القرآن والأحرف السبعة
د. عبدالعزيز رضوان
هذا القرآن الكريم المصدرُ الأساسي للشريعة والتشريع الإسلامي، ومصدر الإثراء للغة العربية في كل فنونها من بلاغة، وأدب، وسلامة للَّفظ والمعنى، وهو الحارس الأمين على فصاحتِها، تتعدد أساليبُه كما تعددت لغاته ولهجاته بتعدد لهجات ولغات القبائل العربية، كما هو واضح الآن في مجتمعنا العربي والإسلامي؛ ولذا كان إلحاح محمد - عليه الصلاة والسلام - على جبريل أن تراعى في القرآن حالةُ وألسنة كل القبائل العربية الفصيحة، فقال له: ((يا جبريل، إني أُرسلت إلى أمة أميَّةٍ، فاسأل الله أن يخفِّف عليها، فإن فيهم الشيخ الفاني...)) إلخ، فأوحى إليه أنِ اقرَأِ القرآن على سبعة أحرف، وقد ناقشنا سابقًا مفهوم السبعة في الحديث، وعرضنا لأقوى الآراء فيها، كما أوردنا أيضًا ضابط صحَّة القراءة وقبولها الذي وضعه ابن الجزري، وهو (صحة السند عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وموافقة العربية ولو بوجه، وموافقة خط مصحف الإمام ولو احتمالاً).
وفي هذا العدد نناقش الشرط الأخير وهو (موافقة خط مصحف الإمام ولو احتمالاً)، فنقول وبالله التوفيق:
قد يوافقُ اختلافُ القراءات الرسمَ تحقيقًا، نحو (تعلمون) بالتاء والياء، و(يغفر لكم) بالياء والنون، ونحو ذلك، مما يدل تجرُّده عن النقط والشكل في حذفه وإثباته على فضل عظيم للصحابة - رضي الله عنهم - في علم الهجاءِ خاصة، وفهم ثاقب في تحقيق كل علم، وانظر كيف كتبوا الصراط بالصاد المبدلة من السين، وعدلوا عن السين التي هي الأصل؛ لتكون قراءة السين - وإن خالفت الرسم من وجه - قد أتت على الأصل فيعتدلان، وتكون قراءةُ الإشمام محتملة، ولو كتب ذلك بالسين على الأصل لفات ذلك، وعدت قراءة غير السين مخالفةً للرسم والأصل؛ ولذلك اختلف في (بصطة) الأعراف دون (بسطة) البقرة؛ لكون حرف البقرة كتب بالسين والأعراف بالصاد، على أن مخالف صريح الرسم في حرف مدغم، أو مبدل، أو ثابت، أو محذوف، أو نحو ذلك، لا يعدُّ مخالفًا إذا ثبتت القراءة به، ووردت مشهورة مستفاضة.
وبناءً عليه لم يعدُّوا إثبات ياء الزوائد وحذف ياء "تسألني" في الكهف، وواو (وأكون من الصالحين)، والظاء من (بظنين) ونحوه، من مخالفةِ الرسم المردودة، فإن الخلاف في ذلك مغتَفَرٌ؛ إذ هو قريبٌ يرجع إلى معنى واحد، وتجيزه صحة القراءة وشهرتها وتلقِّيها بالقَبول، بخلافِ زيادة كلمة ونقصانها، وتقديمها وتأخيرها، حتى ولو كانت حرفًا واحدًا من حروف المعاني، فإن حكمَه في حكمِ الكلمة؛ لا يسوغ مخالفة الرسم فيه، وهذا هو الحد الفاصل في حقيقة الرسم ومخالفته.
قال ابن الجزري:
وقولنا "وصح سندها"؛ نعني به أن يروي تلك القراءةَ العدلُ الضابط عن مثله، وهكذا حتى ينتهي، وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن الضابطين له، غير معدودة عندهم من الغلط أو مما شذَّ بها بعضهم.
