إنَّ ظاهرة حذف آخر الحروف في الكلمات (الترخيم) في الحروف السَّاكنة الصَّحيحة (الصوامت) شائعُ الاستعمال أيضًا في اللغة الفرنسيَّة إذا انتهت الكلِمة بحرف ساكن صحيح (صامت) - وهي وصف - وتُليت بكلِمة بُدئتْ بحرف ساكن صحيح (صامت) - اسم - نحو (petit aim) بمعنى (صديق صداقته ليست عميقة) في مقابل (peti gars')، وكذا (groz aim) بمعنى (صديق كبير في صداقته) في مقابل (gro gars') بمعنى (صبي عظيم)... إلخ، وكذا (l' k ete) بمعنى (صيف طويل) في مقابل (l' preta) بمعنى (ربيع طويل)[74].
وقد احتفظتِ اللغة الإنجليزيَّة المعاصرة في الرَّسْم ببعض الصِّيغ القديمة التي تشير إلى اختفاء بعض الحروف السَّاكنة الصَّحيحة (الصوامت) فيها في النطق إذا أتتْ في نهاية هذه الكلِمات، نحو (through) بمعنى (بين أو خلال) و (though) بمعنى (ورغم ذلك) وكذا (although) بمعنى (ولو أنَّ ومع أنَّ) ونحو (plough) بمعنى (فلح الأرض)... إلخ، ونكاد نسمع اختفاء الحرف السَّاكن الصحيح (الصامت) من نطق الإنجليز لبعض الألفاظ في اللغة الإنجليزية المعاصرة في أمثال (last time) بمعنى (في الزمن الماضي) و (Hammer) و (soccer)، ونحو (bugler) و (clear)... إلخ، حيث يلاحظ في هذه الصيغ وأمثالها اختفاء السَّاكن الصحيح (الصامت) من أواخر الكلمات عند النطق، مما يجعلنا نميل إلى القول: بأنَّ هذا الإجراء اللُّغوي الذي تعْمد إليه بعضُ اللغات - ومنها ما ذكرْنا - المتمثِّل في الحذف للحرف الساكن الصحيح (الصامت)، وإشباع حرف العِلَّة أو اللين (الصائت) الذي يقع قبله ليتولَّد عنه حرف علَّة أو لين طويل، هو إجراء لغوي تشترِك فيه معظم اللغات العالمية، وتفسر في ضوئه كثير من مشكلات الحذف الذي يقع فيها، ولا نعرف له سببًا واضحًا.
وتعدُّ اللغة العربية واحدة من تلك اللغات العالميَّة التي ترك فيها هذا الإجراء اللغوي (الحذف) - بعامَّة - وما نحن بصدده (حذف آخر اللفظ وإشباع الحركة التي قبله ليتولَّد عنها حرف علَّة طويل أو حرف لين للتَّرخيم (apocopation)، أو التَّخفيف) أثرًا واضحًا في بنْية كثير من الصِّيغ اللغوية العربيَّة، وقد أفرد لها القدماء من اللغويين والنُّحاة بعضَ الأبواب والفصول في مؤلَّفاتهم، وتناولوا ما يحدث من حذْف لبعض حروف الكلِمة الَّذي صنَّفوه إلى: حذف شاذّ، ليستْ له قواعد لُغويَّة تضبطه - وهو معظم ما ورد عن العرب ممثّلا لهذه الظَّاهرة - وآخر تلمَّسوا له بعض العِلل والتَّفسيرات، وحصروه في أضْيق نطاق، ومنه - مثلاً - ما أطلقوا عليه حذف بعض أجزاء الكلِمة في المنادَى المرخَّم، حيث قسموه إلى: حذف آخِر الكلمة على لغة مَن ينتظر المحذوف - وهنا قالوا: يبقى آخرها دون تغْيير من إعراب أو بناء - وحذف آخر الكلِمة على لغة مَن لا ينتظر المحذوف - وهنا قالوا: يعامَل آخر هذه الكلمة من الإعراب بما يعامل به آخرُ الكلمة وضعًا - ويعدُّ اسمًا تامًّا، ورتَّبوا على ذلك بعض القواعد والقوانين النحوية[75].
