجمعها في مؤلف خاص:
حيث ألف الإمام أبو بكر أحمد بن مجاهد التميمي البغدادي (ت324هـ) كتابه المشهور: "السبعة في القراءات"، جمع فيه القراءات الصحيحة، وهذا الكتاب يعتبر ثمرة التأليف في القراءات، ونقلة نوعية بعد نسخ عثمان - رضي الله عنه - للمصاحف؛ حيث يعتبر قد جمع أشهر ما صح من قراءات قراء الأمصار وفق مصاحف الأمصار.

واشتهر هذا الكتاب، وصار عمدة لمن بعده، واستقرت في هذه المرحلة أركان القراءة الصحيحة، ووضح الفرق بين القراءة الصحيحة والقراءة الشاذة وفق قواعد وأركان للقراءة الصحيحة، وهي:
1 - التواتر.
2 - موافقة القراءة للرسم العثماني، ولو احتمالاً.
3 - موافقة القراءة لوجه من وجوه النحو، فصيحًا كان أو أفصح.

واختار ابن مجاهد في كتابه سبعة من القراء المشهورين، واختار لكل قارئ راويين، إليك أسماءهم:
1 - نافع بن عبدالرحمن بن أبي نعيم، أبو عبدالرحمن الليثي، مولاهم، المدني (ت: 169هـ)، وراوياه: قالون وورش، فأما قالون فهو عيسى بن مينا بن وردان بن عيسى الزرقي أبو موسى (ت: 220هـ)، ووَرْش هو عثمان بن سعيد بن عبدالله، أبو سعيدٍ المصري (ت: 197هـ).

2 - عبدالله بن كثير، أبو سعيد المكي الداري العطار (ت: 120هـ)، وراوياه البزِّي وقُنْبُل، فأما البزي فهو أحمد بن محمد بن عبدالله بن القاسم بن نافع بن أبي بزة (ت: 250هـ)، روى عن ابن كثير بواسطة عكرمة بن سليمان، عن إسماعيل بن عبدالله بن قسطنطين - المعروف بالقسط - عن ابن كثير، وقُنْبُل هو محمد بن عبدالرحمن بن خالد المخزومي، مولاهم، أبو عمر (ت: 291هـ)، روى عن ابن كثير بواسطة، عن أبي الحسن أحمد بن عون القواس، عن وهب بن واضح، عن إسماعيل بن عبدالله القسط، عن ابن كثير.

3 - زبان بن العلاء بن العريان التميمي المازني البصري، أبو عمر (ت: 154هـ)، وراوياه الدُّوري والسُّوسي، فأما الدوريُّ فهو حفص بن عمر بن عبدالعزيز، أبو عمر الدُّوري النَّحْوي (ت: 240هـ)، والسوسي هو صالح بن زياد بن عبدالله الرستبي، أبو شعيب السوسي الرَّقي (ت: 261هـ)، ورويا عن يحيى بن المبارك اليزيدي، عن أبي عمرو البصري.

4 - عبدالله بن عامر الشامي، أبو عمران (ت: 118هـ)، وراوياه هشام وابن ذَكْوان، فأما هشام فهو ابن عمار بن نصر بن ميسرة، أبو الوليد السلمي الدمشقي (ت: 245هـ)، روى عن ابن عامر بواسطة عراك بن خالد المري، عن يحيى بن الحارث الذماري، عن ابن عامر، وأما ابن ذَكْوان فهو عبدالله بن بشير بن ذكوان (ت: 242هـ) بدمشق، روى عن ابن عامر بواسطة أيوب بن تميم التميمي، عن يحيى بن الحارث الذماري، عن ابن عامر.

5 - عاصم بن أبي النَّجود الأسدي الكوفي الحناط، أبو بكر (ت: 127هـ)، وراوياه شعبة وحفص، فأما شعبة فهو أبو بكر شعبة بن عياش بن سالم الكوفي الأسدي الحناط (ت: 193هـ)، وحفص هو ابن سليمان بن المغيرة، أبو عمر الأسدي الكوفي الغاضري البزار (ت: 180هـ).

6 - حمزة بن حبيب بن عمارة الزيات الكوفي، أبو عمارة (ت: 156هـ)، وراوياه خلف وخلاد، فأما خلف فهو ابن هشام بن ثعلب البزار، أبو محمد الأسدي البغدادي (ت: 229هـ) ببغداد، وأما خلاد فهو ابن خالد، أبو عيسى الشيباني، مولاهم، الصيرفي الكوفي (ت: 220هـ)، روَيا عن حمزة بواسطة؛ فقد قرأ على سُلَيْم بن عيسى عن حمزة الزيات.

