وهذا الإبدال على نوعَيْن:
أحدهما: إبدال قياسي: وذلك عندما يكون للفظ صيغتان إحداهما: مقيسة صرفيًّا، وعليها مدار الاستِعْمال والشواهد تعضدها، والأخرى: مهْملة أو نادرة الاستعمال، وليس لها شواهد كافية تؤكِّد فصاحتها أو شيوع استِعْمالها.
الثاني: إبدال لغوي: وذلك عندما نرى للكلِمة صورتَين مستعْملتَين أو على الأقل جائزتَين في الاستعمال.
واللغويون قد قصروا عنايتهم على هذا النوع من الإبدال، وعدُّوه من سنن العرب؛ حيث يبدلون الحروف ويقيمون بعضها مقام بعض ويقولون: "مَدَهَهُ ومَدَحَهُ"، و "فرس رِفَلّ ورِفَنّ"[14]، ويقولون: "صَدَدْتُ وتَصْدِية[15]"، و "غَذّ وغَذَا"[16]، و "مَطَطْتُ ومَطَوْتُهُ"[17]... إلخ؛ حيث أبْدلَ - في رأيهم - أحد الصَّوتين المتماثلين المتجاورَين المدغمين في بعض ما ذكر من الأمثِلة إلى صوت علَّة طويل أو صوت لين، وسيأتي مزيدُ إيضاح لها فيما بعد.
تعريف الحرف الساكن الصحيح (الصامت) وحرف العلة واللين (الصائت):
يرى علماء الأصوات أنَّ الحرف السَّاكن الصَّحيح (الصامت) له مكان نطق محدَّد ينتج بقدر كبير من التوتُّر والاحتكاك، وربَّما غلْق كامل لمجرى الهواء ثمَّ فتحه فجأة[18]، وذلك بخلاف حرف العلَّة واللين (الصَّائت) الذي هو عبارة عن صوت مجهور يخرج مع الهواء عند النطق به على شكل مستمرّ من الحلق والفم، مع تغْيير يسير لوضع اللّسان ومجرى الفم وشكله أحيانًا، غير أنَّه لا يتعرَّض لتدخُّل الأعضاء الصوتيَّة الأخرى تدخُّلاً يمنع خُرُوجه أو يسبِّب فيه احتكاكًا مسموعًا[19]، وترتَّب على اختلاف كيفيَّة مرور الهواء الصَّاعد من الرئَتَين عبر القصبة الهوائية والتَّجويف الحنجري في حالتي النُّطق بكلٍّ من المجموعتين (الحروف الصَّحيحة وحروف العلة) أنَّ الحروف الصحيحة - على العموم - تختلف عن حروف العلة واللين، فالحروف السَّاكنة الصَّحيحة (الصَّوامت) لها مخارج ثابتة ومحدَّدة في الجهاز النطقي دون حروف العلَّة واللين الَّتي هي عبارة عن أصْوات متصاحبة مع هواء النَّفس الخارج من الجوف، وتنْفرد حروف العلَّة واللين (الصَّوائت) - عند علماء الأصوات المحْدثين - بميزة الوضوح السَّمعي؛ حيث تسمع من مسافة عندها قد تخفى الحروف الصَّحيحة أو يُخطأ في تمييزها، وهذه الميزة لحروف العلة واللين (الصوائت) دون الحروف الساكنة الصحيحة (الصوامت) إنَّما أتتْها من قبيل عدم الاحتِكاك الَّذي تتميَّز به عند النُّطق بها ممَّا جعلها أصواتًا موسيقيَّة منتظِمة قابلة للقِياس، خالية من الضَّوضاء، لها القدرة على الاستِمْرار، وهي بهذا تختلِف عن الحروف السَّاكنة الصَّحيحة (الصوامت) الَّتي هي عبارة عن ضوْضاء ناتجة عن الاحتِكاك[20].
