وورد على الإجراء اللُّغوي الثَّاني شواهد كثيرة من كتاب الله - عزَّ وجلَّ - ومن أشعار من يوثَق بعربيَّته ومن كلام العرب الفصحاء، وقد بسطنا أمثلة من ذلك ممَّا سبق، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يتَسَنَّهْ ﴾ [البقرة: 259]، وقوله تعالى ﴿ ثمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يتَمَطَّى ﴾ [القيامة: 33]، وقوله تعالى: ﴿ وقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 10]... إلخ[90]، ولا نتَّفق مع القُدماء من علماء اللغة العربيَّة والنحو حول الحكم على هذا الإجراء اللغوي بأنَّه شاذّ غير مطرد، أو حذف قبيح، أو من شاذ الحذف... إلخ، ونرى بأنَّ هذه الشواهد والأمثلة تمثّل مظاهر لهجيَّة فصيحة من لهجات اللغة العربيَّة الفصحى، الَّتي لم تحظَ من قدماء اللغويين والنحاة بكثيرٍ من الاهتِمام، وقد شاعت في ألسِنة كثيرٍ من القبائل العربيَّة، ونخصُّ منهم مَن كان يقْطن البادية أو تقع منازلُها على تخومها لميلِهم الشَّديد إلى الاقتِصاد في المجهود العضلي، فحذفوا بعض الحركات واستعاضوا بسواها قصدًا إلى تجانُس الأصوات، وكذا فعلوا ببعض الحروف الزائدة، بل وبالأصليَّة أيضًا؛ رغبة في الانتهاء واختصار الحروف، وقد نسبت هذه الظَّاهرة اللغويَّة إلى أسد وبعض تميم وهم من القبائل البدوية، كما عرفت أيضًا عن قبيلة طيئ قطعتهم المشهورة كقولهم: "يا أبا الحكا" في: يا أبا الحكم[91]، ولا زالتْ هذه اللهجة تؤدَّى بمظاهرها جميعها في بعض اللهجات العاميَّة في البلدان العربية، وأخصّ منها ها هنا لهجات محافظات بيش وصبيا وأبي عريش وجازان - إلى حدٍّ ما - من جنوب المملكة العربيَّة السعودية، فقد نجد في هذه اللهجات جميعها ميلاً شديدًا إلى التَّرخيم في أدائهم لحروف كلامهم - على النحو الذي شرحناه سابقًا - وإليك بعضَ الأمثلة ممَّا نجده في كلامهم:
(أ) العربية الفصحى
(ب) عامية بيش وصبيا وأبي عريش... إلخ.
يا مُحَمَّدُ
يا مْحَمَّا
جَعْفَرُ
جَعْفَا
جئتُم؟
أَجِيتُو؟ (يمكن استعمالها في الخبر والاستفهام)
الَّليلُ
الَّلي
مِسْكِين
مِسْكِي
هل تَغَذَّيت؟
تَغَدَّيْ؟ (وهم يقلبون الذال دالاً في كلامهم)
تريد أَنْ تُسَافِر؟
تِبْغَى تْسَافِي؟
الحَجَرُ يتَدَحْرَجُ
الحَجَرُ يتَدَحْرَا
سَافَرَ
ساَفَا
هَلْ صَمَّمَ؟
شُفْتُنُّهْ صَمَّا؟
هَذهِ سُرُر
هَذِي سُرُو
وَجَع
وَجَا
فُلاَن يبَرْبِرٌ (يقول كلامًا غير مفهوم)
فلان يبَرْبِي
هَلْ قُلْتُمْ لَهُ؟
قُلْتُلُّلو؟
أَكَلَ
أَكَا
قَاعِد يكْتُب (وَقَاِعدٌ يكْتُبُ)
قَاعِد يكْتُو (ترد في الاستفهام والخبر)
الرَّفَقُ
الرَّفَا
... إلخ، وعند الموازنة بين الألفاظ المستعملة في العربية الفصحى الواردة في رقم (أ)، ومثيلاتها المستعملة في كلامهم العامي الواردة في رقم (ب)، تتبيَّن لنا بعض الحقائق أهمها:
1- (أنَّ ما حدث من تغيير في ألفاظ العينة رقم (ب) من كلامهم هو - ولا ريب - حذف للترخيم (بالمعنى الَّذي أوضحناه سابقًا)، وليس إبدالاً - كما قرَّره القدماء من اللغويين والنحاة في الأمثلة والشَّواهد التي وردتْ عن العرب - كما سنرى ذلك فيما بعد.
