وإن من أجلِّ العلوم وأشرفها تلاوة القرآن الكريم، وتعلم أحكامه من أفواه العلماء المتقنين.. فصفة التلاوة متلقاة من الله - تعالى؛ ولذلك قال السلف: القراءة سنَّة متبعة، يأخذها الآخِر عن الأول...
فأول ما يبدأ به طالب العلم: حفظ القرآن، وتعلم أحكام التلاوة والتجويد؛ فلقد كان السلف الصالح - رحمهم الله تعالى - لا يرضون لطالب العلم أن يبدأ في طلب الحديث والعلوم إلا بعد أن يتقن القرآن الكريم.. قال الوليد بن مسلم: كنا إذا جالسنا الأوزاعي فرأى فينا حدَثًا، قال: يا غلام، قرأتَ القرآن؟ فإن قال: نعم، قال: اقرأ: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ﴾ [النساء: 11]، وإن قال: لا، قال: اذهب تعلَّم القرآن قبل أن تطلب العلم...
فإذا حصل طالب العلم على الإجازة برواية حفص بن سليمان من طريق الشاطبية، انتقل بعدها لغيرها من العلوم الشرعية، ويبدأ بعدها ينهل من علم القراءات، فيبدأ بدراسة مقدمة في علم القراءات ونشأتها ومؤلفاتها.. ثم يتعرف على طرق الطيبة لرواية حفص، كل طريق على حدة، والفرق بينها وبين الشاطبية.. ويعرف متى يمكنه القراءة بقصر المنفصل وتوسط المتصل، ومتى يقرأ بالسكت الخاص أو العام، أو بغنة النون عند اللام أو الراء، ومتى يكبِّر بين السورتين التكبير الخاص أو العام.. ومن أجل ذلك أعددت هذه الرسالة، التي أسأل الله -تعالى- أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يكتب لها القَبول عند عباده الصالحين؛ إن ربي على كل شيء قدير.
فإذا أتقن الطالب هذه الرواية، انتقل بعدها لتعلم غيرها من الروايات؛ ممتثلاً قول الله -تعالى-: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ [فاطر: 29، 30]، وقولَه صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عند الترمذي: ((من قرأ حرفًا من كتاب الله، فله به حسنة، والحسنة بعَشْر أمثالها، لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألِفٌ حرف، ولام حرف، وميم حرف".
جعلني الله وإياكم من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته...
في نشأة القراءات:
قبل أن أبدأ بشرح طرق الطيبة، أقدم بمقدمة مختصرة، أوضِّح فيها علم القراءات منذ نشأته حتى نضوجه واستقراره، وأُجْمِلُ ذلك في خمس مراحل كما فعل شيخنا فضيلة الشيخ: توفيق ضمرة - حفظه الله.
أولاً: مرحلة الرواية الشفوية.
وذلك من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى سنة: 25 هـ؛ إذ كان القرآن محفوظًا في الصدور، مكتوبًا في الوسائل المعروفة في ذلك الوقت، كما في التفصيل التالي:
نزول القرآن على سبعة أحرف:
نزل القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم في الفترة المكية على حرف واحد؛ لأن الدعوة الإسلامية كانت محصورة في مكة، وعدد المسلمين قليل.. وبعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ودخول القبائل العربية - التي كانت تختلف في لهجاتها - في دين الله أفواجًا، طلب النبي صلى الله عليه وسلم من الله -تعالى- أن يخفف على أمته؛ فأنزل الله -تعالى- القرآن على سبعة أحرف؛ كما جاء في حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - عند البخاري ومسلم وأحمد وعبدالرزاق: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أقرأني جبريل على حرف، فراجَعته، فلم أزل أستزيده ويَزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف))؛ مما سهَّل تلاوة القرآن وفهمَه، لا سيما في القبائل التي لها لهجة مختلفة، وفيها الشيخ العجوز والمرأة والضعيف، الذين أَلِفَ لسانُهم لهجتَهم، ولا يستطيعون الرحلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للاستماع منه.
وقد روى الترمذي وأحمد من حديث أبي بن كعب - رضي الله عنه -: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يا جبريل، إني بُعثت إلى أمة أميين، منهم العجوز، والشيخ الكبير، والغلام، والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتابًا قط، قال: يا محمد، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف))، وللحديث شاهد عند الطيالسي في المسند برقم: 543.
هذا، وقد أقرأ النبي صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام وفق هذه الأحرف السبعة، وقد لاحظوا - رضي الله عنهم - الاختلاف بينها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وصوَّب النبي صلى الله عليه وسلم قراءتَهم على اختلافها، وأمَر كل واحد منهم أن يقرأ كما عُلِّمَ، وقصة عمر مع هشام بن حكيم - رضي الله عنهما - مشهورة معروفة، وقد رواها البخاري ومسلم ومالك وأحمد والترمذي والنسائي وأبو داود وعبدالرزاق.