ولاجتماع هذه الميزات الصوتيَّة في حروف العلَّة واللين (الصَّوائت) دون الحروف السَّاكنة الصَّحيحة (الصَّوامت) بالإضافة إلى سهولة نُطقها - كما نرى من التَّعريف السَّابق - جَعَلَها أيسر الحروف وأسهلها على الجهاز النطقي للمتكلم باللغة، الَّذي يميل بطبْعه إلى الاقتصاد في المجهود العضَلي، وتلمس أسهل السُّبُل مع الوُصُول إلى ما يهْدف إليْه من إبراز المعاني، وإيصالها إلى المتحدِّثين معه بهذه اللُّغة؛ فهو لهذا يميل إلى استِبدال السهل من أصوات اللغة بالصَّعب الشَّاقّ الذي يحتاج إلى مجهودٍ عضلي أكبر.
وحروف اللغة العربيَّة بقسميها (الساكنة الصحيحة والعلة واللين) تختلف فيما بينها صُعُوبة أو سهولة، انفتاحًا أو ضيقًا، وضوحًا أو خفوتًا؛ فحروف العلة واللين (الصوائت) المتسعة أوضح من الضيقة؛ أي: إنَّ الفتحة أوضح وأقلّ ثقلاً من الضَّمَّة والكسرة، كما أنَّ الحروف السَّاكنة الصَّحيحة (الصوامت) ليستْ جميعها ذات نسبة واحدة في ذلك، بل منها الأثقل كالهمزة[21]، واجتماع المثلَيْن في الكلِمة، والأَوْضح أيضًا كاللام والراء والنون على ألسِنتهم، فالأصوات المجْهورة أوضح في السَّمع من الأصوات المهموسة، وحروف العلَّة واللين (الصَّوائت) في اللغة العربيَّة هي ما اصطلح القدماء على تسْمِيته بحروف المدِّ واللِّين، وما عدا هذا فحروف ساكنة صحيحة (صوامت)، فنحنُ نرى بعد هذا كله أنَّ حروف العلَّة واللّين (الصَّوائت) أسهل وأوْضح وأكثر تردُّدًا في النطق من الحروف السَّاكنة الصحيحة (الصَّوامت)[22].
إبدال الحروف الساكنة الصحيحة (الصوامت) حروف علة ولين (صوائت):
اتَّفَق كلٌّ مِنْ قدامى علماء اللغة العربية والنحو مع المحْدثين على إبدال بعض الحروف الساكنة الصحيحة (الصوامت) في بعض ألفاظ اللغة العربية حروف مد ولين (صوائت)، بيد أنَّهم قد انقسموا فيما بينهم حول أسباب ذلك الإبدال، وعِلَله، وما يترتب عليه من إجراءات صوتية على قسمين:
أ- عند القدماء:
أشار القُدماء من علماء اللغة العربية والنَّحو إلى هذه المسألة الصوتية (إبدال الحروف الساكنة الصحيحة (الصوامت) حروفَ علة ولين (صوائت) في كتبهم ومؤلفاتهم ومختصراتهم، وزادوها وضوحًا وهم يُناقشون الظَّواهر الصوتية في اللغة العربية، مما يعود - في أساسه - إلى ما ذكروه من أمثال: اجتماع الأمثال مكروه[23]، و (الحرف الذي يضارع به حرف من موضعه، والحرف الذي يضارع به ذلك الحرف وليس من موضعه[24])، و (التخفيف للتضعيف[25]) ... إلخ، ولعلَّهم كانوا يريدون بذلك وأمثاله طلب الخفَّة والسهولة في نطق الحروف العربية، وما ذلك إلاَّ لأنَّ التضعيف يثقل على ألسنتهم، وأنَّ اختلاف الحروف أخفّ عليهم من أن يكون من موضع واحد، ألا ترى أنَّهم لم يجيئوا بشيء من الثلاثة على مثال الخمسة نحو ضَرَبَّبٍ، ولم يجئ فَعَلَّلٌ ولا فَعُلَّلٌ إلا قليلاً، ولم يبنوهن على فُعَالِلٍ كراهية؛ وذلك لأنَّه يثقل عليهم أن يستعملوا ألسنتهم من موضع واحد ثمَّ يعودوا له، فلمَّا صار ذلك تعبًا عليهم أن يداركوا في موضع واحد، ولا تكون مهلة كرهوه وأدغموا؛ لتكونَ رفعة واحدة، وكان أخفَّ على ألسنتهم مما ذكرت لك[26].