2- (أنَّ ظاهرة الحذف للترخيم (بالمعنى الذي أوضحناه سابقًا) قد وردت في ألفاظ العينة رقم (ب) من كلامهم؛ حيث حذف الحرف الساكن الصحيح (الصامت) الذي ورد في آخر كل كلمة من المجموعة رقم (أ)، ثمَّ أشبعت حركة الحرف الذي وقع قبل الحرف المحذوف ومطلت فنشأ حرفٌ هو من جنس حركته فمع الفتحة ألف، ومع الكسرة ياء، ومع الضمة واو.
3- (هذا الحذف ترخيمًا للحرف الساكن الصحيح (الصامت) الواقع في آخر هذه الألفاظ قد شمل تلك الأسماء التي وقعت بعد أداة نداء وتلك الأخرى التي لم تسبق بأداة نداء، مما يعني أن هذا الإجراء اللغوي في هذه الألفاظ العامية - مثله مثل ما حدث في ألفاظ اللغة العربيَّة الفصحى - يدخل في جميع متْن لغتهم دون استثناء (الأسماء والأفعال)، وهذا ما رأيناه - بالضبط - في الأمثِلة والشَّواهد التي أوْردها القدماء من اللغويين والنُّحاة.
4- (أوْضحنا سابقًا أنَّ هذه الظَّاهرة اللهجيَّة قد شاعت في ألسِنة كثير من القبائل العربيَّة التي كانت تميل في لغتها إلى الاقتِصاد في المجهود العضلي، وذلك بحذف بعض الحركات والحروف من أواخر الألفاظ، ومن هذه القبائل قبيلة طيئ اليمنيَّة، وسكَّان هذه المناطق التي تشيع في عامّيَّتهم هذه الظَّاهرة اللغويَّة هم - في رأينا - أبناء هذه القبيلة العربيَّة القديمة، وقد بقيت آثار لهجة آبائهم على ألسِنَتهم دليلاً على أنَّ هذا الإجراء اللغوي مقصد من مقاصد التَّيسير النطقي في الأداء، فحسب وذلك ميلاً إلى التخفيف وليس إبدالاً.
5- (أنَّ ما حدث في هذه الأمثلة من تغْيير يندرج تحت ذلك الإجراء اللغوي (الحذف بالمعنى الذي شرحناه سابقًا)، ويسري في جَميع ما أورده القدماء من اللغويين والنحاة من الأمثلة والشَّواهد في مؤلفاتهم وكتبهم، ويمكن ضبطه بهاتين القاعدتين الفنولوجيتين:
c _______ o # _____ /
v________vv / #______c (deleted
ولشرح هذه الرموز التي اشتملت عليْها هاتان القاعدتان نقول: إنَّ القاعدة الأولى تعني:
• أنَّ الحرف الساكن الصحيح (الصامت) يحذف إذا أتى في آخر اللفظ في هذا الإجراء اللغوي.
بينما تعْني القاعدة الثانية:
• أنَّ الحركة (الصائت) القصير في هذا الإجراء اللغوي (الترخيم) يصبح حرف علَّة طويلاً أو لين إذا وقع قبل حرف ساكن صحيح (صامت) ورد في آخر اللفظ وحذف، إنَّ هذا التَّفسير الذي قدَّمناه في التَّعامل مع هذا الإجراء اللغوي الذي وجد في بعض ألفاظ اللغة العربيَّة الفصحى ولهجاتها الحديثة (العامّيَّة) هو المذهب الَّذي نميل إليه ونرتضيه للأسباب التالية:
1- (أنه ينسجم مع ذلك الإجراء اللغوي (الحذف للترخيم (apocopation)، الذي يوجد في معظم اللغات العالميَّة المنطوقة، كالألمانية والسويدية والفرنسيَّة والإنجليزية...، وتعدّ العربية بلهجاتها القديمة والمعاصرة واحدة من هذه اللغات الَّتي يمثل فيها هذا الإجراء اللغوي أثرًا واضحًا في كثير من حروف ألفاظها، ويمكن عن طريقه تفسير بعض ما لحق صيغها من تغييرات ناتجة من خارج الكلمة ولا يعلم لها - على وجه الدّقَّة - سبب ظاهر كالإبدال للتماثل أو التشابه أو التجانس - قصدًا إلى الانسجام وهروبًا إلى التخفيف - مع بعض الحروف الواردة في بنية الكلمة.