قال: وقد شرط بعضُ المتأخرين التواترَ في هذا الركن، ولم يكتفِ بصحة السند، وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وأن ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن، قال: وهذا مما لا يخفى ما فيه؛ فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين من الرسم وغيره، إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواترًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجب قبولُه وقُطع بكونه قرآنًا، سواء وافق الرسم أم لا.
وإذا شرطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف، انتفى كثيرٌ من أحرف الخلافات الثابتة من السبعة.
وقد قال أبو شامه (النشر 6):
شاع على ألسنةِ جماعةٍ من المقرئين المتأخرين - وغيرهم من المقلدين - أن السبع كلَّها متواترة؛ أي: لكل فرد فرد فيما روى عنهم، قالوا: والقطع بأنها منزَّلة من عند الله واجب.
قال السيوطي:
ونحن بهذا نقول، ولكن فيما اجتمعت على نقلِه عنهم الطرق، واتفقت عليه الفِرَق من غير نكير له، فلا أقل من اشتراط ذلك إذا لم يتَّفِق التواتر في بعضها.
وقال الجعبري:
الشرط واحد، وهو صحة النقل، ويلزم الآخران، فمَن أحكم معرفة حال النقَلَة، وأمعن في العربية، وأتقن الرسم، انجلت له هذه الشبهة.
وقال مكي (النشر 9): ما روي في القرآن على ثلاثة أقسام:
1- قسم يُقرَأ به ويكفُرُ جاحده، وهو ما نقله الثقات، ووافق العربية وخط المصحف.
2- وقسم صحَّ نقله عن الآحاد، وصح في العربية، وخالف لفظُه الخطَّ، فيُقبل ولا يُقرأ به؛ لأمرين:
أ- مخالفته لما أجمع عليه.
ب- وأنه لم يأتِ بإجماع، بل بخبر الآحاد.
وهذا لا يثبت به قرآن، ولا يكفر جاحده، ولبئس ما صنع إذ جحده.
3- وقسم نقله ثقةٌ، ولا حجة له في العربية، أو نقله غير ثقة، فلا يقبل وإن وافق الخط.
وقد مثَّل ابن الجزري للأقسام الثلاثة، فقال:
مثال الأول كثيرٌ: كمالِك ومَلِك، ويخدَعُون ويُخادِعُون.
ومثال الثاني: قراءة ابن مسعود وأبي الدرداء (والذكر والأنثى)، وقراءة ابن عباس (وكان أمامَهم ملِك يأخذ كل سفينة صالحةٍ)، ونحو ذلك فيما ثبت برواية الثقات.
قال: واختلف العلماء في القراءة بذلك، والأكثر على المنع؛ لأنها لم تتواتر، وإن ثبتت بالنقل، فهي منسوخة بالعرضة الأخيرة، أو بإجماع الصحابة على المصحف العثماني.
قال (النشر 8):
ومثال القسم الثالث: ما نقله غيرُ ثقة كثيرٌ مما في كتب الشواذ مما غالب إسناده ضعيف؛ كقراءة ابن السميفع وأبي السمال وغيرهما في قوله - تعالى -: ﴿ نُنَجِّيك ببدنك ﴾: نُنَحِّيك بالحاء المهملة، وقوله - تعالى -: ﴿ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ﴾ [يونس: 92] بفتح سكون اللام، وكالقراءة المنسوبة إلى الإمام أبي حنيفة التي جمعها أبو الفضل، ونقلها عنه أبو القاسم الهذلي؛ ومنها: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28]، برفع لفظ الجلالة ونصب العلماء، وقرر الدارقطني وجماعة أن هذا الكتاب موضوعٌ لا أصل له.
ومثال ما نقله ثقةٌ ولا وجه له في العربية، ولا يصدر مثل هذا إلا على وجه السهو والغلط وعدم الضبط، وهو قليل لا يكاد يوجد، وقد جعل بعضُهم منه رواية خارجة عن نافع (معائش) بالهمزة.