وقد يُقلب أحد الحروف المضعفة - من وجهة نظرهم - إلى حرف علَّة طويل، وذلك نحو: "تَغَلَّى في تَغَلَّلَ[27]، و "تَلَظَّى في تَلَظَّظَ[28]"، و "خَمَى في خَمَّ[29] "، وذلك بهدف التخفيف على الجهاز النطقي، ممَّا يدفع المتكلم بحروف اللُّغة إلى تجنُّب التحرُّكات النطقيَّة التي يمكن الاستغناء عنها، أو استبدالها بما هو أخفُّ منها في النطق، وهذه الغاية من استِبْدال حروف العلَّة واللّين (الصَّوائت) بالحروف السَّاكنة الصَّحيحة (الصوامت) عبَّر عنها ابن سِيده بقوله: "إنَّ حروف العلَّة أحقّ بالإبدال من كلِّ ما عداها من الحروف - يقصد السَّاكنة الصَّحيحة (الصَّوامت) - لاجتماع ثلاثة أشياء: طلب الخِفَّة، والكثرة، والمناسبة بين بعضِها وبعْض من جهة ما فيها من المدِّ واللين، ومن جِهة ما يمكن بها في الشعر والتَّلحين، ومن جِهة اتِّساع مخرجها على اشتِراكها في ذلك أجْمع، وكلّ واحد من المعاني الثَّلاثة يطالب بجواز الإبْدال، وأمَّا طلب الخِفَّة، فإنَّه إذا كان قلْب الواو إلى الياء في "ميقات" أخفّ من الأصْل الَّذي هو "مِوْقات"، فهو أوْلى منه؛ فالخفَّة تطالب به، وأمَّا الكثرة فإنَّ ما كَثُر في الكلام أحقُّ بالتَّخفيف، ولها كثرة ليست لغيرها من الحروف؛ لأنَّه لا يخلو كلمة منهنَّ أو من بعضهن؛ إذ لو أُشبعت الضمة لصارت واوًا، ولو أشبعت الفتحة لصارت ألفًا، ولو أشبعت الكسرة لصارت ياءً، فالكثرة تطالب التخفيف على ما بيَّنَّا.
وأمَّا المناسبة فتتطلَّب جواز قلْب بعض إلى بعض من غير إخْلال بالكلِمة، من قِبَل أنَّ المقارب للحرف يقوم مقام نفس الحرف، فكأنَّه قد ذكر بذكره نفس الحرف، وليس كذلك المتباعد منه، فلهذه العِلَّة من اجتماع الأسباب الثَّلاثة كانت أحقَّ بالإبدال من غيرها"[30].
وقال سيبويه: "باب ما شذَّ فأبدل مكانَ اللام الياء لكراهية التضعيف، وليس بمطَّرد:
وذلك قولك: تَسَرَّيت وتَظَنَّيت وتَقَصَّيت من القِصَّة، وأمليْت، كما أنَّ التاء في أَسْنَتُوا مبدلة من الياء، أرادوا حرفًا أخفَّ عليهم منها وأجْلد كما فعلوا ذلك في أتلج، وبدلها شاذّ هنا بمنزلتها في سِتٍّ، وكل هذا التَّضعيف فيه عربي كثير جيد"[31].