2- (أنَّ الركون إلى مثل هذا التَّفسير (الذي يعني حذف الساكن الصحيح - الصامت - من آخر الكلمة للترخيم وإشباع حركة الحرف الذي قبله حتى ينشأ عنه حرف علة طويل أو لين) يبعدنا عن التكلف والتمحُّل في إبداء مبرِّرات مقبولة لكثير من صور التبدُّلات الصوتية التي لحقت طائفة عظيمة من الأمثلة والشواهد الممثلة لهذه الظاهرة اللغوية، مما لم نستطع أن نقف له على سبب ظاهر لوجه العلاقة بين الحرف المبْدَل والمبدل منه، نرى ذلك في أمثال: رَبَا في رَبَّ، ومُرَبَّى في مُرَبَّبُ، وشَبَا في شَبَّ، وأَضْبَى في أَضَبَّ، والجخَادِي في الجخَادِبِ، ولا وَرَبِّيكَ في لا وَرَبِّك[92]، والثعَالِي في الثعالِب، والأَرَانِي في الأَرَانِب، وقد أنشد سيبويه على ذلك قول الشاعر:
لَهَا أَشَارِيرُ مَنْ لَحْمٍ تُتَمِّرُهُ
مِنَ الثَّعَالِي ووَخْزٌ مِنْ أَرَانِيهَا
قال: أراد الثعالب والأرانب[93].
وقالوا: دَافِي، في: دَافِف.
قال الراجز:
وَالنَّسْرُ قَدْ يَنْهَضُ وَهْوَ دَافِي[94]
وقالوا: مَطَّ الشيء يمطُّه مطًّا إذا مده، ومَطَاه، ومثله تَمَطَّطَ، وتَمَطَّى، وبه قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يتَمَطَّى ﴾ [القيامة: 33][95]، وقالوا: أحسست وأحسيت بسين واحدة، ومنه قوله تعالى: ﴿ وقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 10]، بمعنى دسسها، وقالوا: تظنّيت في تظنّنت[96].
وقال الشاعر:
مَضَى ثَلاثُ سِنِينٍ مُذْ دَخَلْتُ بِهَا
وَعاَمُ حَلَّتْ وَهَذَا التَّابِعُ الخَامِي
يريد الخامس.
وقال آخر:
إِذَا مَا عُدَّ أَرْبَعَةٌ فِسَالٌ
فَزَوْجُكِ خَامِسٌ وَحَمُوكِ سَادِي
يريد سادس.
وقال آخر:
عَمْرٌو وَكَعْبٌ وَعَبْدُاللهِ بَيْنَهُمَا
وَابْنَاهُمَا خَمْسَةٌ وَالحَارِثُ السَّادِي
أراد السادس.
وقال الرَّاجز:
يَفْدِيكَ يَا زُرْعَ أَبِي وَخَالِي
قَدْ مَرَّ يَوْمَانِ وَهَذَا الثَّالِ
أراد الثالث.
وقال الشاعر:
وَمَنْهَلٍ لَيْسَ لَهُ حَوَازِقُ
وَلِضَفَادِي يَمِّهِ نَقَانِقُ [97]
يريد ضفادع، فحذف العين وأشبع حركة الدَّال (الكسرة) فنتجت الياء.