معنى الأحرف السبعة:
المراد بالسبعة حقيقة العدد، وهو ما بين الستة والثمانية؛ لِما ورد في حديث أُبَي بن كعب - رضي الله عنه - الذي رواه أحمد في مسند الأنصار رقم: 20223.
والمراد بالأحرف: اللغات أو اللهجات التي نزل بها القرآن؛ فالعرب وإن جمعها جميعًا اسم عرب، فهم مختلفو الألسن بالبيان، متباينو المنطق والكلام، فإن قيل: فلهجات العرب أكثر من سبع، قلت: هي أفصحُها، وهو قول علي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن مسعود، وأنس بن مالك، وسفيان بن عيينة، والأعمش، وأبي عبيدٍ القاسم بن سلام، وابن جَرير الطبري، وأبي شامة، والقرطبي، وابن الجوزي، وغيرهم.
ما المقصود بلغات العرب؟!
المقصود أن تقرأ كل قبيلة من العرب بلغتهم وما جرى على عادتهم؛ من الإدغام، والإظهار، والفتح، والإمالة، والتفخيم، والترقيق، والإشمام، والهمز، والتليين، وغير ذلك، ولكن بشرط في غاية الأهمية، ألا وهو: التوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم، لا بما شاء القارئ أن يقرأ مما يوافق لغته من غير توقيف.
ومن خلال النظر في اختلاف القراءات وُجِدَ أنه زيادة على اختلاف اللهجات العربية، هناك الذِّكر والحذف، والتقديم والتأخير، فذهب بعض العلماء إلى أن معنى الأحرف السبعة هو الأوجه اللفظية التي نزل بها القرآن، وذلك من خلال استقراء أنواع الاختلاف الموجودة في القراءات، وهو قول ابن قتيبة، وأبي الفضل الرازي، والزركشي، وابن الجزري، وغيرهم، مع اختلاف يسير بينهم.
والخلاصة: أن الأحرف السبعة لها حقيقة العدد، وأنها موجودة إلى الآن ولم تُنسخ - وهذا القول على الغالب، وإلا فقد نُسِخَ جزءٌ من الأحرف السبعة في العرضة الأخيرة، ثم نسخ منها ما خالف خط المصاحف العثمانية، ثم شُذِّذَ منها ما فقَدَ أركان القراءة الصحيحة - وأنها نزلت بلهجات العرب المختلفة، وأن هذا الاختلاف في اللهجات هو في طريقة نطق الكلمات، وأنَّا عرفنا هذه الأحرف من خلال آثارها الباقية في القراءات العشر، ودخل في هذا الذِّكر والحذف، والتقديم والتأخير، وهنا سؤال مُلِحٌّ يطرح نفسه: هل القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان أم هما شيء واحد؟!
أقول: إذا عنَيْنا القراءات العشر، فالقرآن والقراءات شيء واحد؛ قال ابن مسعود - كما في صحيح مسلم -: "ولقد رأيتُنا نتنازع فيه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمرنا فنقرأ عليه، فيخبرنا أنَّا كلنا محسنون"، وإذا أردنا القراءات الشاذة فهما متغايران؛ فالقراءة التي تفقد أهم ركن - وهو التواتر - لا يصحُّ أن نطلق عليها اسم القرآن؛ فهو المنقول إلينا بالتواتر، أما الأخرى فهى قراءة وليست قرآنًا.
هذه هي الأحرف السبعة التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعلَّمها أصحابه الكرام، فمنهم من أقرأه على حرف، ومنهم من أقرأه على حرف آخر، ومنهم من أقرأه على أكثر من حرف.
القراءة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم:
كان الصحابة يستمعون القرآن من فم الرسول صلى الله عليه وسلم كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستمع لقراءة الحاذقين من أصحابه، ويشهد لهم بالإتقان، ويرغِّب الناس في تلقي القرآن عنهم، وبما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قائد الأمة وإمامها، والمسؤول عن جميع أحوالها، صعب عليه أن يتفرغ لإقراء الصحابة واحدًا واحدًا، فكان لزامًا أن يتخصص بعض الصحابة - ممن أقرأهم النبي صلى الله عليه وسلم - لإقراء الناس نيابة عنه، فكان إذا قدم الرجل مهاجرًا على النبي صلى الله عليه وسلم دفعه إلى أحد الصحابة يعلمه القرآن - كما روى أحمد عن عبادة - فما يرجع أحد من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وقد تعلم شيئًا من القرآن؛ فقد روى أحمد وابن أبي شيبة عن عمرو بن سلمة قال: "كنا على حاضر، فكان الركبان يمرون بنا راجعين من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدنو منهم فأسمع، حتى حفظت قرآنًا كثيرًا"، وهذا لا يكون إلا بحرصهم على معاودته ودراسته واستذكاره، وانطلاق ألسنتهم به، ولصوقه بقلوبهم.
