وقال ابن جني في "الخصائص": "ومِن ذلك: استثقالهم المثلين حتى قَلَبوا أحدهما في نحو: أمليت وأصلها أَمْلَلْتُ، وفيما حكاه أحمد بن يحيى: أخبرَنا به أبو علي عنه من قولهم: لا وَرَبِّيك لا أفعل؛ يريدون: لا ورَبِّك لا أفعل، نعم، وقالوا في أشدّ من ذا: -
يَنْشَبُ فِي المَسْعَلِ اللَّهَاءِ
أَنشَبَ مِنْ مَآشِرٍ حِدَاءِ
وقالوا: يريدون حِدَادًا، فأبدلوا الحرف الثاني، وبينهما ألف حاجزة...، ومن ذلك قول العرب: (تسرَّيت) من لفظ (سرر)، وقد أحالتْه الصنعة إلى لفظ (سري)، ومثله (قصَّيت أظفاري) هو من (ق ص ص)، وقد آل بالصَّنعة إلى لفظ (ق ص ي)، وكذلك قوله:
تَقَضِّيَ البَازِي إِذَا البَازِي كَسَرْ
وهو في الأصل من تركيب (ق ض ض)، ثمَّ أحاله ما عرض من استثقال تكريره إلى لفظ (ق ض ي)، وكذلك قولهم تَلَعَّيت - من اللُّعاعة - أي خرجت أطلبها - وهي نبت - أصلها (ل ع ع)، ثم صارتْ بالصنعة إلى لفظ (ل ع ي)... وأشباه هذا كثير، ونقل عن أبي عبيدة أن العرب نقلت حروف المضاعف إلى الياء، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَقدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 10]، وهو من دسست، وقوله: ﴿ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ [البقرة: 259] من مسنون، وقولهم: (سُرِّية من تسرَّرْتُ، وتَلَعَّيتُ من اللُّعاعة)، ونقل عن الجوهري في "الصحاح": يقال حَسَيتُ بالخبر وأَحْسَيتُ به؛ أي: حَسَسْتُ وأَحْسَسْتُ يبدلون من إحدى السينين ياء... إلخ"[35].
ونقل عن صاحب الجمهرة قوله: "إنَّ التمطِّي أصله التمطُّط، فأبدلوه كما قالوا: تَقَضِّي البازي... وما أشبهه"[36].
وخصَّص ابن سِيده في كتابه "المخصص" بابًا عنونه باسم "باب المحول من المضاعف" وقد افتتحه بما قرَّره سيبويه من قوله: "هذا باب ما شذَّ فأبدل مكان اللام ياء كراهية التَّضعيف، وليس بمطَّرد عنده"، وذلك كقولك: تَسَرَّيتُ وتَظَنَّيت، وتقَصَّيتُ وأَمْلَيتُ... وكلّ هذا التَّضعيف جيِّد كثير، وعلى الرَّغم من قول أبي علي مِن أنَّ سيبويه يرى أنَّ بدل الياء في هذه الأحرف شاذّ، فقد جاء غيرها ممَّا لم يحصر، فمنه قوله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 9-10]، وأبدل الياء من السين الأخيرة، ثمَّ قلبها ألفًا لانفِتاح ما قبلها، وبعض ما قيل في قوله تعالى: ﴿ إِلَى طَعَاِمكَ وشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ [البقرة: 259] من أنَّ تقديره "لم يتسنن"، فقلبت النون الثانية ياءً، ثم قلبت ألفًا لتطرفها وانفتاح ما قبلها، وحذفها للجزم، ثم جعل مكانها هاء للوقف... قال العجَّاج:
تَقَضِّيَ البَازِي إِذَا البَازِي كَسَرْ
يريد تقضُّضه من الانقضاض، ويقال: تقصَّيت من القصَّة، وقد روي: فلان آمَى من فلان من قولك أممت، وهذا مثل: أمْلى في معنى أملَّ... إلخ[37].
يتَّضح لنا بعد هذه الإشارات السريعة إلى تناول القُدماء من علماء اللغة العربية والنحو لهذه الظاهرة عدم وقوفهم عليها كثيرًا، فلم يناقشوها مناقشةً تُقنِع الباحث المدقق في تفاصيلها جميعًا، ولم يحصروا مظاهرها كلها، وإنما أشاروا إليها إشاراتٍ عابرة، وكانت نصوصهم حولها متشابهة، وأحكامهم عليها متباينة، وتفسيرهم لحدوثها يعتريه الاضطرابُ إلاَّ ما ندر، بَيْد أنهم - تقريبًا - يُجمعون على أنَّ العربي قد عمد إليها في لغته؛ طلبًا للخفة في نطقه.