وقالوا: تصدَّيت للأمر: تفرَّغت له وتبتَّلت، والأصل: تصدَّدت[98]، وقالوا في جمع مكوك: مكَاكِي، وأصله: مَكَاكِيك، ومنه قصّيت أظفاري في: قَصَصْت أظفاري، وقالوا في اسم الإشارة هذه: هذي، وقالوا: دَهْدَهْت الحجر فتَدَهْدَهَ ودَهْدَيتُه فتَدَهْدَى، وأنشدوا على ذلك قول ذي الرمة:
كَمَا تَدَهْدَى مِنَ العَرْضِ الجَلامِيدُ[99]
وقال أبو النجم:
كَأَنَّ صَوْتَ جَرْعِهَا المُسْتَعْجِلِ
جَنْدَلَةٌ دَهْدَيْتَهَا مِنْ جَنْدَلِ
وأنشد ابن السكيت:
نَزُورُ امْرَأً أَمَّا الإِلَهُ فَيَتَّقِي
وَأَمَّا بِفِعْلِ الصَّالِحِينَ فَيَأْتَمِي[100]
وأصله فيأتَمِمُ، فحذف الميم الأخيرة وأشبع حركة الميم الأولى (الكسرة) فنتجت ياءً، وقالوا في: أَجْلَح: أَجْلَى، وفي ضَبُحَ: ضَبُو، وقالوا: حَنَّ الشيء وحَنَا[101].
وقالوا: - ظَرَابِي في ظَرَابِينَ، وأَنَاسِي في أَنَاسِين[102]، وتَغَلَّيت وتَغَلَّلْت[103]، وتَسَرَّى في تَسَرَّرَ، وتَلَظَّى في تَلَظَّظَ، وأَمْلَيت في أَمْلَلْتُ.
قال الفرَّاء: أمللت لغة أهل الحجاز وبني أسد، وأمليت لغة بني تميم وقيس، ونزل القرآن العزيز باللُّغتَين معًا[104]، وقالوا في مشَرَّر: مشَرَّى، وفي شَرَّرت: شَرَّيت[105]، وقال الجوهري في نتلعَّى: أصله نتلعَّعُ، ونقل عن يونس أنَّ لبَّى أصله لَبَّب... إلخ[106].
3- (أنَّ من المعمول به في مناهج البحث في العلوم الإنسانيَّة - ومنها اللغة - منهج قياس ما غاب عنَّا ممَّا لم نتمكَّن من ملاحظته والوقوف عليه من الظواهر الإنسانيَّة والاجتماعيَّة على ما نشاهده ونلاحظه منها، وذلك عن طريق جمع مادَّته ولَمِّ شوارده وتتبع تفاصيله، ثم محاولة البحث عن أوجه الاتّفاق والاختلاف بين ما حدث للقديم من تبدُّلات في ضوء ما نعرفه عن المعاصر لنا من خصائص ومزايا، بحيث تفسّر في ضوئه بعض الإشارات التي وجدت في التُّراث القديم ولَم نتمكَّن من فهم ظواهرها آنذاك، ونستلْهِمه في محاكمة ما لم يطَّرد منه من الشواهد والأمثِلة التي وردت على ألسِنة الفصحاء من العرب مع ما وضعه القدماء من اللغويين والنحاة من القواعد والقوانين.
وبناء عليه؛ فإنَّنا نرى أن هذا الإجراء اللغوي (الحذف للترخيم كما أوضحناه سابقًا) ممَّا ألِفَته اللغة العربية الفصحى - كما رأينا ذلك في الشَّواهد والأمثلة شعرًا ونثرًا - وورد على ألسِنة العرب الفصحاء، وسارتْ على نهجه لهجاتها القديمة والمعاصرة، وبقيت أثرًا واضحًا على وجود هذه الظَّاهرة اللغويَّة في اللغة العربيَّة، ودليلاً شاهدًا على فصاحة الموجود منها وأن له في العربية الفصيحة أصلاً.