وما رواه ابن بكار عن أيوب عن يحيى عن ابن عامر من فتح ياء (أدريَ أقريب) مع إثبات الهمزة، وهي رواية زيد وأبي حاتم عن يعقوب.
وما رواه أبو علي العطار عن العباس عن أبي عمرو (سحرَانِ تَظَّاهَرَا) بتشديد الظاء، والنظر في ذلك لا يخفى.
وبقى قسم رابع مردود أيضًا، وهو ما وافق العربية والرسم، ولم ينقل ألبتة، فهذا ردُّه أحق، ومنعه أشد، ومرتكبُه مرتكبٌ لعظيم من الكبائر؛ لأنه مَن قال به ابتدع بدعة ضلَّ بها عن قصد السبيل.
وقد ذُكِر جوازُ ذلك عن أبي بكر بن مقسم، وعُقِد له بسبب ذلك مجلسٌ، وأجمعوا على منعه، ومن ثَمَّ امتنعت القراءة بالقياس المطلق الذي لا أصل له يرجع إليه، ولا ركن يعتمد في الأداء عليه، قال: أما ما له أصل كذلك، فإنه مما يصار إلى قبول القياس عليه؛ كقياس إدغام (قال رجلان) على (قال رب)، ونحوه مما لا يخالف نصًّا، ولا يرد إجماعًا، مع أنه قليل جدًّا.
قال السيوطي (الإتقان 1: 77)، قلت: أتقن الإمام ابن الجزري هذا الفصل جدًّا، وقد تحرر لي منه أن القراءات أنواع:
• الأول: المتواتر: وهو ما نقله جمعٌ لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه، وغالب القراءات كذلك.
• الثاني: المشهور: وهو ما صح سنده ولم يبلغ درجة المتواتر، ووافق العربية والرسم، واشتهر عند القراء، فلم يعدُّوه من الغلط ولا من الشذوذ، ويقرأ به على ما ذكره ابن الجزري، ويُفهِمه كلامُ أبي شامة السابق، ومثالُه ما اختلف الطرق في نقله عن السبعة فرواه بعض الرواة عنهم دون بعض، وأمثلة ذلك كثيرة في فرش الحروف من كتب القراءات كالذي قبله.
ومن أشهر ما صنف في ذلك (التيسير للداني)، و(قصيدة الشاطبي)، و(أوعية النشر في القراءات العشر)، و(تقريب النشر)؛ كلاهما لابن الجزري.
• الثالث: الآحاد: وهو ما صح سنده، وخالف الرسم أو العربية، أو لم يشتهر الاشتهار المذكور، ولا يقرأ به، وقد عقد الترمذي في جامعه، والحاكم في مستدركه لذلك بابًا أخرجَا فيه شيئًا كثيرًا صحيح الإسناد.
ومن ذلك ما أخرجه الحاكم عن طريق عاصم الجحدري عن أبي بكرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ: ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ﴾ [الرحمن: 76]: (عباقري).
وأخرج من حديث أبي هريرة أنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾ [السجدة: 17]: (قرات).
وأخرج عن ابن عباس أنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ﴾ [التوبة: 128]؛ بفتح الفاء.
وأخرج عن عائشة أنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ: ﴿ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ ﴾ [الواقعة: 89]؛ يعني بضم الراء.
• الرابع: الشاذ: وهو ما لم يصح سنده، وفيه كتب مؤلَّفة؛ ومن ذلك قراءة: {مَالِكِي يَوْمَ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] بصيغة الجمع، ونصب يوم، و{إِيَّاكَ يُعْبَدُ} [الفاتحة: 5] ببنائه للمفعول.
• الخامس: الموضوع: كقراءاتِ الخزاعي (ولم يذكر لها أمثلة).
