عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-18-2016 - 09:45 AM ]


وعلى ذلك فإن على العرب أن يدركوا ما يعنيه اقتصاديًّا وثقافيًّا وسياسيًّا قرار منظمة التجارة العالمية بعدم اعتبار اللغة العربية ضمن لغاتها الرسمية، وفي المقابل، ما يعنيه من مزايا القرار الذي اتخذه أخيرًا المجلس الدولي للأرشيف – من حيث المبدأ – باعتبار اللغة العربية ضمن لغاته الرسمية.

متى يتكلم الطب العربية من جديد؟
قد يبادر البعض فيقول: كأنكم تريدون عزلة ورفضًا لثقافات الآخرين ولغاتهم، بزعم أن ذلك يخالف أعرافنا ويناقض قيمنا!. إن ذلك غير صحيح على الإطلاق، فالحقيقة أننا نريد الانتفاع إلى أقصى حد بكل ما في الثقافات من علوم حديثة وتقنيات رفيعة المستوى، ونرحب بأن يتعلم المرء لغة واثنتين وثلاثًا، وما أسعفته به قدرته على استيعاب ما يستطيع من لغات ومعارف، يسهم بها ومن خلالها في إثراء التنوع الثقافي للبشرية كلها.

إن الشأن الآن ليس شأن حديث العلم باللغة العربية، أو أن يعود الطب وحده فيتكلم بالعربية، إن الأمر يتجاوز اللغة إلى السياسة، وإلى الاقتصاد، وإلى الاجتماع، وإلى كل جوانب الحياة بعد أن تلاحقت موجات ما يسمى "بالعولمة" وخاصة في ظاهرة ما يسمى: بالشركات عابرة الجنسيات، أو عابرة القوميات... إن القرار الاقتصادي يؤدي بغير مواربة إلى قرار ثقافي، وبشكل أوضح، إن الذين يقررون شكل اقتصادنا، يأتي في قرارهم ضمنًا – حتى ولو بدون نية مبيتةً – اللغة التي يتكلم بها هذا الاقتصاد، في قراراته، في بحوثه، في مخاطباته، في مكاتباته، حتى في محادثاته المحدودة.

لقد شهدنا كثيرًا من المؤتمرات الاقتصادية التي يتحدث فيها قومنا بلغة أصحاب القرار الاقتصادي، وهي غير اللغة العربية يقينًا، حتى وإن كان المؤتمر منعقدًا على أرض عربية. ولا يقتصر الأمر على الاقتصادي فحسب، بل ينسحب على السياسي والثقافي... الخ.

ونحن نرى الآن – في كثير من بلادنا – أن اللغة الرئيسة في شركات الاستثمار الوافدة، أو في فروع المصارف العالمية هي اللغة الإنجليزية، التي توشك أن تكون لغة الأسواق المالية والتجارية والاتصال عامة.

ولعل هذا هو ما أدى إلى أن تكون هناك أقسام – ببعض جامعات البلاد العربية – يتم التدريس فيها باللغة الإنجليزية أو الفرنسية، وعلى الأخص في كليات التجارة والحقوق، حتى يجد الخريجون فرصًا لهم في سوق العمل.

أي أننا ونحن نسعى إلى تعريب "الطب"، نجد مجالات أخرى قد انفتحت، لإحلال لغة أجنبية للتدريس مكان لغتنا القومية، بتأثير ما يقال عن ضرورة ذلك، لتلبية ضرورات سوق العمل. بما يعني أن هذا الاستخدام للغات الأجنبية، جاء بمقتضى ضرورة لا نملك لها دفعًا!!

وفي طريق البحث عن حل
علينا أن نبحث عن الوسائل التي تقنع "السياسي" المحلي في أي بلد من بلادنا، بأن الحفاظ على "هويتنا" قاعدة للحفاظ على المكانة السياسية لأي نظام من أنظمة "الحكم"، وأن المدخل إلى ذلك هو الحفاظ على لغتنا القومية، في حومة الصراع العالمي، وفي مواجهة حركة العولمة، أيًّا كانت القوى المحركة لها.