وهذه معالجة لهذه المسألة اللغويَّة التي شاعتْ في كثير من الألفاظ في اللغة العربية قاصرة - في رأْيِنا - ولا تقنع الباحِث المدقِّق في كثير ممَّا ورد عن العرب ممثّلاً لهذه الظَّاهرة اللغوية؛ فحذف بعض الكلِمة للتَّرخيم ليس مقصورًا على النداء في اللغة العربيَّة - كما أشار إليه النُّحاة - بل هو أوسع من ذلك بكثير، فقد ورد عن العرب حذف الضَّمير، وبعضه، وبعْض الحرف، وبعض الاسم، وبعض الاسم المقْرون بأل، وبعض الفعل... إلخ، فمن ذلك قول الشاعر: -
وَقَالُوا تَعَرَّفْهَا المَنَازِلَ مِنْ مِنًى
وَمَا كُلُّ مَنْ وَافَى مِنًى أَنْتَ عَارِفُ
فيمن أطلق القافية مع رفع لفظ (كل) ووجه ذلك أنَّه إذا رفع "كلاًّ" فلا بدَّ من تقدير الهاء ليعود على المبتدأ من خبره ضمير[76].
ومثال حذف بعض الضَّمير ما أنشده سيبويه عن بعض العرب:
دَارٌ لِسُعْدَى إِذْهِ مِنْ هَوَاكَا
أراد (هي) فحذف الياء من ضمير الغيبة للمؤنث ترخيمًا[77].
ومن أمثلة حذْف بعض الحرف قولهم (لَدُ) في (لَدُنْ) - في إحدى لغاتها -[78].
ومنه قول النجاشي:
فَلَسْتُ بِآتِيهِ وَلا أَسْتَطِيعُهُ
وَلاكِ اسْقِنِي إِنْ كَانَ مَاؤُكَ ذَا فَضْلِ
أراد: ولكن اسقني، فحذف النون من لكن[79].
وقال الشاعر:
تُحَاذِرُ وَقْعَ السَّوطِ خَوْصَاءُ ضَمَّهَا
كَلالٌ فَجَالَتْ فِي حِجَا حَاجِبٍ ضَمْرِ
يريد في حجاج حاجب.
وقال لَبيد:
دَرَسَ المَنَا بِمُتَالِعٍ فَأَبَانِ
وَتَقَادَمَتْ بِالحُبْسِ فَالسُّوبَانِ
أراد: المنازلَ.
وقال علقمة:
كَأَنَّ إِبْرِيقَهُمْ ظَبْيٌ عَلَى شَرَفٍ
مُفَدَّمٌ بِسَبَا الكَتَّانِ مَلْثُومُ
أراد: بسبائب[80].
وقال العجاج:
قَوَاطِنًا مَكَّةَ مِنْ وُرْقِ الحَمِي
أراد: الحمام، فحذف الميم الأخيرة للتَّرخيم في غير النداء، وأبدل من الألف ياءً كما يُبْدل من الياء ألف في قولهم مداري وعذاري، والأصل مدارى وعذارى[81].
