عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 10-07-2016 - 07:07 AM ]


وفي موضوع الزيادة في القرآن الكريم يقول:
"ليس القول بالزيادة في القرآن محظوراً يتحرج منه أو ينهى عنه، فهذه الزيادة حقيقة مقررة لم يطمسها خلاف المخالفين في القديم، ولن يطمسها خلاف المخالفين في الحديث، ككل قضية ثابتة يقع فيها خلاف، وتتعدد فيها الآراء، وهي اليوم تدرس تطبيقاً على قواعد النحو في المدارس والجامعات، ومنها جامعة الأزهر".

وفي موضوع حذف الجملة ذكر أن العربية لا تكتفي بالاستكثار من الحذف، ولكنها تنوعه أيضاً، حتى لو قال قائل: "إن العربية هي لغة الحذف" ما كان عليه من ذلك بأس، فهي تحذف المفرد، وتحذف الجملة الواحدة، وتحذف الجمل المتتابعة، وهي تحذف المفرد مضافاً حيناً ومضافاً إليه حيناً آخر، وتحذفه موصوفاً تارة، وصفة تارة أخرى، وتحذفه في أحوال متعددة غير هذه.

وتحذف الجملة جواباً للشرط الجازم.. وجواباً للشرط غير الجازم.. وتحذفها معطوفاً عليها.. وتحذفها جملة قول، وتحذف الجمل المتتابعة في القصص كثيراً.

ثم ذكر أن العرب لا تحذف ما تحذف جزافاً، ولكنها تحذفه حين يكون في فحوى الكلام أو واقع الحال ما يدل عليه، فيكون محذوفاً في اللفظ، ملحوظاً في الذهن، ولهذا يمكن المتكلم أن يجتزئ من العبارة الكاملة بذكر الظرف أو الجار والمجرور، فيفهم السامع عنه ما يريد لحضور المحذوف في ذهنه، مثال ذلك أن يهم زائر بالجلوس في مكان يرى المزور أن يجلس في مكان أفضل منه فيقول له: هنا، أو على هذا الكرسي، فيفهم الزائر أنه يدعوه إلى الجلوس على غير ما هم هو بالجلوس عليه.

ثم اتجه إلى توجيه العبارة المتحدث عنها وترجيح ما يراه بشأنها فقال:
والناس حين يقول بعضهم لبعض: كل عام وأنتم بخير، وينصبون لفظ "كل" يضمرون في مطلع العبارة فعلاً نحو: نعيش، لكنهم يجعلونه على ذكر منهم وملاحظة.

وهم حين يرفعون لفظ "كل" يضمرون كذلك فعلاً نحو: "يقبل" على نحو ما أضمروا الفعل الذي قبله، ولا مانع أن يكون رفعه على الابتداء أيضاً، وأن يكون المحذوف هو الخبر، والخلاف في الإعراب هنا ليس بذي شأن؛ لأنه ليس له أثر في جوهر القضية، فالمهم أن يكون رفع "كل" في العبارة صحيحاً.

وإذا لم يكن بد من المفاضلة بين الإعرابين، فإعرابه فاعلاً أرجح عندي من رفعه مبتدأ؛ لأن الاستقراء يدل على أن الجملة الفعلية أكثر استعمالاً من الجملة الاسمية، والقرآن الكريم خير شاهد على ذلك، فما من سورة من سوره إلا فيها الجملة الفعلية أكثر من أختها الاسمية.

وقد كتب الأستاذ علي الجارم بحثاً منشوراً في مجلة المجمع عن الجملة في اللغة العربية، ذهب فيه إلى أن الجملة الفعلية أساس التعبير، وأرجع ذلك إلى أن حياة العرب كان يغلب عليها التوجس والمفاجأة، فكانوا لذلك يتدفعون إلى ذكر الحدث قبل من وقع الحدث منه.

إذن يكون صحيحاً رفع لفظ "كل" ونصبه على سواء من عبارة: "كل عام وأنتم بخير" [5].

