المَبحَثُ الرابع
التَّقدِيمُ
وقَد يَضطَرُّ الشَّاعِرُ أنْ يَضَعَ الكَلامَ فِي غَيرِ مَوضِعِهِ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُوضَعَ فِيهِ، ويُزِيلُهُ عَنْ قَصدِهِ الَّذِي وُضِعَ لَهُ، والَّذِي لا يَحسُنُ فِي الكَلامِ غَيرُهُ، ويَعكِسُ أحيَاناً الإعرابَ، فيَجعَلُ الفَاعِلَ مَفعُولاً، والمَفعُولَ فاعِلاً، ويُقدِّمُ ما حَقُّهُ التَّأخِيرُ، ويُؤخِرُّ ما حَقُّه التقدِيمُ، وأَكثَرُ ما يَجرِي ذلِكَ فِيما لا يُشكِلُ مَعناهُ، فَمِنْ ذلِكَ قَولُ الشَّاعِرِ: (من البسيط)
لَمَّا رَأَى طالِبُوهُ مُصعَبَاً ذُعِرُوا ** وكَادَ، لَوْ سَاعَدَ المَقدُورُ، يَنتَصِرُ 69
وقد تأخَّر خبر كاد، وهو جملة " ينتصر " ، وحقُّه أن يتقدَّمَ على الجملة الاعتراضية " لو ساعَدَ المقدُورُ ".
وقولُهُ: (من الطويل)
كَسَا حِلمُهُ ذا الحِلمِ أثوابَ سُؤدَدٍ ** ورَقَّى نَدَاهُ ذا النَّدَى فِي ذُرَى المَجدِ 70
وقولُهُ: (من الطويل)
ولَو أنَّ مَجدَاً أَخلَدَ الدَّهرَ واحِداً ** مِن النَّاسِ أَبقَى مَجدُهُ الدَّهرَ مُطعِما 71
وقوله: (من الطويل)
جَزَى رَبُّهُ عنِّي عدِيَ بنَ حاتِمٍ ** جَزَاءَ الكِلابِ العَادِياتِ، وقد فَعَلْ 72
وقوله: (من البسيط)
جَزَى بَنُوهُ أبا الغِيلانِ عن كِبَرٍ ** وحُسنِ فِعلٍ كما يُجزَى سِنِمَّارُ 73
فلو كانَ الضَّمِيرُ المتَّصِلُ بالفَاعِلِ المتقَدِّمِ عائِداً علَى ما اتَّصَلَ بِالمفعُولِ المُتأَخِرِ امتَنَعَتِ المَسأَلةُ.
وقولُهُ: (من البسيط)
جاءَ الخِلافَةَ أو كانَتْ لَهُ قَدَراً ** كَما أَتَى رَبَّهُ مُوسَى علَى قَدَرِ 74
تَقَدَّمَ المَفعُولُ بِهِ " ربَّه " علَى الفَاعِلِ " مُوسَى "، وكانَ حقُّهُ التأخِيرَ مَعَ أنَّ فيهِ ضَمِيراً يعودُ علَى متأخِرٍ لَفظاً ورُتبةً.
ومن التقديمِ أيضاً تقديمُ المفعولِ بِهِ علَى الفاعِلِ. ومن ذلِكَ قَولُهُم: (من الطويل)
تَزَوَّدْتُ مِن لَيلَى بِتَكلِيمِ سَاعةٍ ** فَمَا زَادَ إلَّا ضِعفَ ما بِي كلامُها75
وعندَما يَكُونُ الخَبَرُ مَحصُوراً بإنَّما، نحو: " إنَّما زَيدٌ قائِمٌ " أو بـ " إلَّا "، نحو: " ما زَيدٌ إلَّا قائِمٌ "، وهو المُرادُ بِتَقدِيمِ المبتدأِ وحَصرِ الخَبَرِ، فلا يجوزُ في المثاليْنِ تقديمُ " قائم " على " زَيد "، وقد جاءَ التقدِيمُ مَعَ " إلَّا " شُذُوذَاً، كَقولِ الشَّاعِر: (من الطويل)
فيا رَبِّ هل إلَّا بِكَ النَّصرُ يُرتَجَى ** علَيهِم؟ وهلْ إلَّا علَيكَ المُعوَّلُ 76
والأصلُ: " وهلِ المُعَوَّلُ إلَّا علَيكَ" فَقَدَّمَ الخَبَرَ.
