عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
عبدالرحمن السليمان
عضو نشيط
الصورة الرمزية عبدالرحمن السليمان
رقم العضوية : 541
تاريخ التسجيل : Apr 2013
مكان الإقامة : بلجيكا
عدد المشاركات : 311
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالرحمن السليمان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 09-20-2016 - 09:06 PM ]


نستخلص مما ذكرناه أعلاه أن أقدم نسخة كاملة للأصل العبري القانوني لأسفار التوراة وأسفار العهد القديم موجودة بين أيدينا اليوم هي نسخة "النص المسوري" التي تعود إلى سنة 1008 بعد ميلاد المسيح عليه السلام. أما الأصول العبرية لأسفار العهد القديم التي عثر عليها بين مخطوطات البحر الميت، فهي بمثابة مقتطفات قليلة الكم تكمن أهميتها التاريخية في أنها دليل تاريخي مادي على أن تاريخ الأسفار يعود إلى تلك الفترة (القرن الميلادي الأول) على الأقل. وعدم وجود أصل عبري كامل لأسفار التوراة والعهد القديم يجعل إطلاق أي حكم على أسفار التوراة والعهد القديم بمثابة الرجم بالغيب، لسبب بسيط هو أن إثبات التحريف أو إثبات عدم التحريف يقتضي وجود الأصل التاريخي الذي تعرض النسخ اللاحقة عليه، وهذا محال في حالة التوراة والعهد القديم لأن أقدم نسخة كاملة للأصل العبري لأسفار التوراة وأسفار العهد القديم موجودة بين أيدينا اليوم هي نسخة "النص المسوري" التي تعود إلى سنة 1008 بعد ميلاد المسيح عليه السلام كما تقدم.

وإذا قال قائل: لكن التوراة أقدم من القرن العاشر الميلادي، فلقد أخبر القرآن الكريم عنها، والقرآن الكريم نزل في لقرن السابع الميلادي، إذن لا بد أن تكون التوراة تعود إلى القرن السابع الميلادي على الأقل!

أقول: نحن نتكلم عن مخطوطات ونصوص وأدلة وبراهين مادية، وليس عن النقل، مهما كانت أهمية النقل وقدسيته! لذلك نستبعد الأدلة النقلية في حديثنا مع لؤي الشريف، لأنه عندي ليس ممن يستشهد له بالنقل، ونطالبه بأدلة مادية تثبت أن نص التوراة أقدم من القرن الحادي عشر الميلادي! والدليل المادي هو: الشيء الملموس، الذي يرى بالعين المجردة!

وحتى نجد نسخة من الأصل العبري لأسفار التوراة والعهد القديم تعود إلى زمان أنبياء بني إسرائيل عيلهم السلام، فإننا نصنف زعم لؤي الشريف بأنه يثبت عدم وقوع التحريف بناء على العبرية القديمة سفسطة لا معنى لها لأن العبرية القديمة لغة ميتة، ولأن نص التوراة وأسفار العهد القديم مفقود، ولأن ما روي منها لم يُروَ متواترًا كما يعلم أهل العلم بالعبرية والتوراة! فهذا سيبويه النحاة اليهود، وخليلهم: مروان بن جناح القرطبي (990-1050)، يقول في مقدمة كتاب اللمع (وهو أول كتاب شامل في نحو اللغة العبرية التوراتية ومكانته في النحو العبري مثل مكانة كتاب سيبويه في النحو العربي) ما نصه:

"ورأيت القوم الذين نحن في ظهرانيهم [يريد العرب] يجتهدون في البلوغ إلى غاية علم لسانهم على حسب ما ذكرناه مما يوجبه النظر ويقضي به الحق. وأما أهل لساننا في زماننا هذا فقد نبذوا هذا العلم وراء أظهرهم وجعلوا هذا الفن دبر آذانهم واستخفوا به وحسبوه فضلاً لا يُحتاج إليه وشيئـًا لا يُعرج عليه فتعروا من محاسنه وتعطلوا من فضائله وخلوا من زينه وحليه حتى جعل كل واحد منهم ينطق كيف يشاء ويتكلم بما أراد لا يتحرجون في ذلك ولا يشاحّون فيه كأنه ليس للغة قانون يُرجع إليه ولا حد يُوقف عنده قد رضوا من اللسان بما يَسُر أمره عندهم وقنعوا منه بما سَهُل مأخذه عليهم وقَرُب التماسه منهم لا يدققون أصله ولا ينقحون فرعه، فلهم في اللغة مناكير يُغرب عنها وأقاويل يُزهد فيها. وأكثر من استخف منهم بهذا العلم وازدرى هذا الفن فمن مال منهم إلى شيء من الفقه [يريد أحبار التلمود] تيهًا منهم بيسير ما يحسنونه منه وعجبًا بنزر ما يفهمونه من ذلك حتى لقد بلغني عن بعض مشاهيرهم أنه يقول عن علم اللغة إنه شيء لا معنى له وإن الاشتغال به غير مجدٍ ولا مفيد وإن صاحبه مُعنّى وطالبه متعب بغير ثمرة ينالها منه. وإنما استسهلوا ذلك لقراءتهم ما يقرؤون من الفقه ملحونًا ودراستهم ما يدرسون منه مُصحّفًا وهم لا يشعرون وذلك لعدمهم الرواية وفقدهم الإسناد. وقد بعث ذلك أكثرهم على الاستخفاف بتقيد القرآن (1) وتمييز الـ קמץ من الـ פתח والـ מלעל من الـ מלרע. وأما علم التصريف والتكلم فيه فهو مما يتشاءمون به ويكادون يجعلونه من جملة الزندقة!". ابن جناح، كتاب اللمع، الصفحة 2.

