عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 7 )
عبدالرحمن السليمان
عضو نشيط
الصورة الرمزية عبدالرحمن السليمان
رقم العضوية : 541
تاريخ التسجيل : Apr 2013
مكان الإقامة : بلجيكا
عدد المشاركات : 311
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالرحمن السليمان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 09-21-2016 - 11:55 AM ]


دعوى الأصول الآرامية للقرآن الكريم مؤسسة على كتاب يحمل صاحبه اسما وهميا هو كريستوفر لوكسمورج. وأعرض أدناه لفكرته الرئيسة مقتبسا نصا من كتاب لي مخطوط:

1.3.2. كريستوفر لوكسمورج

وتتضمن نية المؤلف في ربط لغة القرآن الكريم بلغة التوراة تلميحا بأن التوراة هي مصدر القرآن الكريم. وهذا التلميح بلغ درجة التصريح في الترجمة الفرنسية التي أنجزها المترجم الفلسطيني المسيحي سامي الذيب أبو ساحلية (1) الذي يثقل ترجمته بحواش يشير فيها إلى المجانسات التأثيلية العبرية للكلمات القرآنية التي لها مجانسات تأثيلية في العبرية. والغاية الوحيدة من ذكره هذه المجانسات التأثيلية العبرية هي الإيحاء بأن العربية من العبرية. (2) وفي ذلك جهل بمبادئ لغوية لسببين بسيطين الأول هو أن المجانسات التأثيلية بين الكلمات العربية والعبرية موجودة أيضا في جميع اللغات الجزيرية. فهي موجودة، كلها أو أكثرها، في الآرامية وفي الحبشية وفي البابلية وفي الأوغاريتية وغيرها من اللغات الجزيرية لأنها من التراث اللغوي المشترك. والثاني: لا يحتج في الدراسات اللغوية التأثيلية بأسبقية التدوين. فالعبرية دونت قبل عربية الشمال، بعكس عربية الجنوب التي دونت بدورها قبل العبرية بقرون .. وهذا لا يعني أن ألفاظ عربية الشمال – عربيتنا – المشتركة مع اللغات الجزيرية الأخرى مستعارة من العبرية لأن العبرية أسبق تدوينا من عربية الشمال؛ لا أعرف باحثا واحدا يقول بذلك. ولو كانت أسبقية التدوين معيارا للحكم لوجب رد الألفاظ العبرية التي تشترك العبرية فيها مع العربية والبابلية إلى هذه الأخيرة لأنها أقدم تدوينا من العربية بألفي سنة، ولوجب رد نصف شرائع التوراة التي بأيدينا اليوم إلى شرائع بابل وعلى الأخص إلى شريعة حمورابي لأنها أقدم تدوينا من التوراة بألف سنة .. بل لقد أثبت نشر الأدب الأوغاريتي بأن كثيرا من المزامير المنسوبة إلى داود عليه السلام – كما هي في العهد القديم الذي بأيدينا اليوم – مستوحاة من أدب الأوغاريتيين الذين يظن بأنهم كانوا عربا حكموا غربي سورية ابتداء من الألفية الثانية قبل الميلاد (مملكة أوغاريت أو رأس شمرا). وتعد ظاهرة الشعوبية المحدثة والشطط الحاصل في نسبة ألفاظ عربية بعينها إلى هذه اللغة الجزيرية أو تلك لأسباب تتعلق بأسبقية التدوين، ظاهرة لا يشتغل بها عالم أبدا، بل لم يشتغل بها قط سوى بعض الشعوبيين المحدثين في دنيا العرب. وأكثر من يقول بها الشعوبيون وبعض الكتاب الذين يكتبون "على البركة" مثل الأب رافائيل نخلة اليسوعي في كتابه (غرائب اللغة العربية) (3) ، حيث يرد كل كلمة عربية ذات أصل جزيري مشترك إلى السريانية لأنها أقدم تدوينا من العربية .. وهذا مذهب غير دقيق لأنه يقتضي بالمنطق رد جميع الكلمات السريانية ذات الأصول الجزيرية إلى العبرية لأن العبرية أقدم تدوينا من السريانية. كما يجوز وفقا لذلك المذهب رد العبرية إلى الأوغاريتية لأنها أسبق تدوينا من العبرية، والأوغاريتية إلى البابلية وهلم جرا. والباحث العربي الذي تفطن إلى هذا الأمر – كما ذكرنا في الدراسة الثالثة – هو الأب أنستاس ماري الكرملي الذي يقول في هذا الصدد: "ولا تكون الكلمة العربية من العبرية أو الآرامية إلا إذا كانت تلك الكلمة خاصة بشؤون بني إرم أو بني إسرائيل. أما الألفاظ العامة المشتركة بين الساميين جميعا، فليس ثم فضل لغة على لغة". (4) ثم إن البحث العلمي أثبت أن العربية الشمالية – على الرغم من أنها أحدث تدوينا من سائر اللغات الجزيرية – أقدم من سائر اللغات الجزيرية، بما في ذلك الأكادية التي دونت ابتداء من مطلع الألفية الثانية قبل الميلاد، وذلك لبقائها في الجزيرة العربية – موطن الشعوب الجزيرية الأول – واحتفاظها بخصائص اللغة الجزيرية الأم حتى اليوم. ونستأنس في هذا السياق بقول النحوي السرياني أقليميس يوسف داود مطران دمشق على السريان في كتابه (اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية): "وأشهر اللغات السامية هي العربية والعبرانية والسريانية والحبشية بفروعهن الكثيرة [..] وإنما ذكرنا العربية أولا بين اللغات الجزيرية لأن العربية باعتراف جميع المحققين هي أشرف اللغات السامية من حيث هي لغة وأقدمهن وأغناهن. ومعرفتها لازمة لمن يريد أن يتقن [إتقانا] حسنا معرفة سائر اللغات السامية ولا سيما السريانية".(5) ويضيف: "ثم إننا لا نعتقد أن الآرامية هي أقدم اللغات السامية كما زعم قوم، وأقل من ذلك أنها أقدم لغات العالم كما زعم غيرهم بلا بينة ولا أساس. بل نثبت مع العلماء المحققين أن اللغة العربية هي التي تقرب إلى أم اللغات السامية أكثر من أخواتها".(6) ويقصد أقليميس يوسف داود بالعلماء المحققين المستشرقين الذين قالوا بهذا الرأي الذي ينقله، ونذكر منهم شخولتنز ونولدكة وبرغشتراسر وبروكلمان ورايت ودي لاسي الذين أثبتوا هذه الحقيقة بالدرس المقارن للغات الجزيرية. ولا قيمة ترجى من مناقشة الشطط بله اللاعلمية المطلقة في كتاب لوكسمورج، (7) لكننا نعرض بسرعة لفكرته الرئيسة وهي أن القرآن الكريم كتب بلغة هجينة عربية وسريانية قبل إدخال الإعجام والشكل في الكتابة العربية، وأن المسلمين عندما أعجموا الحروف وضبطوا النطق بالحركات اعتمدوا في ذلك على العربية فقط، وهو ما جعل المفسرين المسلمين يخطئون فهم المعاني الحقيقية للقرآن الكريم! ثم راح يفسر كل كلمة عربية في القرآن الكريم، لها ما يجانسها تأثيليا في السريانية، بأنها يحب قراءتها وفهم معناها بناء على المعنى السرياني لا العربي، علما أنه لا يذكر للقارئ ما الحكمة من مخاطبة القرآن الكريم العرب بالسريانية. وكي نمكن القارئ غير المتخصص من فهم هذا الخلط نستحضر هنا أن الكتابة العربية والسريانية والعبرية لا تحتوي إلا على حروف صامتة مهملة وأن العرب كانوا أول من أدخل نظامي الإعجام والحركات لضبط نطق القرآن الكريم، وقد قام بذلك أبو الأسود الدؤلي.(8) أخذهما عنهم اليهود(9) والسريان لضبط نطق كتابي العهد القديم بالعبرية والجديد بالسريانية علما أن العبرية كانت وقتها لغة ميتة لأكثر من ألف سنة.