7 - علي بن حمزة بن عبدالله بن بهمن بن فيروز الأسدي، أبو الحسن الكسائي (ت: 189هـ)، وراوياه أبو الحارث الليث بن خالد البغدادي (ت: 240هـ)، وحفص بن عمر بن عبدالعزيز، أبو عمر الدوري (ت: 240هـ)، وهو راوي أبي عمرو البصري.

وهناك من الرواة من أخذ عن القارئ مباشرة، ومنهم من أخذ عنه بواسطة كما رأينا، وهنا قد يقول قائل: وما المقصود بطرق حفص بن سليمان؟ ولماذا اختلفت الروايات بين الرواة مع أنهم أخذوا عن قارئ واحد؟!

أقول: اعلم - أيها السائل الحبيب - أن هناك فرقًا بين القراءة والرواية والطريق؛ فالقراءة هي كل خلاف نُسب لإمام من أئمة القراءة العشرة مما أجمع عليه الرواة عنه؛ فالقرَّاء العشرة هم: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي - هؤلاء السبعة من الشاطبية، وأبو جعفر، ويعقوب الحضرمي، وخلف البغدادي العاشر، وهؤلاء الثلاثة من الدُّرة، وقد جمع الإمام ابن الجزري - رحمه الله - العشرة في طيبته، فنقول - مثلاً -: قراءة عاصم، وقراءة نافع، وقراءة ابن كثير، وقراءة أبي جعفر، وهكذا، ولكن عندما نقول: قراءة، فشرط أن يكون الراويان قد اتفقا مع بعضهما في نفس هذه القراءة، ومثال ذلك ما قاله الشاطبي - رحمه الله - في الحرز: "ومالك يوم الدين راويه ناصر"، والمعنى أنه قرأ كلمة "مالك" التي في سورة الفاتحة بإثبات الألف بعد الميم الكسائي - راء راويه - وعاصم - نون ناصر - فنقول: قراءة الكسائي، لماذا؟ لأن راويا الكسائي - وهما أبو الحارث والدوري - اتفقا في قراءة هذه الكلمة بإثبات الألف بعد الميم، أما لو اختلف راوٍ في قراءة كلمة "مالك" فلا نقول قراءة حينئذ، بل نقول: رواية، وأوضِّح ذلك بهذا المثال: كلمة "مجراها" التي في سورة هود، قرأها حفص بالإمالة الكبرى - كما هو معلوم - وقرأها شعبة بضم الميم وفتح الراء، فهنا - في هذه الكلمة - لا نقول: قراءة عاصم؛ لأن الراويينِ اختلفا، بل نقول: رواية حفص، ورواية شعبة.

أما لماذا اختلفت الروايات بين الرواة مع أنهم أخذوا عن نفس القارئ؟ فالجواب: أن كل واحد من الأئمة قرأ على جماعة بقراءات مختلفة، ونقل ذلك على ما قرأ، فمن قرأ عليه بأي حرف لم يرده إذا كان مما قرأ به على أئمته؛ قال نافع: "قرأت على سبعين من التابعين، فما اتفق عليه اثنان أخذتُه، وما شذ فيه واحد تركته"، فمن قرأ عليه بما اتفق عليه اثنان من أئمته لم ينكر عليه، فهذا قالون ربيبه وأخص الناس به، وورش أشهر الرواة عنه، اختلفا في أكثرَ من ثلاثة آلاف حرف من قطع وهمز وإدغام وشبهه، ولم يوافق أحد من الرواة عن نافع رواية ورش عنه، وإنما ذلك لأن ورشًا قرأ عليه بما تعلمه في بلده، فوافق ما قرأ به نافع على بعض أئمته، فأقره عليه، وقال حفص: قلت لعاصم: أبو بكر يخالفني، فقال: أقرأتك بما أقرأني أبو عبدالرحمن السلمي عن عليِّ بن أبي طالب، وأقرأته بما أقرأني زر بن حبيش عن عبدالله بن مسعود، وهكذا، فالمهم أن القراءة هي كل خلاف نسب للأئمة العشرة.

وبعد وفاة القراء حلَّ مكانهم تلاميذهم، وأخذوا يُقرئون الناس القرآن، وسُمِّيَ الآخذ عن الراوي طريقًا، فالطريق: هو كل ما أخذ عن الراوي وإن سَفُل، مثل طريق عبيد بن الصباح، وطريق الهاشمي، وطريق التيسير عن حفص، ومثل طريق الأزرق عن ورش، وبهذا يتضح الفرق بين القراءة والرواية والطريق؛ فالقراءة هي خلاف نسب لإمام من أئمة القراءة العشرة مما أجمع عليه الرواة عنه، والرواية هي كل ما نُسِب للراوي عن الإمام، وكل راوٍ من الرواة له طرق رواها أصحابه عنه.
• • •

رد مع اقتباس