وقبل هذا الباب عَقَد سيبويه أيضًا في كتابه بابًا أسماه (باب ما شذَّ من المضاعف فشبه بباب أَقَمْت، وليس بمتلئب، وذلك قولهم: أَحَسْتُ يريدون أَحْسَسْتُ، وأَحَسْنَ يريدون أَحْسَسْنَ، وكذلك تفعل في كلِّ بناء تُبنى اللام من الفعل فيه على السُّكون، ولا تصل إليْها الحركة شبهوها بأقمت؛ لأنهم أسكنوا الأولى، فلم تكن لتثبت والآخرة ساكنة، فإذا قلت: لم أُحِسَّ لم تحذف؛ لأنَّ اللام في موضع قد تدْخله الحركة، ولم يبن على سكون لا تناله الحركة، فهم لا يكرهون تحريكها، ألا ترى أنَّ الذين يقولون: لا تَرُدَّ، يقولون: رَدَدتُّ؛ كراهيةً للتحريك في فَعَلْتُ، فلمَّا صار في موضع قد يحرِّكون فيه اللام من "رددت" أثبتوا الأولى؛ لأنَّه صار بمنزلة تحريك الإعراب إذا أدرك نحو "يقولُ ويبيعُ"، وإذا كان في موضع يحتملون فيه التَّضعيف لكراهية التَّحريك حذفوا؛ لأنَّه لا يلتقي ساكِنان، ومثل ذلك قولهم: ظِلْتُ ومِسْتُ، حذفوا وألقوا الحركة على الفاء، كما قالوا: خِفْتُ وليْس هذا النَّحو إلا شاذًّا، والأصل في هذا عربي كثير"[32].
وتحدَّث المبرِّد في "المقتضب" عن هذه الظَّاهرة في باب أفردَه لها بعنوان (باب ما شبه من المضاعف بالمعتلّ، فحذف في موضع حذفه)، وكان ممَّا قاله: "إنَّ التَّضعيف مستثْقل، وإنَّ رفع اللسان عنه مرَّة واحدة ثم العودة إليه ليس كرَفْع اللسان عنه وعن الحرف الَّذي من مخرجه، ولا فصل بينهما؛ فلذلك وجب ... ....، ولكن إذا وقع التضعيف للصيغ العربية، فإنَّ قومًا من العرب أبدلوا الياء من الثاني؛ لئلاَّ يلتقي حرفان من جنس واحد؛ لأنَّ الكسرة بعض الياء وأنَّ الياء تغلَّبتْ على الواو رِفعةً، فما فوقها حتَّى يصيرها ياءً، ولا يكون إلاَّ ذلك...، وذلك قولهم في تَقَضضت: تَقَضَّيتُ، وفي أَمْلَلْتُ: أَمْلَيتُ، وكذلك تَسَرَّيتُ في تَسَرَّرْتُ، والدليل على أنَّ هذا إنَّما أُبدل لاستثقال التضعيف، قولك: دينار وقيراط والأصل دِنَّارٌ وقِرِّاطٌ، فأبدلت الياء للكسرة، فلمَّا فرقت بين المضاعفين رجع الأصل، فقلب: دنانير وقراريط، وما خرج عمَّا ذُكِر ممَّا يرى أنَّه خالف أصل الموجود من الصِّيغ العربيَّة، وليس له علاقة ظاهرة عنده، وصفه بأنه شاذ جيء به لضرورة من وزن أو خلافه"[33].
وقال الزمخشري: والياء قد تُبدل من أحد حرفي التضعيف في قولهم أَمْلَيتُ، وقصَّيتُ، ولا ورَبِّيك لا أفعل، وتَسَرَّيتُ، وتَظَنَّيتُ، ولم يتَسَنَّ وتَقَضِّي البازي ... إلخ".
ولَم يزد ابنُ يعيش النحوي في شرحه لكلام الزمخشري عن وصْف كلِّ هذه المظاهر بأنَّ إبدال الياء فيها من هذه الحروف وأشباهها جاء شاذًّا، وأنَّها لا يُقاس عليها، ثم ساق الكلام على حسب ما ذكره صاحبُ الكتاب دون زيادة أو نقصان.
ويقول الرضي: "والياء تُبدل من أحد حرفي المضاعف...، ومن الباقي مسموع كثير، نحو أمليت وقَصَّيتُ "[34].