ب - عند الباحثين المحْدثين:
عزَا بعض الباحثين المحدَثين ممَّن وقف على هذه الظَّاهرة في حروف اللُّغة العربيَّة إلى عوامل خارجة عن بنية اللغة، وقد تعود مظاهرُها - في معظمها - إلى عوامل التَّطوُّر التاريخي لأصواتها، وما احتفظتْ به من آثار اللُّغات السامية القديمة، التي تنتمي إليها بصلة القُرْبى (الأكادية والأرامية والعبرية والحبشية... إلخ).
يقول د. إبراهيم أنيس: "إنَّ اللام والميم والنون من الأصوات الساكنة، وهي أكثرها شيوعًا في اللغة العربية، وأنَّها قد تحوَّلت في مرحلة من مراحل اللغة العربية إلى الياء والواو، من مثل: وشر ونشر، والوقص والنَّقص، والوكز واللكز، ولا تقتصِر هذه الظَّاهرة - في رأيه - على اللغة العربيَّة، بل الباحِث المدقِّق في كلمات اللغات السامية كالعبرية سيعثر على أمثال هذه الكلمات التي سقناها...، الواو والياء كانتَا إذًا أحد الأصوات الثلاثة (اللام والنون والميم)، وقد أدَّتْ عوامل التطوُّر اللغوي إلى هذا الانقلاب...، فاللام والميم والنون تكون مجموعة من الأصوات الساكنة، وهي أكثرها في اللغة العربية، ولا يبعد أن تكونَ هذه الحقيقة في كلِّ اللغات السامية"[38].
ويذهب د. بول كراوس في محاضراته - المحاضرة الرابعة - إلى أنَّ هذا الاعتلال (نصب ووصب) في اللغة العربية يُعزِّز صحَّة الرأي القائل بمدى العلاقة القوية بين أفعال معتلة وأخرى غير معتلة في العربية، وهو ما يؤكِّد أيضًا أن هذا الاعتلال قد حدث في مرحلة وسيطة بين المرحلة الثنائية والمرحلة الثلاثية، وأمثال هذه الاعتلالات التاريخيَّة وقعت في الكلمات في حقبة متقدمة من نحو الفعل (نفر) نجده في الحبشية (وفر)، وهي حالة تؤكد ما نلاحظه في العربية من قربى بين (نَصَب ووصب، ونشر ووشر).
وذهب النحاة العبرانيون إلى أنَّ ظهور الأفعال المعتلَّة الفاء أو اللام (وخز وقفا في نخز وقفر) قد نشأت عن تطوّر أفعال صحيحة ثلاثية[39].
وأشار رابين إلى أنَّ المصادر العربية ذكرتْ أنَّ طيئًا - من القبائل العربية القديمة - تقول: بقى وبقت مكان بقي وبقيت، وكذلك أخواتها من نحو رضي ونسي وفني، يجعلون الياء - نصف العلَّة - ألفًا، وهذا - حسب رأيه - تطور قد حدث في العبرية أيضًا[40].
ويرى برجستراسر أنَّ تبديل الواو والياء بالهمزة في حالة وقوعهما بعدَ فتحة مَمْدودة مثاله (قائم وسائر) إلى غيرهما هو أثرٌ باق في حروف العربية من آثار اللُّغات السامية القديمة، والدليل على ذلك أنَّ التبديل يرتقي إلى اللغة السامية الأُمّ، وهو أنَّا نجده في الآكادية والآرامية، بل يذهب إلى أنَّ الحرف المشدَّد هو حرفان مثلان متتاليان مدغمان في حرف واحد، وقد يفكُّ الإدغام ويصير الحرف المشدَّد حرفين مختلفين بقَلْب أوَّل نصفيه إلى حرف آخر مثل كلمة (السنبلة) في العربية أصلها (السُّبُّلة)، وهي في الآرامية كذلك؛ أي: باءان، وصارتْ أولاهما في العربيَّة نونًا[41].
ويذكر المطلبي تعقيبًا على إبدال الهاء من الياء في (هذي) أنَّ ذلك الإبدال شائعٌ عند بني تميم في الوقف المحض...، وفي الحقِّ أنَّ صلة الهاء بأصوات المدِّ معروفة تاريخيًّا في اللغات السامية، ولعلَّ ذلك واضح كلّ الوضوح في اللغة العربيَّة؛ إذ إنَّ صوت الهاء فيها من أصوات الاعتلال، ويعامل في حالة تطرُّفه في طائفة من الأفعال معاملة أصوات المد[42].
ممَّا سبق من آراء لبعض الباحثين المُحْدَثين ممن وقف على هذه الظاهرة في حروف اللغة العربية نلاحظ ميْل أصحاب هذه الآراء تصريحًا أو تلميحًا إلى الاعتقاد بأنَّ كثيرًا من التبدلات الصوتيَّة الَّتي أصابت حروفَ اللغة العربيَّة - كإبدال الحروف السَّاكنة الصَّحيحة (الصَّوامت) حروفَ علَّة ولين (صوائت) - إنَّما أتاها بسبب ما ذكروه مِن عوامل التطور التاريخي أو بعضه، وما تتركه من تغييرات على الحرف اللُّغوي مما يؤدِّي - في بعض آثاره - إلى أن ترث العربية بعضَ خصائص اللغات السامية القديمة، وتبقى فيها أثرًا ينميها إلى الأصل (الأم)، وتفسر في ضوئه معظم التبدلات الصوتية التي أصابتْ أصوات اللغة العربية.