وفي التعقيب على ذلك أجيب عن التساؤلات الآتية:
• ما رأي النحويين فيما أجازته اللجنة من إعراب "كل" فاعلاً لفعل محذوف؟
• لمَ لمْ تأخذ اللجنة بتوجيه العبارة بأن الواو زائدة؟
• ما توجيه العبارة في حالة نصب "كل"؟

1- إجابة السؤال الأول: ما رأي النحويين في إعراب "كل" فاعلاً لفعل محذوف؟
قسم أبو حيان [6] الفعل بالنسبة لذكره مع الفاعل أو حذفه إلى ثلاثة أقسام: واجب الذكر، وواجب الحذف، وجائز الحذف.

فالأول: ما في الكلام دليل على حذفه، فيجب ذكره.

والثاني: إذا ولي ما يختص بالفعل الاسم، وبعده ما يفسره، كما في قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ ﴾ [التوبة: 6] [7]، فيكون الفعل محذوفاً وجوباً لوجود ما يفسره.

والثالث: إذا أشعر به ما قبله، فيجوز حذفه كما يجوز ذكره، كقولك: "فلان" في جواب: من زارك؟، ويجوز أن تقول: زارني فلان.

وقد فصل ابن مالك وغيره [8] مواضع الحذف الجائز للفعل، فذكروا أربعة مواضع، وهي:
أ- إذا أجيب به نفي فيجوز حذفه، نحو قولك: بلى زيد، جواباً لمن نفى وقال: ما قام أحد.

ب- إذا أجيب به استفهام محقق كما في قولك: نعم فلان، في جواب: هل جاءك أحد؟.

ج- إذا أجيب به استفهام مقدر، كما في قول الحارث بن نهيك:
ليبك يزيد ضارع لخصومة
ومختبط مما تطيح الطوائح

فإن "ضارع" فيه فاعل فعل محذوف دل عليه مدخول الاستفهام المقدر، كأنه قيل: من يبكيه؟ فقال: ضارع، أي: يبكيه ضارع، ثم حذف الفعل.

د- إذا استلزمه فعل ذكر قبله، كما في قول الفرزدق:
غداة أحلت لابن أصرم طعنة
حصين عبيطات السدائف والخمر

فهو على تقدير: وحلت الخمر، فالخمر مرفوع بفعل محذوف يسلتزمه "أحلت"، وعبيطات السدائف: الدري من لحوم سقف السنام وغيره مما غلب عليه السمن.

وعبر ابن مالك عن هذه المواضع في التسهيل [9] بقوله: "ويضمر جوازاً فعل الفاعل المشعر به ما قبله"، وقال في شرح الكافية الشافية[10]:
ويرفع الفاعل فعل حذفاً
إذا استبان بدليل عرفاً

ويلحظ أن الفعل حذف في هذه المواضع لقرينة مقالية، وهي المستفادة من سياق الكلام، وأما حذف الفعل لقرينة حالية - وهي التي تستفاد من الحال والمقام - فقد صرح به ابن الحاجب في شرحه لكافيته [11]، حيث ذكر أن الفعل قد يحذف عند القرائن حالية كانت أو مقالية.

ويبدو لي أن أبا حيان يعبر عن ذلك بقوله في الارتشاف: "وأجاز بعض النحويين: زيد عمراً، بمعنى: ليضرب زيد عمراً، إذا كان ثم دليل على إضمار الفعل، ولم يلبس، وقد منع ذلك سيبويه وإن لم يلبس..." [12]، وهو يشير إلى قول سيبويه في الكتاب: "واعلم أنه لا يجوز أن تقول: زيد، وأنت تريد أن تقول: ليضرب زيد، أو: ليضرب زيد، إذا كان فاعلاً.. ولا يجوز: زيد عمراً، إذا كنت لا تخاطب زيداً إذا أردت: ليضرب زيد عمراً، وأنت تخاطبني..." [13].

