هذا، وحين نستعرض الشواهد الصحيحة المروية عن العرب في النحت لا نكاد نلحظ نظامًا محددًا نشعر معه بما يجب الاحتفاظ به من حروف وما يمكن الاستغناء عنه، وليس يشترك بين كلِّ تلك الأمثلة سوى أنها في الكثرة الغالبة منها تتَّخذ صورة الفعل أو المصدر، وأن الكلمة المنحوتة - في غالب الأحيان - رباعية الأصل، ومن أشهر الأمثلة الرباعية الأصول ما يلي:
1- كلمة منحوتة من كلمتين مثل: (جعفل)؛ أي: (جعلت فداك) وكذلك (جعفد) منحوتة من نفس الكلمتين في بعض الروايات.
2- كلمة منحوتة من ثلاث كلمات مثل: (حيعل)؛ أي: قال: (حي على الفلاح).
3- كلمة منحوتة من أربع كلمات مثل: (بسمل)؛ أي: قال: (بسم الله الرحمن الرحيم)، أو ربما كانت هذه الكلمة منحوتة من كلمتين فقط هما (بسم الله).
4- أكبر عدد من الكلمات التي نحت منها كلمة واحدة هو ذلك القول المشهور (لا حول ولا قوة إلا بالله)، فقيل من هذه العبارة: (حوقل)، أو (حولق)[17].
هـ - مذهب ابن فارس في النحت:
لقد استهوت ابن فارس فكرة النحت وطبَّقها على أمثلة كثيرة في كتابه "مقاييس اللغة"، فخرج علينا بنظرية مفادها: أن أكثر الكلمات الزائدة على ثلاثة أحرف، منحوت من لفظين ثلاثيين.
يقول ابن فارس في كتابه "مقاييس اللغة": "اعلم أن للرباعي والخماسي مذهبًا في القياس يستنبطه النظر الدقيق؛ وذلك أن أكثر ما نراه من كلماته منحوت، ومعنى النحت: أن تُؤخَذ كلمتان وتُنحَت منهما كلمة تكون آخِذة منهما جميعًا بحظ، والأصل في ذلك ما ذكر الخليل من قولهم: (حيعل) الرجل إذا قال: (حي على)"[18].
كما يقول ابن فارس في كتابه "الصاحبي": "العرب تنحت من كلمتين كلمة واحدة، وهو جنس من الاختصار، وهذا مذهبنا في الأشياء الزائدة على ثلاثة أحرف، فأكثرها منحوت؛ مثل قول العرب للرجل الشديد: (ضبطر)، من (ضبط وضبر)[19].
ممَّا سبق نستنتج - كما استنتج أحد الباحثين من قبل[20] - بأن ابن فارس مسبوق في نظريته؛ حيث يتحتَّم من نصِّه في "المقاييس" بأن الخليل بن أحمد قد سبقه في مذهبه المذكور وأنه يسير على طريقته في ذلك.
و - موقف المحدَثِين من النحت:
يقول الدكتور صبحي الصالح: "ولقد كان للنحت أنصار من أئمَّة اللغة في جميع العصور... وكلَّما امتدَّ الزمان بالناس ازداد شعورهم بالحاجة إلى التوسُّع في اللغة عن طريق هذا الاشتقاق الكبَّار، وانطلقوا يؤيِّدون شرعية ذلك التوسُّع اللغوي بما يحفظونه من الكلمات الفصيحات المنحوتات.
ولكن النحت ظلَّ - مع ذلك - قصة محكية، أو رواية مأثورة تتناقلها كتب اللغة بأمثلتها الشاسعة المحدودة، ولا يفكر العلماء تفكيرًا جديًّا في تجديد أصولها وضبط قواعدها، حتى كانت النهضة الأدبية واللغوية تميل إلى جواز النحت والنقل اللفظي الكامل للمصطلحات، وطائفة يمثِّلها الكرملي حيث يرى: "إن لغتنا ليست من اللغات التي تقبل النحت على وجه لغات أهل الغرب كما هو مدوَّن في مصنفاتها... والمنحوتات عندنا عشرات، أمَّا عندهم فمئات، بل فألوف؛ لأن تقديم المضاف إليه على المضاف معروفة عندهم، فساغ لهم النحت، أما عندنا فاللغة تأبَاه وتتبرَّأ منه"[21].
وقد وقف الدكتور صبحي الصالح من الطائفتين موقفًا وسطًا حيث يقول: "وكلتا الطائفتين مغالية فيما ذهبت إليه، فإن لكلِّ لغة طبيعتها وأساليبها في الاشتقاق والتوسُّع في التعبير، وما من ريب في أن القول بالنحت إطلاقًا يُفسِد أمر هذه اللغة، ولا ينسجم مع النسيج العربي للمفردات والتركيبات، وربما أبعد الكلمات المنحوتة عن أصلها العربي، وما أصوب الاستنتاج الذي ذهب إليه الدكتور مصطفى جواد حول ترجمة (الطب النفسي الجسمي Psychosomatic)، فإنه حكم بفساد النحت فيه "خشية التفريط في الاسم بإضاعة شيء من الاسم عن أصله؛ فيختلط بغيره وتذهب الفائدة المرتجاة منه"[22].
ز- صلة النحت بالاشتقاق:
لقد انقسم الباحثون من علماء اللغة إزاء نسبة النحت إلى الاشتقاق إلى أربعة فرقاء:
الفريق الأول: ويرى "أن مراعاة معنى الاشتقاق تنصُر جعْل النحت نوعًا منه؛ ففي كلٍّ منهما توليد شيء، وفي كلٍّ منهما فرع وأصل، ولا يتمثَّل الفرق بينهما إلا في اشتقاق كلمة من كلمتين أو أكثر على طريقة النحت واشتقاق كلمة من كلمة في قياس التصريف"[23].