ولا يَجُوزُ تَقدِيمُ الخَبرِ علَى الَّلامِ، فلا تَقُولُ: " قَائِمٌ لَزَيدٌ "، لأنَّ لامَ الابتِداءِ صَدرُ الكَلامِ، وقد جاءَ التَّقدِيمُ شُذُوذَاً، كَقَولِ الشَّاعِر: (من الكامل)
خالِي لَأَنتَ، ومَنْ جَرِيرٌ خالُهُ ** يَنَلِ العَلاءَ، ويُكرِمِ الأَخوَالا 77
والأصل: " لأنتَ " مبتدأ مؤخر، و" خالِي " خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.
وبعد فإنَّ التَّقدِيمَ هُوَ وَضعُ الكَلامِ فِي غَيرِ مَوضِعِهِ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُوضَعَ فِيهِ، والَّذِي لا يَحسُنُ فِي الكَلامِ غَيرُهُ، ويُقدِّمُ ما حَقُّهُ التَّأخِيرُ، ويُؤخِرُّ ما حَقُّه التقدِيمُ، وأَكثَرُ ما يَجرِي ذلِكَ فِيما لا يُشكِلُ مَعناهُ، فرأينا تقديمَ الخبرِ علَى المُبتدأِ، والمفعولِ به علَى الفَاعِلِ، وتأخيرِ الخبرِ، وهذِهِ الحالاتُ جاءَتْ فِي الشِّعر ضَرُورةً.
المبحث الخامس
الإبدال
وقد يُبدِلُونَ الحَرفَ مِن الحرفِ فِي الشِّعرِ فِي الموضِعِ الَّذِي لا يُبدَلُ مِثلُهُ فِي الكَلامِ لِمعنًى يُحاوِلُونَهُ، من تَحرِيكِ ساكِنٍ، أو تَسكِينِ مُتَحرِّكٍ لِيستَوِيَ وَزنُ الشِّعرِ بِهِ، أو رَدَّ شَيءٍ إلَى أصلِهِ أو تَشبِيهِهِ بِنظِيرِهِ، وقد يُبدِلُ بَعضُ العَرَبِ حُرُوفاً مِن حُرُوفٍ لا تَجرِي مُجرَى الضَّرُورةِ، لأنَّ ذلِكَ لُغَتُهُم كَإبدالِ بَنِي تَمِيمٍ العَينَ من الهمزةِ، كقولِ ذِي الرُّمَّةِ: ( من البسيط )
أَعَنْ تَرَسَّمْتَ مِن خَرقاءَ مَنزِلَةً ** ماءُ الصَّبَابَةِ مِن عَينَيكَ مَسجُومُ 78
أَرَادَ: أَأنْ تَرَسَّمتَ، وإنَّما يَفعَلُونَ هذا فِي الهمزَتَينِ إذا اجتَمَعَتَا كراهِيةً لاجتِماعِهِما، وهذا الَّذِي يُسمَّى عَنعنةَ تَمِيمٍ.
واستَدَلُّوا علَى فِعليَّةِ " أَفعِلْ " فِعلِ التَّعجُّب بِدُخُولِ نُونِ التَّوكِيدِ علَيهِ في قولِهِ: (من الطويل )
وَمُستَبدِلٍ مِن بَعدِ غَضبَى صُرَيمَةً ** فَأَحرِ بِهِ مِن طُولِ فَقرٍ وأَحرِيَا 79
أرادَ " وأَحرِيَنْ " بنونِ التَّوكِيدِ الخَفِيفَةِ، فأبدلَها ألفاً في الوَقفِ.
وأُبدِلَتْ نُونُ التَّوكِيدِ الخَفِيفَة في الفِعلِ المضارِعِ الواقِعِ بَعدَ " لم " كقولِهِ: (من الرجز)
يَحسَبُهُ الجاهِلُ ما لَم يَعلَمَا ** شَيخاً علَى كُرسِيِّهِ مُعَمَّما 80
وتَسكِينُ عَينِ " مَعَ " ضَرُورةٌ فِي الشِّعرِ، وهِيَ بِالأَصلِ اسمٌ لِمَكانِ الاصطِحابِ أو وَقتِهِ، والمَشهُورُ فِيها فَتحُ العَينِ، وفَتحَتُها فَتحَةُ إعرابٍ، ومِن العَرَبِ مَنْ يُسَكِّنُها، ومِنهُ قَولُهُ: (من الوافر)
فَرِيشِي مِنكُمُ، وهَوايَ مَعْكُم ** وإنْ كانَتْ زِيارَتُكُم لِمَامَا
وزعَمَ سيبويهِ أنَّ تَسكِينَها ضَرُورةٌ .