وهناك خبرات تاريخية – قديمًا وحديثًا – تشير إلى دور السياسي في تعريب العلوم ومنها الطب:
- الأولى: في العصر العباسي الأول.
- والثانية: في مصر الحديثة.
وكلتاهما أدت إلى أن يتكلم الطب بالعربية، بالتعريب أولاً، ثم بالتأليف ثانيًا.

ولذلك إذا قلنا الآن: إننا يجب أن ننشط في مجال تعريب الطب، أو غيره من العلوم، فإنما نعني أن يكون التعريب مرحلة ممهدة لمرحلة تالية وهي مرحلة التأليف بلغتنا القومية، وهي مرحلة تتلو الترجمة والتعريب يقينًا.

ولابد أن يكون ذلك مدعومًا بموقف سياسي، بل أن يكون "تبنيًا" من السياسي.

والسبب هو: أن الدعم السياسي أو المساندة السياسية، بل الموقف السياسي القومي، هو الذي يفتح الطريق إلى الدعم المالي، وتيسير النفقات وتحمل أعباء التكاليف.

نعم هناك جهود مشكورة من أهل العلم، والمفكرين، والمثقفين في مجال تعريب الطب والمصطلحات العلمية، والحديث عنها معاد، ولكننا لكي نحقق الانتفاع المنشود بهذه الجهود نحتاج إلى أشياء لا تقل أهمية عما يتم تحقيقه، فكلنا يعلم أن الطب الآن مرتبط بعدد من فروع العلم الأخرى، كما أنه وثيق الصلة بالتكنولوجيا المتقدمة، سواء في التشخيص أو في العلاج. ولكي نوفق في الانتفاع بإنجازات التكنولوجيا الحديثة، يجب أن تكون لدينا "موازنات" سخية للإنفاق على البحث العلمي، كمدخل مهم، لأن تكون لنا إبداعاتنا وابتكاراتنا في هذا المجال، نعرف بها، وتزهو بها لغتنا.

ولننظر إلى "موازنات" البحث العلمي في دولنا، ولنقارنها بموازنات دول أخرى – أحدث منا تاريخًا، وأقل عددًا، ولا تقارن مساحتها بعشر مساحة أرضنا العربية، ولا مواردها بمواردنا – لنعرف خطورة الأمر في هذا الجانب.

فهل يمكن أن تكون لنا على المستوى العربي، مؤسسات تكنولوجية متقدمة، بموازنات مشتركة، تتيح لنا قدراتها المالية والتنظيمية والبحثية، أن ندخل سراعًا هذا الميدان، ومن ثم نستطيع مستقبلاً أن نسهم في القرار التكنولوجي العالمي، وريادة العالم علميًّا مرة أخرى؟

ولنا أن نتساءل عن كيفية تطبيق هذه الآمال العريضة وتنفيذها؟ والإجابة عن هذا التساؤل تتركز حول ممارسة التدريس الجامعي في الكليات العلمية، والبحث العلمي، والتأليف باللغة العربية، التي تعد هي السبيل الوحيد الذي يمكننا من تنفيذ تعريب العلم في الوطن العربي بأسره. والذي لاشك فيه أنه ستظهر عند الممارسة العديد من المشكلات التي يجب أن ندرسها ونحللها مسبقًا، كي نضع لها الحلول المناسبة لإمكاناتنا ومواردنا البشرية والمادية والتقنية، وأولى هذه المشكلات هي اللغة من حيث كونها وسيلة للطالب في التلقي والاستيعاب والتعبير، والتفكير والتصور أيضًا، وعلى ذلك فلا يجب أن نكبل هذه اللغة بقيود تحد نشاطها واستمرار التعليم بها، ولعل أهم هذه القيود هو المصطلحات العلمية التي تتسم في معظمها بالعالمية، حتى كادت تكون متماثلة في كل اللغات الحية، وهنا يمكننا الإبقاء على المصطلح باللغة التي وضع بها حتى نتفق فيما بيننا على مقابل له باللغة العربية، يمكن استخدامه في المحافل العلمية المختلفة.