4- (أن من الأصول المقررة عند القدماء من اللغويين والنحاة: أنَّ الحذف أخفّ من القلب أو الإبدال، وأنه قد يلتزم الحذْف لكثرة الاستعمال؛ لأن كثرة الاستعمال توجب التخفيف البليغ والحذف أبلغ في باب التَّخفيف من القلب وغيره، وأنَّه قد يُحذف ما يحتاج إليه استخفافًا، وأنه لا يصار إلى التأويل مع إمكان حمْل الشيء على ظاهِره لاسيما إذا لم يقمْ دليل على خلافه، ومتى أمكن حمل الشيء على ظاهره كان أولى؛ إذِ العدول عن الظاهر إلى غير الظاهر إنما يكون لمرجح[107]، ومتى أمكن حَمْل الشيء على ظاهره أو على قريب من ظاهره كان أوْلى من حمله على ما لا يشمله العقل أو على ما يخالف الظاهر جملة[108]، بل نجد عندهم أصْرح من ذلك وأوضح، فقد قال بعضهم: التأويل إنَّما يسوغ إذا كانت الجادَّة على شيء ثم جاء شيء يخالف الجادَّة فيتأوَّل[109]، نستنتج من هذه الأقوال وأشباهها أنَّ القول بحدوث الحذف في هذه الألفاظ للترخيم (بالمعنى الذي أوضحناه سابقًا) تأكيدًا لهذه الظَّاهرة في اللغة العربية الفصحى ولهجاتها القديمة والمعاصرة يتوافقُ مع ما ذهب إليه القدماء من اللغويين والنحويين باللجوء إلى الحذف طلبا للخفة، ومراعاة للظَّاهر البعيد عن التكلُّف، وحملا على ما تقبله قواعد اللغة ويسوغه نظامها.
الخاتمة
كثيرةٌ هي القضايا اللغوية التي تزخر بها اللغة العربية، مما أثار انتباه القدامى من اللغويين والنحاة وبعض الباحثين المحدثين، وحاولوا إيجاد تفسير وتعليل لمعظمها.
وما زال كثير منها يَحتاج إلى التأمُّل في مظاهرها وإعادة النَّظر فيما قاله القدماء من اللغويين والنُّحاة وبعض الباحثين المحدَثين عنها وتلمُّس حلول لها، ولعلَّ من تلك الظَّواهر التي أشار إليها القدماء من اللغويين والنحاة العرب وبعض الباحثين المحدثين ما وصفوه هم بإبدال الحروف السَّاكنة الصحيحة (الصوامت) حروف علَّة ولين (صوائت)، ومع اتِّفاق كلا الفريقين (القدماء من اللغويين والنُّحاة وبعض الباحثين المحدثين) على أنَّ هذه الظاهرة اللغوية التي أصابت بعض الألفاظ في اللغة العربية هي إبدال؛ حيث أبدل ثاني المثلين بحرف علة طويل أو لين (صائت) إلا أنَّهما اختلفا في التعليل والتفسير لأسباب حدوث ذلك في ألفاظ اللغة العربية، فقد ذهب القدماء من علماء اللغة العربية والنَّحو إلى أنَّ السَّبب وراء ذلك هو طلب الخفة، وقد نصُّوا عليه بعبارات مختلفة، ومع أنَّ هذا المسلك وأشباهه ملاحظ من أحوال اللغات، ويقبله نظامها الصَّوتي؛ لأنه نتيجة لعوامل طبيعية تتعلق باللغة نفسها، وميل أصواتها داخل البنية إلى الانسجام فيما بيْنها بالتخلص من الحروف الثقيلة على النطق، واستبدالها بحروف أخرى أخف على النطق؛ مما يحقق حدًّا أعلى من الأثر النطقي ولا يتطلَّب مجهودًا عضليًّا كثيرًا، فقد عزا بعض الباحثين المحدثين كثيرًا من التبدلات الصوتيَّة التي أصابت حروف اللغة العربية - على وجه العموم - وما نحن بصدده إلى عوامل التطوُّر التاريخي، وإلى ما يمكن أن تكون اللغة العربية قد ورثته من آثار أخواتها الساميات القديمة من تبدُّلات صوتية أصابت نظامها الصوتي.