مناقشة آراء القدماء من اللغويين والنحاة والباحثين المُحْدَثين:
نحن بعد سَرْد هذه الآراء للقدماء من اللُّغويين والنحاة مما عثرْنا عليه في المطولات من المعاجم وكتب اللغة ومؤلفات النحو والصَّرْف، وما ذهب إليه المحدَثون من الباحثين من أنَّ هذه التبدلات الصوتية التي أصابت حروف اللغة العربية (مما نحن بصدده) إنما أتاها طلبًا للتخفيف (كما رآه القدماء)، أو بسبب خارج عن بنية اللغة (كما ذهب إليه بعضُ الباحثين المحدَثين)، وقد عزوا مظاهره إلى عوامل التطوّر التاريخي لحروفها، وما احتفظت به من آثار اللغات السامية القديمة...إلخ، نقف على خلاف من وجوه عِدَّة، وسنأتي على بعضها.
فأمَّا القول بأن إبدالاً كهذا - إبدال الحروف الساكنة الصحيحة (الصوامت) حروف علة ولين (صوائت) - يعد من آثار اللغات السامية القديمة بقي شيء منه في العربية شاهدًا على التطور التاريخي لحروفها الذي تم عبر حِقَب تاريخية طويلة يفتقر - في ضوء ما رأيناه من أمثلة - إلى بيان، والقول به دون دليل يطلعنا على أطواره منذ نشأته، حتى استوائه ضَرْبٌ من تكليف علم الغيب في معرفته.
وقد كان القدماء - في رأيي - من علماء اللغة والنحو على طريق مستقيمة - إلى حدٍّ ما كما سنرى فيما بعد - في تعاملهم مع هذه الظاهرة، فقد أشاروا إلى وجودها في اللُّغة العربية في ألفاظ كثيرة لا تُحصَى، كما أشار إلى ذلك ابن سيده في "مخصصه" نقلاً عن أبي علي الفارسي[43]، ونبَّه ابن جني على كثرته في كتابه "الخصائص" في أكثر من موضع[44]، وقال الرضي: "والياء تبدل من أحد حرفي المضاعف... ومن الباقي مسموع كثير في أمليت وقصيت"[45].
ومع أنَّني أرى بأن هذه المسألة الصوتية هو إجراء لغوي تعمد إليه كثير من اللغات المنطوقة - كما سنراه فيما بعد - إلا أنَّ القدماء ظلُّوا ينظرون إليه على أنَّه إجراء شاذٌّ ونادر، مع كثرة المنقول منه عن العرب وفصاحته من حيث كان قياسُهم يأباه ولا يطرده، والاستعمال يجيزه.
وأمَّا أن حروف العلة واللين في بعض الألفاظ التي وردت في العربية كان أصلها اللام والميم والنون والراء - كما يراه بعضُ الباحثين المحدَثين - بناء على ما وجدوه من التعاقب بين حروف العلة واللين، وهذه الحروف الساكنة الصحيحة في اللُّغات السامية القديمة كالعبرية والآرامية والحبشية، وبعض الصيغ العربية، فلا ينهض - في رأيي - دليلاً على أنَّ ذلك إنما حدث بسبب التطوُّر التاريخي الذي تعرَّضت له اللغات السامية عامَّة، واللغة العربية بصفة خاصَّة؛ إذ لم يقدم لنا هذا الرَّأي تفسيراتٍ مقْنِعة للمراحل التَّاريخية، الَّتي سلكها الحرف منذ نشْأته، حتَّى استقرَّ على الصورة التي وصل إليْنا بها، وبناء على ذلك لا نستطيع بيان تسلسل التطوُّر الصوتي في هذا الإبدال بين حروف العِلَّة واللين (الصوائت)، وهذه الحروف الساكنة الصَّحيحة (الصوامت)، ولعلَّه قد مرَّ - إن سلَّمنا بصحَّة هذا الرَّأي - بمراحلَ شتَّى قبل أن يستقرَّ، كما أنَّه من الصَّعب الجزْم بأيّ من هذه الحروف هو الأصل وأيها هو الفرع، والنتائج التي توصل إليها هؤلاء الباحثون عن طريق قياس ما حصل لحروف اللغة العربية في ضوء هذا النزْر اليسير الَّذي علمناه من أحوال اللغات السامية القديمة، لا تقنع الباحِث المدقِّق بأن ذلك بعينه هو ما حدث فعلاً لحروف اللغة العربية.