سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.
الحلقة التاسعة والثلاثون : الدكتور حسن الشافعي-رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وأستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، ورأيه في الاتساق المنهجي في كتابة البحوث وتحقيق المخطوطات.
يُعنى بالاتساق المنهجي في البحوث العلمية: أن يكون للباحث موقف واضح، ورؤية عقلية مؤسَّسة على الشواهد والأدلة، تنتظم جملة البحث كله؛ فلا يقرر في موضع خلاف ما يقرره في موضع آخر؛ فإن ذلك يشي بالتردد وتشتت الوعي، ويدفع القارئ للبحث إلى الحيرة، أو التشكك في رصانة الباحث ومصداقية البحث.
ومما يحقق الاتساق أن يلتزم الباحث بتحليل الوقائع والأفكار في تجرد وموضوعية، ولا يلوي زمامها، أو يتعسَّف في تأويلها لتوافق رأيًا سبق اعتناقه أو إيثاره، ولكن يدع السياق الفكري حُرًّا في تعامله مع المعطيات، بحيث تنشأ الأحكام والنتائج من المقدمات ذاتها وما تتضمنه من أفكار، ولقد أشرنا إلى هذا المعنى في "مبدأ الموضوعية"، وما نقصده هنا أن الالتزام بالنهج الموضوعي، وأمانة التحليل، ودقة التأويل، كلها مما يحقق الاتساق، ويضمن وحدة الرؤية وتوافق الأحكام، وبدونها يتراوح العقل بين المواقف المختلفة، وقد لا يتنبه إلى ما يتورط فيه من اضطراب.
ومما يحقق "الاتساق المنهجي" الالتزام بالاستدلال المنطقي الصارم، على مدى البحث كله، بل أن يكون ذلك ديدن الباحث في تفكيره العقلي وحياته العلمية كلها، وتنحية العاطفة جانبًا عند ممارسة العمل العلمي، إلا عاطفة "محبة الحقيقة" ذاتها، واحترامها والخضوع لها؛ فإن الكِبْر الحقيقي هو "بَطَر الحق وغَمْط الناس". ومن المؤسف أن حياتنا العقلية – لا تسلم – عند إجراء البحوث – من الانحياز الأيديولوجي، والميل عن السواء، والكيل بأكثر من مكيال واحد، وهنا يكون الاتساق البحثي هو الضحية، ولا يفطِن الباحث إلى ما يرتكبه بسبب ذلك من أخطاء في حق المنهج العلمي، ومن التورط في نتائج وأحكام لا تشهد لها الوقائع المجردة، ومن اتساع الفجوة بينه وبين قارئه، الذي هو خير ناقد لعمله، كما يفقد تعاطف مشرفه أو مشاركيه في العمل العلمي.
ولعل مما يحقق "الاتساق" في بحوثنا العلمية، في مجال الدراسات الإسلامية أن نلتزم بالمنهج الذي يرسمه علم أصول الفقه، والذي نماه المتكلمون المسلمون، فأسباب العلم للخالق ثلاثة: الحواس السليمة، والخبر الصحيح، والعقل. وليس من بينها الروئ والأحلام، ولا الظنون والأوهام؛ فإن الظن لا يغني من الحق شيئًا.
وكثيرًا ما يبالغ الباحثون الشباب قبل استحكام عكَّاتهم البحثية أنهم سيتبعون المنهج الفلاني مقرونًا بالمنهج العلاني، وكلها عبارات وكلمات، وأهم شيء هو مسلك الباحث الواقعي في بحثه، والتزامه القيم المنهجية، وصرامة استدلاله المنطقي، وحرصه على التواضع للحقيقة وحب الإنصاف. والله الموفِّق.
المصدر: المدخل إلى مناهج البحث وكتابة البحوث وتحقيق المخطوطات، د. حسن الشافعي، ص 89، 90.
إعداد: مصطفى يوسف