وبمقارنة ما أثاره بعض المحْدَثين من علماء وباحثين من آراءٍ حوْل هذه الظَّاهرة في حروف اللغة العربيَّة التي أسْموها إبدال الحروف السَّاكنة الصَّحيحة (الصوامت) حروف علَّة ولين (صوائت)، وما توصَّلوا إليه من نتائج مع ما قاله القدماء من علماء اللغة العربية والنَّحو حول الظَّاهرة نفسها، تبيَّن لي أنَّ كلا التَّفسيرَين ليس قاطعًا بأنَّ هذا هو حقيقة ما حدث من تغْييرات صوتيَّة في هذه الألفاظ - لأسباب عرضناها في مكانها من هذا البحث - بل إنَّ بعض هذه التَّفسيرات والتعليلات تصادم قوانين اللُّغة، وبعضها مسائل ظنّيَّة لا بَّد فيها من تكلُّف ما لم يثبت دليلُه، أو يقوى احتِمال صحَّته؛ ولهذا عمدنا إلى طرح تفسير وتعليل آخَر لهذه الظَّاهرة اللغوية في اللغة العربيَّة يسلم من التعسُّف في التقدير والتكلُّف في التخريج والقول بما لا يشمله العقل أو يخالف القوانين اللغوية جملة، ويتَّصف بالسهولة في طريقة التعرف على حقيقة - ما نرجح - أنَّه حدث فعلا في هذه الألفاظ، وينسجم مع ما عُرِف من حال اللغة العربية بلهجاتها القديمة والمعاصرة وأحوال اللغات العالمية المنطوقة في سلوكها هذا المسلك اللغوي - الحذف للتَّرخيم (بالمعنى الذي أوْضحناه سابقًا) - في ميلها إلى التَّخفيف، ويتَّفق مع ذلك الإجراء اللغوي (التَّرخيم) الَّذي عرفه نظام اللغة العربية ونطق به عدد كبير من أبناء القبائل العربية قديمًا وحديثًا وفطن إليْه القدماء من اللغويين والنحاة ووصفوه بعبارات مختلفة في كتبهم. وعزوها - فيما رأينا - إلى طلب الخفَّة أو التخفيف بسبب أنَّ الصَّوتين المتماثلين يحتاجان إلى مجهود عضلي للنطق بهما دفعة واحدة، وأفرد له النّحاة العرب أبوابًا وفصولاً في كتبهم ومؤلفاتهم ورتَّبوا عليه بعض القواعد فيما أسموه الحذف للتَّرخيم على لغة مَن ينتظر آخر الكلمة المحذوف ولغة من لا ينتظر هذا المحذوف.
ونحن بعد هذا الَّذي عرضناه من حال اللُّغات التي وجد فيها هذا الإجراء اللغوي (الحذف للتَّرخيم بالمعنى الَّذي شرحناه سابقًا)، وحال اللغة العربية الذي نظنُّ أنَّه كان إجراء أصيلاً فيها بدليل كثرة المنقول منه، ووروده فيها، وتعدُّد مصادره - قُرآنا وشعرًا ونثرًا - حيثُ تلقَّاه القدماء من اللغويين والنحاة بالقبول، نرجِّح شيوع هذه الظَّاهرة في اللُّغة العربية استعمالاً، واطرادها قياسًا، بخلاف ما نصَّ عليه هؤلاء القُدماء من شذوذ ما ورد منها أُتِي به اضطرارًا، ونظنُّ أنَّنا متفقون مع كلٍّ مِن قدامى اللغويين والنحاة، وبعض الباحثين المحْدَثين على الغاية من المَيل إلى هذا الإجراء اللغوي (الحذف للتَّرخيم بالمعنى الَّذي شرحناه سابقًا)، وهو تلمُّس أيْسر السُّبل وأسهلِها للنطق بحروف اللغة تحقيقًا لأعلى حدٍّ من الأثر النطقي بأقلِّ جهد مُمكن من ناحية، وميلاً إلى الاقتصاد في المجهود العضلي للجهاز النطقي من ناحية أخرى... إلخ، بيْد أنَّنا قد اختلفنا معهم في التَّخريج، وافترقنا عنهم في التَّفسير والتَّعليل بناء على ما رأيناه من أحوال اللغات العالميَّة المنطوقة، وحال اللغة العربيَّة بلهجاتها القديمة والمعاصرة.