ومثله قول خفاف بن ندبة السلمي:
كَنَوَاحِ رِيشِ حَمَامَةٍ نَجْدِيَّةٍ
وَمَسَحْتِ بِاللَّثَتَينِ عَصْفَ الإِثْمِدِ
أراد: كنواحي[82]، فحذف الياء تخفيفًا أو ترخيمًا في غير النِّداء - كما يراه النحاة - وأنشدوا لامرئ القيس بن حجر الكندي:
لَنِعْمَ الفَتَى تَعْشُو إِلَى ضَوْءِ نَارِهِ
طَرِيفُ بْنُ مَالٍ لَيلَةَ الجُوعِ وَالخَصَرْ
أراد: طريف بن مالك، فحذف الكاف من لفظ (مالك) ترخيمًا من غير أن يَكون منادى[83] - كما قرَّر النحاة - ومن شواهد حذْف الاسم المقْرون بأل ما أورده النحاة في باب الموصول:
مِنَ القَوْمِ الرَّسُولُ اللَّهِ مِنْهُمْ
لَهُمْ دَانَتْ رِقَابُ بَنِي مَعَدِّ
فقد ذهب بعض اللغويين القدماء إلى أنَّ (أل) هنا إنَّما هي بعض كلِمة أصلها (الذين) فحذف ما عدا الألف واللام، وقد ورد من ذلك أيضًا قول الشَّاعر:
وَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ
هُمُ القَومُ كُلُّ القَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ
أراد: وإنَّ الذين؛ بدليل ضمير جماعة الذُّكور في قوله (دماؤهم)، وعليه خرَّجوا قولَه تعالى ﴿ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ﴾ [التوبة: 69]؛ أي: كالذين خاضوا، وقد ورد من ذلك أيضًا قول الشَّاعر:
مَنْ لا يَزَالُ شَاكِرًا عَلَى الْمَعَهْ
فَهْوَ حَرٍ بِعِيشَةٍ ذَاتِ سَعَهْ
أراد: الَّذي معه، فحذف ما عدا الألف واللام،
ومثله قول الشَّاعر:
وَغَيَّرَنِي مَا غَالَ قَيْسًا وَمَالِكًا
وَعَمْرًا وَحُجْرًا بِالمُشقَّرِ أَلْمَعَا
يريد: الذين معه، فحذف ما عدا الألف واللام تخفيفًا.
ومن شواهد حذف بعض (الذي) ترخيمًا قول الفرزدق:
مَا أَنْتَ بِالحَكَمِ التُّرْضَى حُكُومَتُهُ
وَلا الأَصِيلِ وَلا ذِي الرَّأْيِ وَالجَدَلِ
أراد: الذي تُرضى، فحذف ما عدا الألف واللام.
ومن شواهد حذْف الفعل قولُ الشَّاعر:
نَادُوهُمُ: أَنْ أَلْجِمُوا أَلا تَا
قَالُوا جَمِيعًا كُلُّهُمْ: أَلا فَا
يقولون: إنَّ هذا الرَّاجز إنَّما أراد في الشَّطر الأوَّل: (ألا تركبون) فحذف ولم يبق إلاَّ التَّاء، ثم أشبع حركتها (الفتحة) فنتجتْ ألف، وحذف من الشَّطر الثَّاني الَّذي هو الجواب، فلم يبق إلاَّ حرف العطف، ثمَّ أشبع حركته (الفتحة) فنشأت ألف أيضًا، وأصله (ألا فاركبوا)... إلخ[84].
وإنَّما سقنا بعض هذه الشواهد لنؤكِّد وجود هذا الإجراء اللُّغوي (الحذف) - عامَّة - وما نحنُ بصدده، وأعني به (حذْف حرف أو أكثر من آخر الكلمة للترخيم - apocopation - وإشْباع حركة الحرف الَّذي قبله - أيًّا كان نوعها ضمَّة أو كسرة أو فتحة - لينتج عنها حرف من جنسها) - خاصَّة - في اللغة العربية، وقديمًا قالوا: إنَّ الحركة حرفٌ صغير، وكانوا يسمُّونها بأسماء الحروف التي هي منها، فقد أطلقوا على الضَّمَّة الواو الصَّغيرة، وعلى الكسرة الياء الصغيرة، وعلى الفتحة الألف الصَّغيرة، وأكَّدوا ذلك بقولهم: إنَّه متى أشبعت ومطلت الحركة أنشأت بعدها حرفًا من جنسِها، وقد أنشدوا على ذلك قول الفرزدق:
تَنْفِي يَدَاهَا الحَصَى فِي كُلِّ هَاجِرَةٍ
نَفْيَ الدَّرَاهِيمِ تَنْقَادُ الصَّيَارِيفِ
قالوا: يُريد دراهم وصيارف، فأشبع الكسرة على كلٍّ من الهاء والرَّاء، فنشأت ياء خالصة، وما أنشدوه لابن هرمة:
وَأَنْتَ مِنَ الغَوَائِلِ حِينَ تُرْمَى
وَمِنْ ذَمِّ الرِّجَالِ بِمُنْتَزَاحِ
قالوا: يريد بمنتزح، وهو مفتعل من النَّزح، فأشبع الفتحة فنتجت ألفًا خالصة، وقوله:
وَأَنَّنِي حَيْثُ مَا يَسْرِي الهَوَى بَصَرِي
مِنْ حَيْثُ مَا سَلَكُوا أَدْنُو فَأَنْظُورُ
يريد: فأنظُر، فأشبع الضَّمَّة الَّتي على الظَّاء، فنشأت واو خالصة، وقد علَّق ابن جنّي على ما أوْردْناه من شواهد بقوله: "فإذا ثبت أنَّ هذه الحركات أبعاض للحروف ومن جنسها، وكانت متى أشبعت ومطلت تمَّت ووفت جرت مجرى الحروف"[85].
