عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 10-14-2016 - 07:11 AM ]


أما الفريق الثاني: فقد رفض كثيرًا من القراءات وطعن فيها لا أقول الشاذة بل والمتواتر كذلك، فيرميها تارة بالخطأ، وتارة بالرداءة وأخرى بالضعف لأنهم وضعوا معايير وقواعد للغة، فإذا اصطدمت القراءة بما وضعوه من المعايير لجأوا إلى طرق مختلفة لردها: إما أولوها أو رفضوها أو رموها بالضعف أو الشذوذ ولعل السبب في ذلك يعود إلى اعتقادهم أن القراءات مجرد آراء وليس لها صلة بالرسول عليه الصلاة والسلام فهي ضعيفة السند، وبالتالي لم تثبت لديهم بما تقوم به الحجة – فردوها لذلك أو باجتهاد من بعضهم حسب ما غلب على ظنه بتخطئة القراءة وتخطئة من قرأ بها.

وبالنظر إلى كتب النحاة واللغويين يتبين أن القراءات متواترها وشاذها كانت حجة عند أغلبهم حتى النزر اليسير الذي أنكرها كان ذلك الإنكار لقيام مانع عنده، أما مع عدم المانع فكانت القراءات عند الجميع حجة.

ولذلك يقول السيوطي: (وقد أطبق الناس على الاحتجاج بالقراءات الشاذة في العربية إذا لم تخالف قياسًا معروفًا، بل ولو خالفته يحتج بها في مثل ذلك الحرف بعينه وإن لم يجز القياس عليه كما يحتج بالمجمع على وروده ومخالفته القياس في ذلك الوارد بعينه ولا يقاس عليه، وما ذكرته من الاحتجاج بالقراءة الشاذة لا أعلم فيه خلافًا بين النحاة وإن اختلف في الاحتجاج بها في الفقه) [64، ص67-68].

فهذا وغيره يؤكد منزلة القراءات الشاذة لدى علماء اللغة واهتمامهم بها أيما اهتمام.
القراءات الشاذة والجوانب التاريخية:
ذهب الدكتور أحمد البيلي إلى الاحتجاج بالقراءات الشاذة على الأحداث التاريخية، وذكر أنه لم يجد هذا الاحتجاج في المصادر التي وقف عليها للمتقدمين ممن اعتنى بالقراءات الشاذة، ولذا كان له قصب السبق بهذا الاستدلال إذ لم يسبقه إليه أحد، وذكر نموذجين لهذا الاحتجاج بالقراءة على أحداث التاريخ، أحدهما في قوله تعالى ﴿ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ. . . ﴾ [البقرة: 123] قرأ القراء العشرة برفع يعقوب، وروي عن علي بن أبي طالب أنها قرئت قراءة شاذة بنصب باء ((يعقوب)) [25، ج1 ص399].

والآية الأخرى قوله تعالى: ﴿ الم *غُلِبَتِ الرُّومُ *فِي أَدْنَى الأَْرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُون ﴾ [الروم: 1-3] قرأ عامة القراء العشرة ببناء الفعل الأول (غلبت) للمفعول، وببناء الفعل الثاني (سيغلبون) للفاعل، وقرئت شاذة ببناء الفعل الأول للمفعول (غلبت الروم. . . سيغلبون)) وقرأها علي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس وأبي سعيد وغيرهم [65، ص116] [25، ج7، ص161] وبيان القراءتين على النحو التالي:
ففي الآية الأولى تدل القراءة المتواترة على أن إبراهيم وصى بنيه بالاستمساك بملته فيحيوا مسلمين ويموتوا مسلمين وكذلك يعقوب أوصى بنيه بما أوصى به إبراهيم بنيه وبه يتبين أن يعقوب معطوف على إبراهيم [30، ص305].

أما القراءة الشاذة فبينت أن يعقوب معطوف على بنيه الواقع مفعولاً به والمعطوف على المنصوب منصوب، وتدل هذه القراءة على أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أوصى حفيده يعقوب، بمعنى أن يعقوب ولد في حياة أبيه وكان في سن يعي فيه الوصية من جده مما دل إشراك جده إبراهيم له مع أعمامه بالإيصاء.