إن كثرة هذه المصطلحات العلمية الحديثة تعد أيضًا قيدًا آخر، يمكن أن يعوقنا عن النهوض بالمستوى العلمي في مؤسساتنا العلمية والتطبيقية، ولذا فإن التخطيط لاستيعاب هذا الكم الهائل المتدفق علينا باستمرار يصبح ضرورة لا غنى عنها حتى نستطيع التعامل معه والاستفادة منه إلى أقصى حد ممكن. وحتى لا تصبح قضية المصطلحات ذريعة يتعلل بها أولئك الذين يعملون – عن قصد أو غفلة – على تأجيل تعريب العلم في المرحلة الجامعية والعالية.

كذلك سوف تظهر إحدى المشكلات الجوهرية التي تتعلق بالأساتذة، الذين لهم الدور الرئيسي والمحوري في هذا الشأن، فمعظمهم لا يعرفون شيئًا عن المعاجم اللغوية العربية ولا طرق استخدامها بدقة، بل إن كثيرين منهم لم تسنح لهم الفرصة للاطلاع على المصطلحات العلمية في تراثنا العلمي العربي، سواء ما كان منها عربيًا أصليًا أم دخيلاً ومعربًا.

إن معظم المشكلات ليست نابعة من ذات اللغة العربية، ومدى قدرتها على استيعاب كل ماهو جديد وحديث في مختلف جوانب العلوم وتخصصاتها، فتراثنا وتاريخنا يشهدان على أن اللغة العربية قد استوعبت كل ماهو جديد على مر العصور السالفة عندما كان العلم يتكلم بالعربية.

ولذا، فإن حل هذه المشكلات وغيرها يستوجب الاعتماد على تعريب العلوم، بحيث يتحقق الغرض منه، وهو جعل اللغة العربية وافية بمطالب العلوم في تقدمها، وملائمة لحاجات الحياة العصرية، ولهذا يجب ألا يكون التعريب للنقل – فقط – من اللغات الأخرى إلى العربية، بل أيضًا لتكوين وحدة علمية عربية، قوامها توحيد المصطلح العلمي، بحيث نتمكن من المشاركة الفعالة في التقدم العلمي العالمي، ومواكبة المتغيرات العالمية، التي فرضتها تحديات العولمة، وسرعة الاتصالات، وثورة المعلوماتية والبيولوجية الجزيئية.