ومِن ذلِكَ أيضاً تَسكينُ عَينِ " زفرات " فِي الشِّعرِ ضَرُورةً، كَقَولِهِ: (من الكامل)
وَحُمِّلْتُ زَفْرَاتِ الضُّحَى فَأَطَقْتُهَا ** وما لِي بِزَفْرَاتِ العَشِي يَدَانِ 81
فَسَكَّنَ عينَ " زَفَرات " ضَرُورةً، والقِياسُ فَتحُها إتباعاً.
وفي الصرفِ قد يَلجأُ الشاعِرُ إلَى الضَّرُورةِ، فمصدَرُ الفعل المعتلِّ على زنة : " تَفَعَّلَ " يأتي " تَفْعِلة "، وقد جاء في الشِّعرِ: (من الرجز )
بَاتَتْ تُنَزِّي دَلوَها تَنَزِّيا
والقِياسُ: " تَنزِية "، وقَولُهُم فِي مَصدَرِ : حَوقَلَ حِيقَالاً ، وقِياسُهُ: حَوقَلة، نحو: دَحرَجَ دَحرَجَةً ، ومِن وُرودِ " حَيقال ": ( من الرجز )
يا قَومِ قَد حَوقَلْتُ أو دَنَوتُ ** وشَرُّ حِيقالِ الرِّجالِ الموتُ 83
الخاتمة وأهمُّ النتائِجِ:
وهكذا تَبيَّنَ لنا أنَّ ـ " الضَّرُورةُ الشِّعريَّةِ " إنَّما هِيَ مَجمُوعَةٌ مِن الظَّواهِرِ اللغَويَّةِ المُختَلِفَةِ الَّتِي نَجِدُها مَبثُوثَةً فِي كُتُبِ النَّحو وكُتُبِ النقدِ الأدبِيِّ القَدِيمِ.
وقد تَعَدَّدَتِ آراءُ النَّحاةِ فِي تَفسيرِ مَفهُومِ " الضَّرُورةِ الشِّعرِيَّةِ "، فَذَهَبَ بَعضُهُم إلَى إطلاقِها علَى كُلِّ ما جاءَ فِي الشِّعرِ، سَواءٌ كانَ للشِّاعِرِ عنهُ مَندُوحةٌ أم لا. ومِنهُم مَنْ رأَى أنَّها ما يَضطَرُّ الشَّاعِرُ إلَيها اضطِراراً، بِحيث لا تَكُونُ لَهُ عنهُ مَندُوحةٌ، ومِنهُم مَنْ يَرَى غيرَ ذلِكَ.
والدِّراسةُ تَحدَّثتْ عنِ الضَّروراتِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي (شَرح ابنِ عقيل )، موزَّعةً علَى خمسة مَباحثَ، هي: مفهوم الضرورة، والزِّيادةُ، والحذفُ، والتقديم والإبدالُ. وقَد وضَّحَتْ هذهِ الدِّراسةُ آراءَ مَنْ سَبَقَ ابن عقيل، وفَصَّلَتِ القَولَ فِي آرائهِم بِحَسبِ انتِماءاتِهِم النَّحويَّة.
وأهمُّ النتائِجِ الَّتِي تَمَّ التَّوَصُّلُ إلَيها هي:
1_ خُصُوصِيَّةُ لُغةِ الشِّعرِ، وتَميُّزُها عن لُغَةِ النَّثرِ.
2-بَيانُ أنَّ " الضَّرُورةَ الشِّعرِيَّةَ " عندَ أغلَبِ الدَّارِسينَ إنَّما جاءَتْ وَفْقَ مُستَوى لُغوِيٍّ مُعيَّن.
3-المُحافَظةُ علَى المعنَى، والحِرصُ علَى أَمنِ اللَّبسِ فِيهِ، ولا بُدَّ من الاستِعانَةِ بِقَرائِنَ نَحويَّةٍ وصَرفِيّةٍ وصَوتِيَّةٍ.
4- لم يُميِّزْ ابنُ عقِيل بَينَ الضَّرُورةِ الشِّعريَّة وبَينَ الشَّاذِّ وعَدَّهُما فِي الحُكمِ سَواءً، فكانَ يقولُ: هذا ضَرُورةٌ أو شَاذٌّ.