ودلت آيتان من كتاب الله على معنى هذه القراءة الشاذة:
الأولى قوله تعالى: ﴿ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾ [هود: 71] والثانية قوله تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ﴾ [الأنبياء: 72].

ففي الآية الأولى إخبار من الله أنه بشر زوج إبراهيم بالولد والحفيد فكان الولد والحفيد ميلادهما في حياة الجد والجدة.

وبينت الآية الثانية أن الموهوب هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأن النافلة هو ولد الولد فدلت هذه القراءة الشاذة على هذه المعاني [30، ص305-306] أما الآية الثانية: القراءة المتواترة أشارت على أن فارس والروم دخلا في معارك حربية انتصر فيها الفرس على الروم عام 616م ففرح المشركون لهزيمة الروم لأنهم كانوا أهل كتاب، وانتصار فارس الذين كانوا مثلهم، وقالوا للمسلمين إن حاربناكم سننتصر عليكم، وحزن المسلمون لأنهم أحبوا انتصار الروم على الفرس فأنزل الله الآية فسر المسلمون بذلك ثم نشبت حرب بين الفريقين بعد تسع سنين انتصر فيها الروم على الفرس فهذا ما تدل عليه القراءة المتواترة [30، ص99-100].

أما القراءة الشاذة، فدلت على أن الروم الذين سيهزمون الفرس في حرب قادمة ولكن هذا النصر سوف لا يستمر لهم إنما ستأتي حرب بعد هذه الحرب التي خاضوها مع الفرس مع أمة أخرى سيكونون مهزومين فيها وذلك بعد بضع سنين من انتصارهم على فارس وهذا الذي حدث فقد فكروا في قتال المسلمين وأعدوا جيشًا قوامه مائتا ألف ولما علم بهم النبي عليه الصلاة والسلام أعد جيشًا قوامه ثلاثون ألفًا بقيادته وتوجه بهم إلى تبوك وعسكر هناك أيامًا ولما علم الروم بذلك آثروا السلامة واكتفي قيصرهم بإرسال رسالة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فلم يلتحم الجيشان وعُد ذلك نصرًا للإسلام والمسلمين بما ترتب عليه من آثار [66، ج7 ص144-149].
حكم القراءة بالشاذ في الصلاة وخارجها
اختلف العلماء في حكم القراءة بالشاذ في الصلاة وخارجها كما اختلفوا في جواز الاحتجاج بها من عدمه في ميدان الأحكام وإليك بسط كلامهم فيما يخص حكم القراءة في الصلاة بالشاذ أولاً.
المذهب الحنفي:
اختلف فقهاء المذهب في حكم الصلاة بالشاذ إلى ثلاثة آراء:
الرأي الأول:
تفسد الصلاة إذا اقتصر فيها على الشاذ، وتصح إذا قرأ معه متواتر.
قال ابن نجيم: (الاتفاق على عدم الاكتفاء بها – أي القراءة الشاذة – في الصلاة) [66، ج1 ص10].
وقال السرخسي: (إن الصلاة تفسد بها – أي القراءة الشاذة – لأن ما دون المتواتر لا يبلغ درجة العيان، ولا يثبت بمثله قرآن مطلقًا، ولهذا قالت الأمة: لو صلي بكلمات تفرد بها ابن مسعود – رضي الله عنه – لم تجز صلاته لأنه لم يوجد فيه النقل المتواتر، وباب القرآن باب تعيين وإحاطة، فلا يثبت بدون النقل المتواتر كونه قرآنًا وما لم يثبت كونه قرآنًا فتلاوته في الصلاة كتلاوة خبر فيكون مفسدًا للصلاة) [42، ج1 ص279].

الرأي الثاني:
عدم فساد صلاة من يقرأ بالشاذ فيها [66، ج1 ص10].

الرأي الثالث:
التفصيل في ذلك بين القراءة الشاذة التي تغير المعنى والقراءة التي لا تغيره، فتصح الصلاة إذا لم يتغير المعنى وتبطل إذا غير المعنى [66، ج1 ص10].

