عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
عبدالرحمن السليمان
عضو نشيط
الصورة الرمزية عبدالرحمن السليمان
رقم العضوية : 541
تاريخ التسجيل : Apr 2013
مكان الإقامة : بلجيكا
عدد المشاركات : 311
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالرحمن السليمان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 09-20-2016 - 08:43 PM ]


ملاحظات حول أسفار التوراة والعهد القديم

كانت اللغة العبرية التوراتية حية حتى السبي البابلي في القرن السادس قبل الميلاد. بادت العبرية التوراتية لغةً محكية، وأصبحت لغة دينية فقط لا يفهمها إلا الأحبار، وحلّت الآرامية بعد السبي البابلي محلها بالتدريج، وبقي الحال هكذا حتى احتلال الإسكندر المقدوني المشرق وبناء الإسكندرية في القرن الثالث قبل الميلاد. سكن الاسكندرية، فيمن سكنها، طائفة من اليهود الذين أصبحوا يتحدثون باليونانية. استعجم كتاب العهد القديم، الذي جُمَعَ وقُنِّنَ بعد السبي البابلي، على هذه الطائفة اليهودية الساكنة في الإسكندرية لأن أفرادها صاروا يتحدثون باليونانية في وقت أصبحت العبرية فيه لغة دينية فقط لا يفهمها إلا الأحبار. قام هؤلاء الأحبار حوالي 250 قبل الميلاد بترجمة أسفار العهد القديم إلى اليونانية. تسمى هذه الترجمة بالترجمة السبعينية (Septuaginta)، وهي أقدم ترجمة لأسفار العهد القديم إلى لغة أخرى. إذن ترجم اليهود كتاب العهد القديم إلى اليونانية لاستعمالهم الديني المخصوص بهم وذلك قبل ظهور الديانة المسيحية. فالترجمة إذن حرفية وشملت كل الأسفار التي كان كتاب العهد القديم يحتوي عليها آنذاك. وعليه فإن الترجمة السبعينية هي ترجمة يونانية للنص العبري للعهد القديم كما كان اليهود قنَّنوه واعتمدوه بعد السبي البابلي في القرن السادس قبل الميلاد. ويحتوي هذا النص المعتمد لديهم على 46 سفرًا.

ثم نشأت بعد ذلك الديانة المسيحية التي ترى في أسفار اليهود الدينية المرجعية الدينية والبعد اللاهوتي لها، وأدّى هذا المعتقد إلى تشويش الأمر الديني لدى اليهود، لأن الديانة المسيحية أصبحت منذ نشوئها تقسم التاريخ البشري إلى عهدين اثنين: العهد القديم وهو عند المسيحيين العهد الذي اصطفى الله فيه آل إسرائيل والذي كان بمثابة التمهيد لمجيء المسيح عليه السلام، الذي افتتح بمجيئه عهدًا جديدًا للبشرية أنهى العهد القديم بما فيه اصطفاء الله آل إسرائيل .. وأضافت العقيدة المسيحية المتعلقة بالخطيئة الأزلية بعدًا دينيًا عميقًا لهذا الفصل بين العهدين. وغني عن التعريف أن اليهود لا يسمون أسفار العهد القديم بالعهد القديم لأنهم لا يؤمنون بالتصنيف المسيحي للتاريخ اللاهوتي للتاريخ ولديانتهم وكتبهم ولا يؤمنون بمبدأ النسخ على الإطلاق، بل يسمونها بأسماء كثيرة أشهرها "تاناخ" (كلمة مكونة من أحرف أجزاء العهد القديم الثلاثة: التوراة، الأنبياء، الكتب)، أو "مِقرأ" (اسم الآلة من "قرأ"). ومن الجدير بالذكر أن الديانة المسيحية ركّزت على تلك الأسفار من العهد القديم التي ارتأت فيها تبشيرًا بمجيء المسيح عليه السلام، مثل كتاب "نبوءة عيسى بن سيراخ" وغيره مما اصطلح فيما بعد على تسميتها بالأبوكريفا أي "الأسفار الزائفة".

سبّب نشوء ديانة جديدة هي المسيحية واعتبارها أسفار اليهود المقدسة عهدًا قديمًا يمهد لعهد جديد ورطة لاهوتية لليهود جعلتهم يراجعون معتقداتهم. وأدت هذه المراجعة للذات التي أتت نتيجة للتطورات الدينية والسياسية الحاصلة آنذاك إلى إعادة تقنين كتب العهد القديم. أدت هذه العملية التي تمت في القرن الثاني للميلاد في اجتماع مشهور لأحبار اليهودية في مدينة يامنة في آسية الصغرى إلى إسقاط مجموعة من أسفار العهد القديم بحيث أصبح عدد أسفاره 39 سفرًا بدلاً من 46 سفرًا. إذن صار عندنا من الآن فصاعدًا نصان قانونيان للعهد القديم: واحد باليونانية، هو الترجمة السبعينية لأصل عبري مفقود قُنِّنَ قبل ظهور المسيحية، مكون من 46 سفرًا، وواحد بالعبرية، قُنِّنَ بعد ظهور المسيحية في القرن الثاني للميلاد، مكون من 39 سفرًا. اتخذ البروتستانت وبعض الفرق المسيحية الصغيرة النص العبري للعهد القديم المكون من 39 سفرًا نصًا قانونيًا لهم، بينما اتخذ الكاثوليك النص اليوناني للعهد القديم المكون من 46 سفرًا نصًا قانونيًا لهم.