--------------------------
المصادر والمراجع:
1- ارتشاف الضَّرَب من لسان العرَب: أبو حيان الأندلسيِّ محمد بن يوسف الغرناطي (745هـ)، تحقيق: د.رجب محمد عثمان، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط1، 1998م.
2- الأصول في النحو: أبو بكر محمد بن سهل بن السراج النحوي البغدادي (ت316هـ)، تحقيق: د.عبدالحسين الفتلي، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1405هـ-1985م.
3- أصول النحو العربي: د.محمد خير الحلواني، مطبعة جامعة تشرين، 1979م.
4- الاقتراح في علم أصول النحو: عبدالرحمن جلال الدين السيوطي (ت911هـ)، تحقيق وتعليق: د.حمدي عبدالفتاح مصطفى خليل، مكتبة الآداب، القاهرة، ط5، 1434هـ-2013م.
5- خزانة الأدب ولبُّ لباب لسان العرب: عبدالقادر البغدادي (ت1093هـ)، تحقيق وشرح: عبدالسلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط3، 1989م.
6- الخصائص: أبو الفتح عثمان بن جني (ت392هـ)، تحقيق: محمد علي النجار، عالم الكتب بيروت، ط2، 1431هـ-2010م.
7- ديوان جرير بن عطية: تحقيق: نعمان أمين طه، دار المعارف، القاهرة، 1976م.
8- ديوان ذي الرُّمة غيلان بن عقبة العدوي: شرح الإمام أبي نصر أحمد بن حاتم الباهلي صاحب الأصمعي، رواية الإمام أبي العباس ثعلب (ت 291هـ)، تحقيق: د. عبدالقدوس أبو صالح، مطبعة طربين، دمشق، 1392هـ_ 1972م.
9- ديوان الفرزدق، همام بن غالب ( ت110هـ )،تحقيق: عبدالله الصاوي، مطبعة الصاوي، القاهرة،1936م.
10-ديوان النابغة الذبياني، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم،ط2، دار المعارف، القاهرة، 1985م.
11- شعر الأحوص الأنصاري: جمع وتحقيق عادل سليمان جمال، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة، 1970م.
12-شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك: بهاء الدين عبدالله بن عقيل الهمداني (ت769هـ)،تحقيق: محمد محيي الدين عبدالحميد، المكتبة العصرية، بيروت وصيدا، 1428هـ-2007م.
13-شرح التسهيل: محمد بن مالك الأندلسي (ت672هـ)، ومعه تتمة شرح التسهيل لابنه بدر الدين، تحقيق: د.عبدالرحمن السيد، ود.محمد بدوي المختون، دار هجر، القاهرة، ط1، 1990م.
14-ضرائر الشعر: ابن عصفور أبو الحسن علي بن مؤمن الإشبيلي ( 663هـ ) ، تحقيق: السيِّد إبراهيم محمد، بيروت، دار الأندلس ، ط1، 1980م.
15-الضرائر وما يسوغ للشاعر دون الناثر: محمود شكري الآلوسي، شرح محمد بهجت الأثري، المطبعة السلفية، القاهرة، 1341هـ .
16-فصول في فقه اللغة العربية: د.رمضان عبدالتواب، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط4،1417هـ-1997م.
17-الكتاب: سيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر (ت180هـ)، تحقيق: عبدالسلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط4، 1425هــ-2004م.
18-لسان العرب: ابن منظور، محمد بن مكرم الإفريقي المصري (ت711هـ)، دار صادر، بيروت، 1956م.
19-لغة الشعر دراسةٌ في الضرورة الشعرية: د.محمد حماسة عبداللطيف، دار الشروق، القاهرة، 1416هـ-1996م.
20-المستوى اللغوي للفصيح وللهجات وللنثر والشعر: د.محمد عيد، عالم الكتب، القاهرة، 1981م.
21-مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: عبدالله بن يوسف ابن أحمد، ابن هشام المصري الأنصاريُّ (ت761هـ)، قدم له وشرحه ووضع حواشيه: حسن حمد، وأشرف عليه: د.إميل يعقوب، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1418هـ-1998م.
22-المقتضب: لأبي العباس محمد بن يزيد المبرِّد (ت285هـ)، تحقيق: حسن حمد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1420هـ-1999م.
23-من أسرار اللغة: د.إبراهيم أنيس، مكتبة الأنجلو المصرية، ط6، 1978م.
--------------------