وفي العرضة الأخيرة نُسخ من هذه الأحرف ما نسخ، وثبت ما ثبت، وبعض الصحابة كان أعلم بهذا النَّسْخ من الآخر.
كتابة القرآن على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم:
عندما كانت تنزل الآيات على رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر كتَبَة الوحي بكتابتها، فتُكتب أمامه، ثم تُقرأ عليه، فإذا كان فيها سقط أقامه، ثم تُخرج للناس - كما قال زيد - حتى تُظاهرَ الكتابةُ في السطورِ ما حُفظ في الصدور، وقُبض الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن محفوظ في الصدور، مكتوب بالأحرف السبعة على اللخاف والعُسُب والرقاع والأكتاف، مُفرَّق بين الصحابة، ما عند صحابي ليس عند آخر.
كتابة القرآن في عهد الصديق - رضي الله عنه -:
في حروب المرتدين استَحَرَّ القتلُ بالقراء في معركة اليمامة حتى قُتل منهم سبعون، عندئذ خاف عمر الفاروق - رضي الله عنه - ضَياع القرآن بمقتل حفَّاظه، فأشار على الصِّدِّيق - رضي الله عنه - بجمع القرآن في مصحف واحد، ولم يزل يراجعه في ذلك حتى شرح الله -تعالى- صدر الصِّدِّيق - رضي الله عنه - لذلك، فأرسل إلى زيد - رضي الله عنه - وعهِد إليه بذلك - كما عند البخاري والترمذي وأحمد - فقام زيد - رضي الله عنه - بمهمته خير القيام، وكان لا يقبل من أحد شيئًا مكتوبًا إلا إذا شهد شاهدان أنه كتب أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجمع القرآن كاملاً في صحف مشتملاً على الأحرف السبعة وفق العرضة الأخيرة - وكانت سورًا مفرقة، كل سورة مرتبة بآياتها على حدة، لكن لم يرتب بعضها إثر بعض، فلما نسخت ورتب بعضها إثر بعض صارت مصحفًا، وكانت هذه الصحف عند أبي بكر - رضي الله عنه - حتى توفاه الله -تعالى- ثم عند عمر - رضي الله عنه - حياته، ثم عند حفصة بنت عمر - رضي الله عنها.
إرسال عمر - رضي الله عنه - قراء الصحابة إلى الأمصار:
في عهد عمر - رضي الله عنه - اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فطلب ولاة الأمصار من عمرَ أن يرسل إليهم من يعلم الناس القرآن، فأرسل أبا موسى الأشعري إلى البَصرة، وابن مسعود إلى الكوفة، ومعاذًا إلى فلسطين، وعبادة بن الصامت إلى حمص، وأبا الدرداء إلى دمشق، وبهذا نشأت مدارس في الأمصار الرئيسة لها منهجها الخاص.
ثانيًا: مرحلة نسخ المصاحف في عهد عثمان - رضي الله عنه - وإرسال القراء إلى الأمصار:
كان الصحابة يُقرئون القرآن وفق ما تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الأحرف، ولا شك أن هناك فرقًا بين تعليم أحدهم وتعليم الآخر، كلٌّ حسبما تلقاه من النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل تلاميذهم يلتقون فيختلفون، ويُخَطِّئ بعضهم بعضًا في القرآن، حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين، حتى كفَّر بعضهم بعضًا، وجعلوا يفاضلون بين قراءات الصحابة، فبلغ ذلك عثمان - رضي الله عنه - فخطب فقال: "أنتم عندي تختلفون، فمن نأى عني من الأمصار أشد اختلافًا"، فجمع الصحابة واستشارهم، ثم استقر الرأي على جمع الناس على مصحف واحد؛ حتى لا تكون فُرقة، ولا يكون اختلاف.
فنسخ القرآن وفق ما ثبت من الأحرف السبعة في العرضة الأخيرة، وبعث مع كل مصحف قارئًا يقرئ الناس وفق ما كتب في هذه المصاحف، مع العلم أنها لم تكن منقطة أو مشكلة في ذلك الوقت، وأمر عثمان - رضي الله عنه - بحرق جميع المصاحف التي كانت مكتوبة عند بقية الصحابة؛ حيث إن بعض هذه المصاحف لم يكن كاملاً بسبب النقص في بعض الآيات والسور، وبعضها كان في حواشيه كلمات تفسيرية قد يحسبها البعض من القرآن.
وقد كتب عثمان - رضي الله عنه - ستة مصاحف، وأرسل واحدًا منها إلى مكة مع عبدالله بن السائب، وواحدًا إلى الشام مع المغيرة بن شهاب، وواحدًا إلى الكوفة مع أبي عبدالرحمن السُّلمي، وآخر إلى البصرة مع عامر بن عبدالقيس، وأبقى واحدًا في المدينة مع زيد بن ثابت، وواحدًا لنفسه.