• السادس: قال: وظهر لي سادسٌ يشبه من أنواع الحديث المدرَج، هو ما زيد في القراءات على وجه التفسير؛ كقراءة سعد بن أبي وقاص (وله أخ أو أخت - من أم)؛ أخرجها سعيد بن منصور.
وقراءة ابن عباس: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ [البقرة: 198]، "في مواسم الحج"؛ أخرجها البخاري.
وقراءة ابن الزبير: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ [آل عمران: 104]، "يستعينون بالله على ما أصابهم"، قال عمرو: فما أدري أكانت قراءته أم فسر؛ أخرجه سعيد بن منصور، وأخرجه ابن الأنباري وجزم بأنه تفسير.
وأخرج عن الحسن أنه كان يقرأ: ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾ [مريم: 71]، (الورود الدخول)، قال ابن الأنباري: قوله: "الورود الدخول" تفسيرٌ من الحسن لمعنى الورود، وغلط بعض الرواة فأدخله في القرآن.
وتعقيبًا على النوع السادس قال ابن الجزري في آخر كلامه: وربما كانوا يُدخِلون التفسير في القراءات إيضاحًا وبيانًا؛ لأنهم محقِّقون لما تلقَّوه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرآنًا، فهم آمنون من الالتباس، ثم قال: وربما كان بعضهم يكتبه معه.
وقال: وأما مَن يقول: إن بعض الصحابة كان يجيز القراءة بالمعنى، فقد كذب، وسأفرد في هذا النوع (أعني المدرج) تأليفًا مستقلاًّ.
• فائدة اختلاف القراءات:
يقول ابن الجزري (النشر 26): أما فائدة اختلاف القراءات وتنوُّعها، فإن في ذلك فوائد:
1- منها: ما في ذلك من عظيم البرهان وواضح الدلالة؛ إذ هو مع كثرة هذا الاختلاف وتنوعه لم يتطرَّق إليه تضادٌّ ولا تناقضٌ ولا تخالف، بل كله يصدِّق بعضُه بعضًا، ويبين بعضه بعضًا، ويشهد بعضه لبعض على نمط واحد وأسلوب واحد، وما ذلك إلا حكمة بالغة وبرهان قاطع على صدق ما جاء به - صلى الله عليه وسلم.
2- ومنها سهولة حفظه وتيسير نقله على هذه الأمة؛ إذ هو على هذه الصيغة والبلاغة والوجازة، فإن مَن يحفظ كلمة منه ذات أوجه أسهل عليه وأقرب إلى فهمه وأدعى لقَبوله من حفظ جمل من الكلام تؤدي إلى معاني تلك القراءات المختلفات، لا سيما فيما كان خطه واحدًا، فإن ذلك أسهل حفظًا، وأيسر لفظًا.
3- ومنها: إعظام أجر هذه الأمة من حيث إنهم يفرغون جهدهم ليبلُغوا قصدَهم في تتبُّع معاني ذلك، واستنباط الحكم والأحكام من دلالة كل لفظ واستخراج كمين أسراره.
4- ومنها: بيان فضل هذه الأمة وشرفها على سائر الأمم من حيث تلقِّيهم كتاب ربهم هذا التلقي، وإقبالهم عليه هذا الإقبال، والبحث عن ألفاظه لفظه لفظة، والكشف عن صيغه صيغة صيغة، وبيان صوابه وتحرير تصحيحه.
5- ومنها: ظهور سر الله - تعالى - في تولِّيه حفظ كتابه العزيز وصيانة كلامه المنزل بأرقى البيان والتمييز، فإن الله - تعالى - لم يُخلِ عصرًا من الأعصار ولا قطرًا من الأقطار من إمامٍ حجةٍ قائم بنقل كتاب الله - تعالى - وإتقان حروفه ورواياته، وتصحيح وجوهه وقراءاته، يكون وجوده سببًا لوجود هذا السبب القويم على مر الدهور، وبقاؤه دليلاً على بقاء القرآن العظيم في المصاحف والصدور.