والعجيبُ مِنْ مسْلك القدماء من اللغويين والنحاة في تعامُلهم مع هذا الإجراء اللغوي، ففي حين نجدهم يُثبتون قاعدة نحويَّة أو لغويَّة بقول واحد لعربي من البادية غير معروف، ومع اعتِرافهم أيضًا بكثرة المنقول ممثّلاً لهذه الظَّاهرة ووروده عن الفصحاء من العرب، فقد اضطرب موقفهم حوله - بعد إجْماعهم على أنَّ الحرف الثَّاني من المثلين في نحو (تقصَّص) أبدل إلى حرف علَّة أو لين (تقصَّى) - وطفقوا يحاكمونه في ضوء قرب هذا المبدل أو بعده من مقاييس العربية الفصحى، وخلصوا إلى اعتِبارها مظاهر شاذَّة غير مطَّردة في صياغة بعض الألفاظ في لغة العرب أُتي بها اضطرارًا.
فهذا سيبويه - أستاذ النحاة القدماء قاطبة - قد سمَّاه (باب ما شذَّ فأبدل مكان اللام الياء لكراهية التَّضعيف وليس بمطَّرد)، ومثَّل له بـ: تقصَّيت... إلخ، وقال في تعليل ذلك الإبدال غير المطرد - الخارج عن قواعد الإبدال: "أرادوا حرفًا أخفَّ عليهم منها وأجلد"[86].
بل وجدنا ابنَ جني يقول بعد عرض بعض الشَّواهد التي حذف فيها حرف أو أكثر من آخر الكلم في اللغة العربيَّة تخفيفًا (أو للترخيم): إنَّ العرب قد يحذفون بعض الكلم استخفافًا حذفًا يخلّ بالبقية ويعرض لها الشبه... إلخ[87].
وما قاله ابن جنِّي: وإن كان قد يتحقَّق في قليل جدًّا من الأمثلة التي عرضنا طرفًا منها، إلاَّ أنَّ الأعمَّ الأغْلب من هذه الشواهد تمثل مظاهر لهجيَّة فصيحة للغة العربية، سواء منها ما حذف في المنادى المرخَّم، أو ما حذف في غيره تخفيفًا، وقد قرئ بالحذف على الإجراء اللغوي الأوّل قوله تعالى: ﴿ يَا مَالِكُ لِيقْضِ عَلَينَا رَبُّكَ ﴾ [الزخرف: 77] هكذا "يا مالِ" بكسر اللام على لغة مَن ينتظر المحذوف، وهي قراءة عبد الله وعلي وابن وثَّاب والأعمش[88]، وعليها قول زهير بن أبي سُلمى:
يَا حَارِ لا أُرْمَيَنْ مِنْكُمْ بِدَاهِيَةٍ
وقول رؤبة بن العجَّاج:
جَارِيَ لا تَسْتَنْكِرِي عَذِيرِي
ونسب إلى الفرزدق:
يَا مَرْوَ إِنَّ مَطِيَّتِي مَحْبُوسَةٌ
تَرْجُو الحِبَاءَ وَرَبُّهَا لَمْ يَيْئَسِ
ونسب إلى عنترة قوله:
يَدْعُونَ عَنْتَرَ وَالرِّمَاحُ كَأَنَّهَا
أَشْطَانُ بِئْرٍ فِي لَبَانِ الأَدْهَمِ
وقال لبيد بن ربيعة:
يَا أَسْمُ صَبْرًا عَلَى مَا كَانَ مِنْ حَدَثٍ
إِنَّ الحَوَادِثَ مَلْقِيٌّ وَمُنْتَظَرُ[89]