ويدافع ابن جناح في مقدمته عن منهج المقارنة بالعربية لشرح ما غمض من التوراة من خلالها. يقول: "وما لم أجد عليه شاهدا مما ذكرته ووجدت الشاهد عليه من اللسان العربي لم أتحرّج من الاستشهاد بواضحه ولم أتحرج من الاستدلال بظاهره كما يتحرّج من ضعفَ علمُه وقلَّ تمييزُه من أهل زماننا لا سيما من استشعر منهم التقشف وارتدى بالتدين مع قلة التحصيل لحقائق الأمور. وقد رأيت سعديا [= الحبر سعيد بن يوسف الفيومي] يترجم اللفظة الغريبة بما يجانسها من اللغة العربية. وقد رأيت الأوائل وهم القدوة في كل شيء يستشهدون على غريب لغتنا بما جانسه من غيرها من اللغات فتراهم يفسرون كتب الله من اللسان اليوناني والفارسي والعربي والإفريقي وغيره من الألسن؟ فلما رأينا ذلك منهم لم نتحرّج [من الاستشهاد] على ما لا شاهد عليه من العبراني [أي غريب التوراة] بما وجدناه موافقا ومجانسا له من اللسان العربي إذ هو أكثر اللغات بعد السرياني شبهًا بلساننا. وأما اعتلاله وتصريفه ومجازاته واستعمالاته فهو في جميع ذلك أقرب إلى لساننا من غيره من الألسن، يعلم ذلك من العبرانيين الراسخون في علم لسان العرب، النافذون فيه وما أقلهم!". ابن جناح، كتاب اللمع، الصفحة 7.

فالعرف المعمول به في الدراسات التوراتية، منذ سعيد الفيومي (892-942) وابن جناح بعده حتى يومنا هذا، هو أن تفسر التوراة من العربية لأن العبرية القديمة لغة ميتة والعربية لغة حية. ولم تفسر التوراة من السريانية لأن السريانية لغة ميتة هي الأخرى، والميت لا يفيد الميت في شيء! ولا يقول لنا قائل إن السريانية محكية اليوم في بعض مناطق الشام والعراق، فهذه اللهجات السريانية المحكية اليوم ليست فصيحة وهي خليط من السرياني والعربي والتركي والفارسي ولا يستشهد بها في الدرس العلمي. حديثنا عن الآرامية القديمة والسريانية القديمة وهما لغتان ميتتان. وتفسير التوراة من العربية – لأن العربية في اعتلالها وتصريفها ومجازاتها واستعمالاتها أكثر اللغات شبهًا بالعبرية كما ينص ابن جناح – أمر معمول به منذ استعراب اليهود واكتشاف القرابة اللغوية بين العربية والعبرية حتى يومنا هذا، والمصادر والتفاسير والشروح التي تتبع هذا المنهج لا تعد ولا تحصى، ولنا في كلام ابن جناح – وهو كما ذكرت سيبويه النحاة اليهود وخليلهم – ما يكفي لمعرفة بذلك. وسأضرب في الصفحة التالية مثالاً على تفسير أحبار اليهودية التوراة من العربية.

----------------------------------------------------


(1) أي التوراة وأسفار العهد القديم. فقد بلغ تأثير الحضارة الإسلامية في اليهود أن استعاروا الألفاظ الإسلامية القحة للدلالة على مسميات بعينها من الشريعة اليهودية كالفقه "للتلمود" والسنة "للمشناة" الخ. ويسمي سعيد بن يوسف الفيومي ويهودا بن قريش ومروان بن جناح وغيرهم من مستعربي اليهود التوراة وأسفار العهد القديم بالقرآن وبالكتاب أيضاً. وترجم اليهود فيما بعد اسم "القرآن" إلى العبرية هكذا מקרא "مِقرَأ"، وهو اسم الآلة من الفعل /قرأ/ الذي يعني "التلاوة" في العبرية.

كتاب اللمع لابن جناح مطبوع بالعنوان التالي:

مروان بن جناح (1866). كتاب اللمع. الكتاب مطبوع بالعنوان التالي: Le Livre des Parterres Fleuris d’Aboul’l-Walid Merwan Ibn Djanah de Cordoue. Publiée par: Joseph Derenbourg. Paris, 1886.

ومعجمه مطبوع بالعنوان التالي:

مروان بن جناح (1875). كتاب الأصول. الكتاب مطبوع بالعنوان التالي: The Book of Hebrew Roots by Abu’L-Walid Marwan Ibn Janah, Called Rabbi Jonah. Published by Adolf Neubauer. Oxford, 1875. Amsterdam, 1968
.

توقيع : عبدالرحمن السليمان

أ. د. عبدالرحمن السليمان
الجمعية الدولية لمترجمي العربية
www.atinternational.org

رد مع اقتباس