ولفهم منهج لوكسمبورج نمثل بكلمة (لحم) في اللغات الجزيرية، فلقد وردت الكلمة في الأكادية/البابلية كما يلي: /لِيم(م)/ (وأصلها: لحم(م) لأن الكتابة المسمارية لا تظهر الحاء) ومعناها: "ذوق"؛ وفي الأوغاريتية: /لَحْم/ "خبز، طعام"؛ وفي السريانية: ܠܚܡܐ = /لَحْما/ "خبز، طعام"؛ وفي العبرية: לחם /لِحِم/ "خبز، طعام"؛ وأخيرا في العربية: /لَحم:/ "اللحم". يتضح جليا من النظر في هذا الجذر ومن الاستقراء الأولي له أنه يعني في هذه اللغات "الطعام" بمعنى: "مادة الغذاء الرئيسية"، وكان هذا "الطعام" عند أوائل الجزيريين "اللحم" لأنهم كانوا بدوا، والبدوي يصطاد ويشوي ويأكل كما هو معلوم، ولا يزرع القمح أو يعالجه خبزا. وتحول مفهوم هذه الكلمة الدلالي نتيجة لتطور حياة الجزيريين الاجتماعية، فدل عند قوم على "اللحم"، وعند قوم على "الخبز".(10) فالآراميون والعبران تمدنوا قبل عموم عرب الشمال (تحضر عرب الجنوب قبل عرب الشمال بقرون كثيرة)، وانتقلوا من حياة البداوة والصيد إلى حياة الاستقرار والفلاحة، فتطور مفهوم /لحم/ - الذي كان يدل عندهم على المادة الغذائية الرئيسية - من /لحم/ إلى /خبز/ كما يبدو جليا.