ومما جاء فيه حذف الفعل لقرينة حالية قول العرب في مثل: "إن لا حظية فلا ألية"، وأصل المثل - كما ذكر ابن الحاجب [14] - أن رجلاً كان لا تحظى عنده امرأة، فلما تزوج هذه لم تأل جهداً في أن تحظى عنده، فطلقها ولم تحظ، فقالت: "إن لا حظية فلا ألية"، أي: إن لم تثبت لك حظية فما ألوت جهداً في قصد الحظوة.

وقد جعله ابن الحاجب من قبيل حذف الفعل وجوباً في الرواية برفع "حظية"، وعلل ذلك بأن القرينة في أصل المثل دلت على المراد، وقد اشتملت على أمر لا يجوز مجامعة الفعل معه، وهو كونه مثلاً، ولا يخفى أن القرينة في أصل المثل حالية.

وهذا يدلك على أن القرينة الحالية يجوز معها حذف الفعل لدلالتها عليه، وذلك ينطبق على العبارة المعاصرة، فإن قرينة التهنئة بإقبال العام تجيز حذف الفعل الرافع لـ "كل"، ويكون التقدير: يقبل كل عام وأنتم بخير، كما قدره الأستاذ علي النجدي وأقرته اللجنة.

2- إجابة السؤال الثاني: لمَ لمْ تأخذ اللجنة بتوجيه العبارة بأن الواو زائدة؟
جاء في المغني [15] تفسير الواو الزائدة بأنها الواو التي دخولها في الكلام كخروجها، بمعنى أن دخول هذه الواو في الجملة لا يأتي بفائدة في أصل المعنى المراد من الجملة، كما أن إسقاطها منها لا يخل بذلك المعنى، وبعض النحويين يعبر عن الواو التي هذا شأنها بالواو المقحمة، ومن ذلك قول الهروي [16] عن الواو: "وتكون مقحمة - أي زائدة في الكلام - لو لم تجيء لكان الكلام تاماً.."، والقول بمجيء الواو في الاستعمال العربي زائدة مذهب الأخفش والكوفيين كما ذكرت المصادر [17]، وكما يتبين ذلك مما ورد في معاني القرآن للأخفش [18]، ومعاني القرآن للفراء [19]، ومجالس ثعلب [20]، وقد تبعهم على ذلك بعض العلماء، ومنهم: ابن قتيبة [21]، وابن مالك [22]، والظاهر أن هؤلاء يجيزون وقوع الواو زائدة في الشعر وفي الكلام المنثور، وقد وافقهم ابن عصفور [23]، وأبو حيان [24] في جواز وقوع الواو زائدة، إلا أن الظاهر أنهما يخصان ذلك بضرورة الشعر، ومذهب جمهور البصريين ومن وافقهم من المتأخرين أن الواو لا تزاد [25]، وأن ما ورد مما ظاهره زيادة الواو في كلامهم يؤول إذا كان يقبل التأويل صيانة للحروف من الزيادة [26]، وقد ذكر المبرد في المقتضب [27] قول القائلين بزيادة الواو ووصفه بأنه أبعد الأقاويل، وصرح بأن زيادة الواو غير جائزة عند البصريين، وذكر ابن جني في الخصائص [28] أن ما يدعيه الكوفيون من زيادة واو العطف أمر لا يثبته البصريون، وقال ابن الشجري [29] عن القول بزيادة الواو في قوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا... ﴾ [الزمر: 73]: "ليس بشيء لأن زيادة الواو لم تثبت في شيء من الكلام الفصيح".

والراجح في هذه القضية هو مذهب الجمهور؛ لأن الأصل في الكلام الفصيح أن لا يكون فيه شيء زائد مقحم لغير معنى [30]، والشواهد التي استدل بها الأخفش والكوفيون منها ما يحتمل التأويل بغير زيادة الواو، ومنها ما يدخل في ضرورة الشعر.

والذي يعنينا من تلك الشواهد هنا هو الآية التي استشهد بها الأستاذ علي النجدي في مذكرته لإثبات مجيء الواو زائدة، وهي قوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴾ [الزمر: 73] [31].


رد مع اقتباس