الفريق الثاني: ويذهب إلى أن النحت غريب عن نظام اللغة العربية الاشتقاقي؛ لذلك لا يصحُّ أن يُعَدَّ قسمًا من الاشتقاق فيها، وحجَّته أن لغويينا المتقدِّمين لم يعتبروه من ضروب الاشتقاق، وأنه يكون في نزع كلمة من كلمتين أو أكثر، بينما يكون الاشتقاق في نزع كلمة من كلمة، زد على ذلك أن غاية الاشتقاق استحضار معنى جديد، أمَّا غاية النحت فالاختصار ليس إلاَّ[24].
الفريق الثالث: ويمثِّله الشيخ عبدالقادر المغربي، وقد توسَّط بين الفريقين السابقين فاعتبر النحت من قبيل الاشتقاق وليس اشتقاقًا بالفعل؛ لأن الاشتقاق أن تنزع من كلمة، والنحت أن تنزع من كلمتين أو أكثر، وتسمى الكلمة المنزوعة منحوتة[25].
الفريق الرابع: وقد انفرد به العلامة محمود شكري الألوسي، وقد أدرج النحت في باب الاشتقاق الأكبر! فيقول: "و(النحت) بأنواعه، من قسم (الاشتقاق الأكبر)"[26].
وعنده أن الاشتقاق الأكبر هو: "أن يُؤخَذ لفظ من لفظ، من غير أن تعتبر جميع الحروف الأصول للمأخوذ منه، ولا الترتيب فيها، بل يُكتَفى بمناسبة الحروف في المخرج، ومثَّلوه بمثل: نعق، من النهق، والحوقلة من جملة: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ للدلالة على التلفظ بها"[27].
أقول: وما ذكره العلامة الألوسي سلفًا أعتبره خلطًا غير مرضٍ؛ إذ النحت يتميَّز عن الاشتقاق الأكبر بتوليد جديد له بعض خواص الاشتقاق.
هذا، وإنني أعتبر النحت من قبيل الاشتقاق وليس اشتقاقًا بالفعل - كما قال الشيخ المغربي - حيث إن عنصر التوليد فيه ظاهر، والذي عليه مدار الاشتقاق وبينهما اختلاف غير يسير.
ح - النحت بين السماع والقياس:
يقرِّر الدكتور إبراهيم نجا - رحمه الله - أن: "النحت سماعي، ليس له قاعدة يسير وفقها القائلون، إلاَّ في النسبة للمركب الإضافي، فلقد قال العلماء: إنه مبنيٌّ على تركيب كلمة من اللفظين على وزن (فعلل) بأخذ الفاء والعين من كل لفظ، ثم ينسب للفظ الجديد كـ(عبشمي) في عبد شمس، و(عبدري) في عبدالدار، و(تيملي) في تيم اللات، وفي غير ذلك مبني على السماع والأخذ عن العرب"[28].
غير أن بعض الباحثين المتأخِّرين فهموا نص ابن فارس: "... وهذا مذهبنا في أن الأشياء الزائدة على ثلاثة أحرف فأكثرها منحوت"[29]، فهموه فهمًا مختلفًا؛ فقد استنتج بعضهم من هذا النص أن ابن فارس يرى أن النحت قياسي.
يقول الدكتور إبراهيم أنيس: "ومع وفرة ما رُوِي من أمثلة النحت تحرَّج معظم اللغويين في شأنه واعتبروه من السماع، فلم يبيحوا لنا نحن المولَّدين أن ننهج نهجه أو أن ننسج على منواله، ومع هذا فقد اعتبره ابن فارس قياسيًّا، وعدَّه ابن مالك في كتابه "التسهيل" قياسيًّا كذلك"[30].
حيث يقول ابن مالك في "التسهيل": "قد يُبنَى من أي المركب فعلل بفاء كل منهما وعينه، فإن اعتلَّت عين الثاني كمل البناء بلامه أو بلام الأول ونسب إليه".
وقال أبو حيان في "شرحه": وهذا الحكم لا يطَّرد؛ وإنما يُقال منه ما قالته العرب، والمحفوظ (عبشمي) في عبد شمس، و(عبدري) في عبد الدار، و(مرقسي) في امرئ القيس، و(عبقسي) في عبد القيس، و(تيملي) في تيم الله"، انتهى[31].
وقد علقت لجنة النحت بمجمع اللغة العربية في القاهرة على هذا الاختلاف بالقول: "... وقد نقلنا فيما تقدَّم عبارة ابن فارس في "فقه اللغة"، وهي لا تفيد القياسية إلا إذا نظر إلى أن ابن فارس ادَّعى أكثريَّة النحت فيما زاد عن ثلاثة، ومع الكثرة تصحُّ القياسية والاتِّساع"[32].
وهكذا ظلَّ النحت بين قياس وسماع بين اللغويين، ووقف مجمع اللغة العربية من ظاهرة النحت موقف المتردِّد في قبول قياسيَّته حتى "تجدَّد البحث أخيرًا حول إباحته أو منعه؛ فرأى رجال الطب والصيدلة والعلوم الكيماوية والحيوانية والنباتية في إباحته وسيلة من خير الوسائل التي تساعدهم عند ترجمة المصطلحات الأجنبية إلى اللغة العربية"[33].