وحتى نساير التقدم المذهل والسريع في التطور العلمي والتكنولوجي يجب:
1 – أن تكون الدراسة في المرحلة الجامعية باللغة العربية، أما المصطلحات فتستخدم كما هي في لغاتها، إذا تعذر وجود المعادل العربي لها، حتى نجد هذا المعادل ونتداوله فيما بين أهل التخصص.
2 – أن نلجأ إلى ترجمة هذه المصطلحات كلما كان ذلك ممكنًا، ونعتمد على الوسائل اللغوية التي تتمتع بها اللغة العربية، من الاشتقاق والنحت وغير ذلك من الوسائل المتاحة لدينا الآن.
3 – الاستمرار في استخدام المصطلح الأجنبي ومرادفه العربي، حتى يتسنى لنا ملاحقة التطورات العلمية العالمية المتسارعة.
4 – إنشاء مؤسسة قومية للترجمة تتبع أعلى سلطة في الدولة، بوصفها جزءًا من المشروع القومي للتعليم، ولمتابعة التطورات العلمية العالمية.
5 – إنشاء مركز للمصطلحات العلمية في كل جامعة، على أن يتولى مجمع اللغة العربية التنسيق بين هذه المراكز في الجامعات المختلفة.
6 – إنشاء بنك للمصطلحات العلمية والإنسانية والعلوم المستخدمة، يكون مقره مكتبة اتحاد مجامع اللغة العربية، واتحاد الجامعات العربية، تصب فيه محتويات مراكز المصطلحات التي يجب إنشاؤها في الجامعات والمراكز العلمية والبحثية، ليكون هذا همزة الوصل بني المجامع العربية وبين دول العالم، ونافذة للباحثين في العالم الغربي.
7 – أن تعمل مجامع اللغة العربية، بالتعاون مع مراكز المصطلحات العلمية في الجامعات ومراكز البحوث والمؤسسة القومية للترجمة، على توحيد المصطلحات العلمية كلما أمكن ذلك.
8 – أن تدرس مادة دراسية رئيسة واحدة بلغة أجنبية حية في كل عام دراسي جامعي، ويقدم الامتحان بتلك اللغة، مع إلزام الطالب برصد المصطلح الأجنبي وحفظه في حقل اختصاصه إضافة إلى المصطلح العربي – إن وجد، ضمانًا لمواكبة التقدم العلمي العالمي والمتابعة العلمية المستمرة.
9 – أن يخصص جزء قائم بذاته في كل رسالة ماجستير أو دكتوراه خاص بالمصطلحات العلمية، في التخصص باللغة العربية وما يقابلها باللغة الأجنبية، على ألا تجاز الرسالة إلا إذا تمت مراجعة وإجازة هذا الجزء من مركز المصطلحات العلمية بالجامعة.
10 – ألا يحصل أي عضو من أعضاء هيئة التدريس على درجة الأستاذية إلا إذا قام هو نفسه أو بالاشتراك مع بعض زملائه بترجمة كتاب علمي أو ثقافي أو تقني في مجال تخصصه.
11 – أن يشترط نشر بحثين باللغة العربية على الأقل عند التقدم لدرجة علمية أعلى.
12 – إضافة باب إلى مجلاتنا العلمية المتخصصة، يختص بترجمة الأبحاث العلمية الحديثة المتخصصة.
13 – تنشيط الحملات الإعلامية على جميع الأصعدة لبيان أهمية التعريب الشامل وفوائده الجمة، التي تحصدها لغتنا العربية، والتي يجب تدعيمها باعتبارها الركيزة الأساسية في استقلالنا، وفي القضاء على التخلف العلمي في الوطن العربي بأسره.
14 – معالجة اللغة العربية آليًا باستخدام الحاسوب (الكمبيوتر)، لأن اللغة هي المنهل الطبيعي الذي تستقي منه تكنولوجيا المعلومات أسس ذكائها الاصطناعي، والأفكار المحورية بلغات البرمجة.

لقد أصبحت معالجة اللغات الطبعية آليًا بواسطة الحاسوب أحد المقومات الأساسية في تصميم نظم المعلومات. ولعلنا إذا نجحنا في أن يتكلم الحاسوب بالعربية، فسوف ننجح في أن يتكلم بها العلم الحديث أيضًا. ويقول أحد العلماء العرب المتخصصين في مجال تكنولوجيا المعلومات – الدكتور نبيل علي: "جاءت تكنولوجيا المعلومات لتضيف إلى أزمات العربية بعدًا فنيًا متعلقًا بمعالجة اللغة العربية آليًا بوساطة الحاسوب، ولا يخفى على أحد أن وضعنا اللغوي الراهن، ينذر بفجوة لغوية تفصل بيننا وبين كثير من الأمم، التي تولي لغاتها أقصى درجات الاهتمام، بوصفها – أي اللغة – شرطًا أساسيًا للحصول على عضوية نادي المعلومات العالمي".

أيها السادة:
لن نمل من الترديد أن الفرق بين التعريب والتغريب نقطة، ولكنها نقطة سوداء بحجم الكرة الأرضية، تغشى عيوننا فلا نرى ما حولنا، وعندما حدثونا عن تنوير مصطنع، بدلوا هذه النقطة بقرص الشمس عند الظهيرة، فبدل أن ينير الطريق، غشيت الأبصار فضللنا الطريق.

فإلى كل المعتزين بلغتنا العربية الخالدة، المشغوفين بها، المستمسكين بعراها، المنافحين عنها، صمودًا إلى آخر المدى في حصن العروبة. وإلى المغتربين عن لغتهم، المعتزين بلسان غيرهم، المبهورين بسلطان خصوم قومهم: تعالوا إلى هويتكم، إلى أصالتكم، إلى جذوركم، إلى قوميتكم، حتى نتمكن جميعًا من تجاوز المحنة، ونجتاز الأزمة.

أيها السادة:
{إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [سورة الرعد: الآية 11].
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

رد مع اقتباس