المذهب المالكي:
لم يتطرق الإمام مالك إلى حكم الصلاة التي يقرأ فيها بالشاذ وإنما اكتفى من ذلك بقوله: (من قرأ في صلاته بقراءة ابن مسعود أو غيره من الصحابة مما يخالف المصحف لم يصل وراءه) [67، ج8 ص293] وروى عنه تلميذه ابن القاسم قوله: (سئل مالك عن رجل صلى خلف رجل يقرأ بقراءة ابن مسعود؟ قال: يخرج ويدعه ولا يأتم به).
وسئل ابن القاسم: هل على من صلى خلف من يقرأ بقراءة ابن مسعود أن يعيد صلاته، فأجاب ابن القاسم: أرى أن يعيد في الوقت وبعده [67، ج8 ص293].
وقال ابن الحاجب: (لا يجوز أن يقرأ بالقراءة الشاذة في صلاة ولا في غيرها فإن كان جاهلاً بالتحريم عُرف به، وأمر بتركها، وإن كان عالمًا أُدب بشرطه) [46، ج2 ص21].

المذهب الشافعي:
لا خلاف بين فقهاء المذهب في بطلان الصلاة التي يقرأ فيها بالشاذ، ونصوا على أن الشاذ من القراءات هو ما وراء العشر.
قال النووي: (لا تجوز القراءة في الصلاة ولا في غيرها بالقراءة الشاذة، لأنها ليست قرآنًا متواترًا) [54، ج5 ص131].

المذهب الحنبلي:
اختلف أتباع هذا المذهب إلى ثلاثة أقوال:
الأول: بطلان صلاة من قرأ فيها بما خرج عن مصحف عثمان.
الثاني: صحة صلاة من يقرأ فيها بالشاذ الذي صح سنده واحتجوا لهذا بأن الصحابة كانوا يصلون بقراءتهم التي اعتبرت فيما بعد شاذة، ولم يقل أحد ببطلانها، وإذا صحت صلاتهم فلن يكون أمر من الأمور مبطلاً للصلاة في عصر دون عصر، وقد حرر ابن قدامة رأي المذهب في المسألة فقال: (فأما ما يخرج عن مصحف عثمان – رضي الله عنه – كقراءة ابن مسعود وغيرها فلا ينبغي أن يقرأ بها في الصلاة، لأن القرآن ثبت بطريق التواتر، وهذه لم يثبت التواتر بها، فلا يثبت كونها قرآنًا، فإن قرأ بشئ منها مما صحت به الرواية واتصل إسنادها ففيه روايتان) أحدهما لا تصح صلاته والأخرى تصح [56، ج12 ص354].

القول الثالث: الكراهة:
روي عن الإمام أحمد قوله: (يكره للمصلي أن يقرأ في الصلاة بالشاذ، وتصح صلاته إذا صح سند الشاذ الذي قرأ به) [45، ج2 ص140]، [10، ج10 ص14-15].

وبعد بسط القول في حكم الصلاة بالقراءة الشاذة لدى فقهاء المذاهب الأربعة يتبين أن المسألة محل خلاف بينهم، ويمكن تلخيص ذلك في النقاط الآتية:
1- من العلماء من جوز القراءة بالشاذ في الصلاة، وحجتهم أن الصحابة والتابعين كانوا يقرءون بهذه الحروف في الصلاة وغيرها وهذا أحد القولين لأصحاب الشافعي وأبي حنيفة وأحد الروايتين عن مالك وأحمد [60، ص209].

2- جمهور العلماء وأكثر الفقهاء على المنع من القراءة بالشاذ في الصلاة وحجتهم: أن الشاذ لم يثبت متواترًا عن النبي عليه الصلاة والسلام وإن صح فهو منسوخ بالعرضة الأخيرة، أو بإجماع الصحابة على الرسم العثماني، أو لأنها لم تنقل إلينا نقلاً يثبت بمثله القرآن، أو أنها لم تكن من الأحرف السبعة [14، ص181-182] و[10، ج1 ص14-15].

