عندَما قالَ جبران: « لكم منها الألفاظُ وترتيبُها، ولي منها ما تومئُ إليه الألفاظُ ولا تلْمَسُه،
ويصبو إليه التّرتيبُ ولا يبلُغُه. لكُم منها جُثٌ محنَّطةٌ باردةٌ،تحسبونَها الكلَّ بالكلِّ، ولي منها
أجسادٌ لا قيمةَ لَها بذاتها بل كلُّ قيمتِها بالرّوحِ التي تحلُّ فيها ... »
لم ينتبه إلى أنّ ابنَ جنّيّ في الخَصائصِ قَد نَفى عن العرب والعربيّة تلك التُّهَمَ التي رَماهُم
بِها و فعلَ مثلَه مَن قبلَه ، ولكنّ سوء ظنّ جبْران حَمَلَه على الاتّهامِ الباطِلِ والإتْيانِ في مقالَتِه
بالكذبِ ، استَمِعْ إلى ابن جنّي وهو يردّ على أسلاف جبْران في القُرون الأولى، الذينَ اتَّهَموا
العربَ بالعناية بالألفاظ وإغفالها المعاني :
« بابٌ في الرّدِّ على مَن ادَّعى عَلى العَربِ عِنايتَها بالألفاظِ وإغفالَها المَعانِيَ :
اِعلمْ أنّ هذا البابَ مِن أشرفِ فُصول العَربيّة، وأكرمِها، وأعلاها، وأنزَهِها. وإذا تأمَّلتَه عرَفتَ منه وبه
ما يُؤنِقُكَ، ويَذهبُ في الاستحسانِ له كلِّ مَذهبٍ بكَ. وذلكَ أنّ العربَ كما تُعْنى بألفاظِها فتُصلحُها
وتُهذّبُها وتُراعيها، وتلاحظُ أحكامَها، بالشعْرِ تارةً، وبالخُطبِ أخرى، وبالأسْجاعِ التي تلتزمُها وتتَكلفُ
استمرارَها، فإنّ المعَانيَ أقوى عندَها، وأكرمُ عليها، وأفخمُ قدراً في نُفوسها.
فأوّلُ ذلكَ عنايتُها بألفاظها. فإنّها لَمّا كانت عُنوانَ مَعانيها، وطَريقاً إلى إظهارِ أغراضِها، ومَراميها، أصْلحوها
ورَتّبوها، وبالغوا في تَحبيرها وتَحسينها، ليكونَ ذلكَ أوقعَ لها في السّمعِ، وأذهبَ بها في الدلالة على
القصدِ، ألا تَرى أنّ المَثَلَ إذا كانَ مَسجوعاً لذَّ لسامعِه فحَفِظَه، فإذا هو حَفظَه كانَ جديراً باستعمالِه،
ولو لم يَكنْ مَسجوعاً لم تَأنسِ النّفسُ به، ولا أنقَتْ لمُسْتَمَعِه، وإذا كان كَذلكَ لم تَحفظْه، وإذا لم تحفظْه
لم تُطالبْ أنفُسَها باستعمالِ ما وُضِعَ له، وجيءَ به من أجلِه ... »
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ج: 1 ، باب في الرّدّ على مَن ادّعى
على العَرَب عنايتَها بالألفاظ وإغْفالَها المَعانيَ