وبناء على ورود القراءة الشاذة في الآية اختلف العلماء في المعنى المراد بالصلاة الوسطى، فذهب الجمهور إلى أنها صلاة العصر مستندين إلى القراءة الشاذة والبعض الآخر منهم ذهب كذلك إلا أنه لم يستند إلى القراءة بل استند إلى الأحاديث الصحيحة التي جاءت ببيان ذلك كالأحناف والشافعية كقوله عليه الصلاة والسلام "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا" [20، ج3، ص233].
وذهب المالكية إلى أنها صلاة الصبح واحتجوا بما جاء بعدها من نهاية الآية "وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ" فقالوا كونها قرنت بالقنوت ولم يثبت إلا لصلاة الفجر فدل على أن المراد بها صلاة الصبح، ولم يحتجوا بالقراءة الشاذة [76، ج1 ص489] فدل هذا على أن للقراءة الشاذة أثر على الأحكام الفقهية.
النموذج الثاني: قوله تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [المائدة: 38] قرأ ابن مسعود ((والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما)) [65، ص33] [29، ج6 ص167].
اتفق الفقهاء على أن حكم السارق هو وجوب قطع يده اليمنى من المفصل [2] لكنهم اختلفوا في مآخذ الحكم، فتمسك الأحناف بقراءة عبدالله بن مسعود وهي ((والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم)) حيث قالوا (ويقطع يمين السارق. . . ويحسم. فالقطع لما تلوناه من قبل، واليمين بقراءة عبدالله بن مسعود رضي الله عنه – أي فاقطعوا أيمانهما – ومن الزند لأن الاسم يتناول اليد إلى الإبط) [77، ج1 ص152-153].
وبهذا يتبين لنا أثر القراءات الشاذة في الاستدلال في الأحكام الفرعية.
وهناك مسائل كثيرة في الفروع اختلفوا فيها ذكرها الفقهاء كأثر من آثار القراءات الشاذة في الاستدلال الفقهي لا يتسع المقام لذكرها وهي مثل:
1- الصوم في كفارة اليمين.
2- النفقة على الأقارب.
3- ميراث الأخوة لأم.
4- عدد الرضعات التي يثبت بها التحريم، وغيرها [22، ص373].
أثر القراءات الشاذة في علوم اللغة العربية:
يعتبر القرآن بقراءاته المتواترة والشاذة أصلاً لا يستغني عنه النحو العربي لارتباطه بالقرآن منذ نشأته الأولى.
فهذا السيوطي يقول: (أما القرآن فكل ما ورد أنه قرئ به جاز الاحتجاج به في العربية سواء كان متواترًا أم آحادًا أم شاذًا) [9، ص14-15].
ويقول ابن خالويه: (أجمع الناس على أن اللغة إذا وردت في قراءة القرآن فهي أوضح مما في غير القرآن) [63، ج1 ص129].
ولا شك أنه بالرغم من اختلاف النحاة واللغويين في الأخذ بالقراءات الشاذة والاستدلال بها من عدمه إلا أننا نجد تأثير القراءات في وضع القواعد النحوية، وكذا تأثيرها في اختلاف النحاة.
فنجد هناك قراءات نتجت عنها قواعد نحوية لم تكن موجودة قبل القرآن، وهناك قراءات أخرى شاركت في بناء قواعد نحوية ولغوية وصرفية، وكل هذا يدل على الأثر الكبير للقراءات في التقعيد والتأثير والإسهام [24، ص320-325] ولذلك وجدنا كثيرًا من النحاة واللغويين أوقفوا أنفسهم في جمع القراءات الشاذة وتوجيهها أمثال الفارسي، ومكي، وابن خالويه، والعكيري، وابن جني الذي كان محتسبه من أقوى المؤلفات في الدفاع عن القراءات الشاذة، وتصديه لكل من يُهوِّن منها [24، ص375].
أما سبب طعن بعض النحاة على بعض القراءات فيعود إلى عدم استيعابهم لأمثلتها من الأساليب اللغوية الأخرى، وكذا إلى عدم جمعهم لها والاعتماد عليها بداية في بناء قواعد اللغة فلما تم الجمع وحصل الاستيعاب مع المتأخرين أمثال أبي حيان اجتمعت الأمثلة والشواهد على نصرتها وقبولها وعدم الطعن فيها ومع هذا كله فقد كان أثر القراءة الشاذة على القاعدة النحوية محدودًا وضيقًا، فقد اشتملت القراءات الشاذة على قضايا نحوية مطردة واشتملت كذلك على بعض القضايا غير المطردة والتي شاركها فيها أمثلة نادرة من القرآن والشعر، كما اشتملت بعض القضايا الشاذة التي لا يجوز القياس عليها، فذكر النحاة أن أثر القراءات على القضايا النحوية المطردة بلغ 35 مسألة، وأثرها على القضايا غير المطردة بلغ 34 مسألة، أما النوع الشاذ الذي منعوا القياس عليه فقد بلغ 33 مسألة [62، ص123-124].