3- من العلماء من ذهب إلى التوسط والتفصيل في ذلك فقالوا: (إن قرأ بها في القراءة الواجبة وهي الفاتحة عند القدرة على غيرها لم تصح صلاته لأنه لم يتيقن أنه أدى الواجب من القراءة لعدم ثبوت القرآن بذلك، وإن قرأ بها فيما لا يجب لم تبطل لأنه لم يتيقن أنه أتى في الصلاة بمبطل لجواز أن يكون ذلك من الحروف التي أنزل عليها القرآن) [10، ج1 ص15].

وبهذا يتبين حكم القراءة بالشاذة في الصلاة، وأن القول الراجح فيها هو قول جماهير العلماء والفقهاء الذين ذهبوا إلى عدم جوازها لعدم ثبوت القراءة الشاذة بالتواتر.
هذا هو حكم القراءة الشاذة في الصلاة.
فما حكم القراءة بها خارج الصلاة؟
اختلف الفقهاء في قراءة القرآن بالشواذ خارج الصلاة على قولين:
القول الأول: أنه أمر محرم وإليه ذهب الجمهور وقالوا بتأديب الذي يقرأ القرآن بالشواذ، وإذا لم يرتدع يحبس حتى يتوب، هذا إذا عرف الحكم أما إذا جهله فإنه يعرف به، وإليك طائفة من أقوالهم في هذا الشأن:
قال أبو شامة: (والذي لم تزل عليه الأئمة الكبار القدوة في جميع الأمصار من الفقهاء والمحدثين وأئمة العربية توقير القرآن، واجتناب الشاذ، واتباع القراءة المشهورة ولزوم الطرق المعروفة في الصلاة وغيرها) [14، ص179] وتساءل أبو شامة ثم أجاب بقوله: (فإن قيل فهل في هذه الشواذ شئ تجوز القراءة به؟ قلت: لا تجوز القراءة بشيء منها لخروجها عن إجماع المسلمين وعن الوجه الذي ثبت به القرآن – وهو التواتر – وإن كان موافقًا للعربية وخط المصحف، لأنه جاء عن طريق الآحاد، وإن كانت نقلته ثقات فتلك الطريق لا يثبت بها القرآن) [14، ص182].

وقال النووي: (لا تجوز القراءة في الصلاة ولا في غيرها بالقراءة الشاذة، وليست قرآنًا، لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وأما الشاذة فليست متواترة، فلو خالف وقرأ بالشاذ أنكر عليه، سواء قرأ بها في الصلاة أو غيرها، هذا هو الصواب الذي لا معدل عنه، ومن قال غيره فهو غالط أو جاهل) [54، ج5 ص131].

وقال السبكي في جمع الجوامع: (وتحرم القراءة بالشاذ والصحيح أنه ما وراء العشر) [52، ج1 ص299].

وقال ابن الصلاح: (وهو ممنوع من القراءة بما زاد على العشر منع تحريم لا منع كراهة في الصلاة وخارجها، ويجب على كل أحد إنكاره، ومن أصر عليه وجب منعه، وتأثيمه وتعزيره بالحبس، وغيره، وعلى المتمكن من ذلك ألا يهمله) [68، ج1، ص231-232].

وقال السخاوي: (لا تجوز القراءة بشيء مما خرج عن الإجماع، ولو كان موافقًا للعربية، وخط المصحف، ولو نقلته الثقات، لأنه جاء عن طريق الآحاد، وتلك الطريق لا يثبت بها القرآن) [69، ج1، ص241]. وذكر عبدالفتاح القاضي فتوى نسبها إلى ابن حجر عندما استفتي عن حكم القراءة بالشاذ فقال: (تحرم القراءة بالشاذ وفي الصلاة أشد، ولا نعرف خلافًا بين أئمة الشافعية أنها ما زاد عن العشر، بل منهم من ضيق فقال: ما زاد عن السبع) [70، ص20-21].

فهذه النصوص التي نقلت عن أئمة الإسلام وعلماء القراءات تدل دلالة لا لبس فيها ولا خفاء على أن القرآن لا يثبت إلا بطريق التواتر، ولا يكتفي في ثبوته بصحة السند.

رد مع اقتباس