النتيجة المتوقعة لحالة لاهوتية معقدة كهذه هي اتهام المسيحيين (ما عدا البروتستانت وأتباع بعض الفرق المسيحية الصغيرة الذين أتوا متأخرين) لليهود بإسقاط الأسفار التي تنبأت بظهور المسيح عليه السلام من نصهم المعتمد من جهة، وبراءة اليهود التام من تلك الأسفار ورد الاتهام على المسيحين واتهام المسيحين بنحل تلك الأسفار وفبركتها ونسبتها إلى اليهود من جهة أخرى. ويُتحفّظ في هذا المجال على نسبة تلك الأسفار الزائدة أو المحذوفة بالأبوكريفا لأن الأبوكريفا مصطلح ديني أُدخِل في الاستعمال بعد ظهور المسيحية ولا ينطبق بحال على أسفار الترجمة السبعينية لأنها تمت قبل ظهور المسيحية بثلاثة قرون ولأن الأسباب العقائدية التي تدعو لاستعمال هذا المصطلح وتبرره كانت غير موجودة آنذاك.

عُثر بين مخطوطات البحر الميت على أصول عبرية لبعض الكتب الواردة في الترجمة السبعينية والمحذوفة من النص العبري المعتمد في القرن الثاني للميلاد، فصحت الفرضية الأولى وهي قيام الأحبار اليهود بإعادة تقنين نصهم المعتمد لديهم (ولدى البروتستانت وشهود يهوه) اليوم وذلكم في القرن الثاني للميلاد أي بعد ظهور المسيحية. وهذا تقنين جديد تم على ضوء التطورات الدينية في الشرق وأهمها ظهور المسيحية واعتبارها أسفار اليهود المرجعية الدينية والبعد اللاهوتي لها.

إن الترجمة السبعينية لأسفار العهد القديم من العبرية إلى اليونانية، والحالة هذه، وثيقة تاريخية مهمة ليست كغيرها من ترجمات العهد القديم لأنها أصبحت ـ بعد فقدان الأصل العبري الذي ترجمت منه ـ بمثابة الأصل أو النظير للنص العبري الضائع الذي قُنِّنَ بعد السبي البابلي كما تقدم.

يُعرف الأصل العبري الحالي لأسفار العهد القديم المعتمد عند اليهود والبروتستانت وبعض الفرق المسيحية الأخرى باسم "النص المسوري" وذلك نسبة إلى المسوريين، وهم أحبار يهود كانوا من فرقة القرائين، نقّطوا نص العهد القديم وحرّكوه بالحركات. ومن المعروف أن القرائين هم أول من بدأ دراسة التوراة وأسفار العهد القديم دراسة علمية متأثرين بمناهج المسلمين. وقد اعتمد المسوريون في تنقيطهم وتشكيلهم نص التوراة على النطق الآرامي للكلمات العبرية لأن النطق العبري لها لم يكن معروفًا في القرن الثامن الميلادي، ذلك لأن اللغة العبرية التوراتية أصبحت لغة غير محكية بعد السبي البابلي كما تقدم. وهذا ما يفسر كثرة القراءات الشاذة في النص العبري الحالي. و"النص المسوري" هو أقدم مخطوطة عبرية كاملة لأسفار العهد القديم موجودة اليوم بأيدينا، وتعود إلى القرن الحادي عشر الميلادي، وبالضبط إلى السنة 1008 ميلادية. طبعت هذه المخطوطة في مدينة شتوتجارد في ألمانيا سنة 1977 بالعنوان التالي: (Rudolph, W. & Ruger, H. P.(1976-1977). Biblia Hebraica Stuttgardensia. Stuttgart)، وتشتهر في الأوساط العلمية باسم: Biblia Hebraica Stuttgartensia. وهذه الطبعة هي أهم طبعة علمية للنص العبري لكتاب العهد القديم وعليها يُعول في البحث العلمي، وتتمتع بأعلى سلطة دينية عند اليهود والبروتستانت. وعلى الرغم من أن التوراة وسائر أسفار العهد القديم هي أقدم من هذا التاريخ بكثير، أي أن تاريخها يعود إلى حوالي 1000 قبل ميلاد المسيح عليه السلام، فإن أقدم مخطوطة تحتوي على التوراة وأسفار العهد القديم كاملة تعود إلى سنة 1008 بعد ميلاد المسيح عليه السلام.

توقيع : عبدالرحمن السليمان

أ. د. عبدالرحمن السليمان
الجمعية الدولية لمترجمي العربية
www.atinternational.org

رد مع اقتباس