فمن الأمثلة التي تبين أثر القراءات الشاذة في النحو:
1- قاعدة تقديم الحال على عاملها إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا فهذه قاعدة غير مقبولة، لكن أجازها من النحاة الفراء والأخفش مستدلين بالقراءة الشاذة في قوله تعالى: {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67] بتقديم مطويات على عاملها الجار والمجرور، كما استدلوا على إثبات نفس القاعدة بقوله تعالى: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَْنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا} [الأنعام: 139]، بنصب خالصة وتقديمها على كلمة: "لِذُكُورِنَا" [22، ص378-379].
2- مثال آخر لقراءة شاذة أيدت بها قاعدة نحوية: قوله تعالى:﴿ ثَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [البينة: 1] بحذف النون من يكن، وقوله تعالى: ﴿ وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴾[ص: 3] برفع حين على أنه اسم لات فأيدت القراءة الأولى قاعدة جواز حذف النون من مضارع كان إذا التقى بساكن بعده [22، ص379].
كما أيد بالقراءة الثانية قاعدة حذف خبر لات وابقاء اسمها وهو عكس المشهور فيها.
وهناك قواعد كثيرة استدل بها ابن جني في المحتسب تدل على أثر القراءات الشاذة في النحو العربي مما يدل دلالة أكيدة على أن القراءات لم تكن في عزلة عن النحو ومقاصد النحاة، بل كان لها أثر يتناسب مع القدر الذي ينسب إليها من التقدير والاعتبار، ولهذا نجد انتشار هذه النوع من القراءات في المصادر النحوية واللغوية مما يوصلنا إلى الحقيقة القائلة بأن القراءات الشاذة تظل أقوى أثرًا وأجدر للاستدلال بها من شاهد شعري أو نثري لم يعرف قائله.
وبهذا يتبين أن مواقف النحاة واللغويين من القراءات الشاذة كانت مواقف علمية منهجية تتفق ومواقفهم من سائر الأساليب اللغوية، لأن بعضهم جعلها مصدرًا من مصادر احتجاجه، كما تبين أثر القراءات الشاذة في وضع قواعدهم النحوية وبناء القواعد الصرفية واللغوية التي تكشف عن لهجات العرب وأقوالهم وأشعارهم.
الخاتمة
(نتائج الدراسة)
تتضمن الخاتمة أهم النتائج التي توصل إليها الباحث وتتمثل في الآتي:
1- إن السبب في تسميتها بالشاذ يعود لشذوذها عن الطريق الذي نقل به القرآن وهو التواتر.
2- أفادت الدراسة أن القراءات الشاذة يستنبط منها الأحكام الشرعية الفرعية كما ذهب إليه جمهور العلماء.
3- بينت الدراسة الراجح من اختلاف الفقهاء في حكم التلاوة بالشاذ في الصلاة والذي دار بين البطلان، والصحة والكراهة.
4- وقفت على اختلافهم في القراءة بالشاذ خارج الصلاة بين المجيز والمانع والمتوسط.
5- خلصت إلى جواز تعلم القراءة الشاذة وتعليمها وتدوينها للإفادة منها في مجال اللغة والإعراب وبيان التفسير، والأحكام الشرعية الفرعية.
6- بينت عدم وجود تعارض أو تضاد بين القراءات المتواترة والشاذة بل الأخيرة لا تبتعد كثيرًا عن المتواترة في معانيها ودلالاتها.
7- وقفت الدراسة على بعض آثارها في التفسير والفقه واللغة، فمن آثارها في التفسير أنها تبين معنى الآية أو توسع مدلولها، أو تزيل بعض الإشكالات الواردة فيها.
8- بينت أن اختلاف العلماء في استنباط الأحكام منها أدى إلى ظهور آثار عظيمة في الفقه ترتب عليه أحكام فقهية كثيرة، مثل: حكم أداء العمرة، وميراث الأخوة لأم، وعدد الرضعات المثبتة للتحريم وغيرها.
9- بينت أن القرآن بقراءاته المتواترة والشاذة يعتبر أصلاً أصيلاً للنحو فقد أطبق العلماء على الاحتجاج بالقراءات الشاذة في العربية لأن روايتها أوثق الشواهد اللغوية.
10- بينت الدراسة الفروق بين الاحتجاج بالقراءة والاحتجاج لها.
11- إن القراءة الشاذة وإن لم تقبل على أنها قرآن فقد قبلت على أساس أنها أخبار أو تفسير للقرآن.
12- أكدت الدراسة أن القراءات الشاذة لا يجوز القراءة بها مطلقًا لكن يستفاد منها في التفسير وبيان القراءات المتواترة، وكذلك في بيان الأحكام الشرعية واللغوية وأنه لا يوجد تناقض بين الأمرين بين تحريم القراءة بالشاذ وبين الاستفادة منها في مجال الأحكام.
والحمدلله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.