والشاهد في هذه الكلمة هو أن هذه اللغات – باستثناء البابلية – لم تكن تدون الأحرف الصائتة في الكتابة قبل أبي الأسود الدؤلي وبالتالي فإن أحدا سوى العرب والسريان لا يعرف كيف كانت هذه الكلمة تنطق لأن الكتابات العربية والسريانية والعبرية ترسمها هكذا (لحم) بدون حركات. من جهة أخرى: تتفرد العربية بمعنى "اللحم" فيها بينما تعني الكلمة في العبرية والسريانية "الخبز".(11) والشاهد هنا هو أننا إذا أردنا تطبيق منهج لوكسمورج الغريب لقرأنا (لحم) العبرية وفق النطق العربي لها (هكذا: لَحْمٌ) وليس وفقا للنطق العبري لها (هكذا: لِحِم) ولقلنا إن معناها "اللحم" وليس "الخبز" كما يرى أحبار اليهود ونخطئهم جميعا بجرة قلم كما يفعل لوكسمبورج مع علماء المسلمين بناء على استغلال كهذا للقرابة اللغوية بين اللغتين العربية والسريانية .. وهذا خلط لم يهتم به أي باحث في الغرب مستعربا أكان أم من علماء التوراة لأنه غير مؤسس على علم. والاهتمام الوحيد بالكتاب كان من بعض وسائل الإعلام لا غير لأن فيه استغلالا للعلم وتوظيفا له للوصول إلى نتائج لا تصمد أمام النقد لضعفها.

----------------

الإحالات:

(1) انظر Aldeeb Samy (2008).
(2) وهو بذلك يسير على خطى المترجم اليهودي هارون بن شيمش (بن شيمش، 1970) الذي يذكر في الحواشي لترجمته العبرية للقرآن الكريم ما يوازي محتوى القرآن الكريم من محتوى ديني موجود في أسفار العهد القديم أو في التراث الديني اليهودي من مشناه وتلمود وغيرهما. وهذا من أثر الحكم المسبق الذي نشأ في الغرب في العصور الوسطى عن أصل الإسلام والقرآن الكريم والذي لا يزال أثره حتى اليوم قائما بطرق أخرى تتجلى في صنيع بن شيمش وريفلين وسامي الذيب أبو ساحلية ولوكسمبورج وغيرهم.
(3) انظر: رافائيل نخلة اليسوعي (1959).
(4) انظر (الكرملي 1938) الصفحة 10.
(5) انظر (داود 1896)، الصفحة 10.
(6) انظر (داود 1896)، الصفحة 13.
(7) انظر Luxenberg, Christoph (2000) وLuxenberg, Christoph (2007).
(8) عالجنا موضوع إدخال العرب لنظامي الإعجام والحركات في الكتابة العربية على زمان أبي الأسود الدؤلي واستعارة السريان واليهود هذين النظامين وإدخالهما في السريانية والعبرية في الدراسة الثانية في هذا للكتاب فنحيل عليها.
(9) انظر الدراسة الثانية في هذا للكتاب.
(10) يختلف "الطعام الأساسي" في العربية اليوم باختلاف التقاليد المحلية، فهو عند المصريين "الخبز أو العِيش"، وهو عند المغاربة "الطعام أو الكُسكُس" المصنوع من دقيق القمح الخ.
(11) أما مجيئها في سفر أيوب بمعنى "اللحم" לחום /لِحُوم/ "لحم"؛ سفر أيوب الإصحاح 20 الآية 23) فلا يعتد به لأن ثمة توجها في الدراسات التوراتية يعتبر سفر أيوب دون بالعربية أولا ثم ترجم فيما بعد إلى العبرية وذلك لكثر الألفاظ العربية الدخيلة فيه.


توقيع : عبدالرحمن السليمان

أ. د. عبدالرحمن السليمان
الجمعية الدولية لمترجمي العربية
www.atinternational.org

التعديل الأخير تم بواسطة عبدالرحمن السليمان ; 09-21-2016 الساعة 12:00 PM

رد مع اقتباس