أما قرارات لجنة الإملاء في الدورة الرابعة عشرة فقد دعت إلى:
- الصدق والسهولة في تصوير الحروف، لتسهيل القراءة والكتابة.
- التجديد والتيسير في رسم الحروف، لتسهيل الكتابة على المبتدئين الذين ينفرون من اختلاف قواعدها، وتعدّد وجوه رسم الكلمة الواحدة، وذلك للمحافظة على رسم المصحف الإمام، ولربطهم الرسم بالصرف والنحو.
- إعادة الألفات المحذوفة وسطًا ما عدا (الله - إله) وحذف الواو الزائدة وسطًا وطرفًا (عمرو - أولئك) تحقيقًا للمطابقة بين المنطوق والمكتوب ما عدا همزة الوصل واللام الشمسية وهمزة (ابن).
- رسم الهمزة في بداية الكلمة على ألف مطلقًا، وإلى كتابة الهمزة المتوسطة والمتطرفة على حرف من جنس حركتها، ما لم تكن الهمزة المتطرفة مسبوقة بألف فترسم مفردة كيلا تجتمع ثلاث ألفات (سماءًا). وأما الهمزة الساكنة متوسطةً ومتطرفةً فترسم على حرف من جنس حركة ما قبلها.
- الفصل في رسم كل كلمتين متصلتين، لأنه الأصل والقياس، ما عدا (أل التعريف) وما تتصل به، والكلمتين اللتين بينهما إدغام، أو كانت إحداهما على حرف واحد.
- رسم التنوين ألفًا في النصب ما لم تكن الكلمة منتهية بتاء مربوطة.
درست لجنة الإملاء في مجمع اللغة العربية القرارات الصادرة عن المؤتمر الثقافي الأول للجامعة العربية وملحوظات لجنة اللغة العربية في المجمع العلمي العراقي وأساتذة اللغة العربية في دار المعلمين العالية ببغداد، وانتهت إلى ما يلي:
- كتابة (الذين) بلام واحدة، لأن الحرف المشدّد يُعَدّ حرفًا واحدًا.
- عدم استثناء (عَمْرو – عُمَر) من مطابقة المنطوق للمكتوب كما اقترح أساتذة العربية في دار المعلمين العالية.
- موافقة اللجنة دار المعلمين ببغداد فيما استثنته من كتابة الألف اللينة طويلةً تحقيقًا للمطابقة بين المنطوق والمكتوب.
- إصرار لجنة الإملاء على وجوب رسم الهمزة المتطرفة الساكن ما قبلها على حرف من جنس حركتها، خلافًا لكلّ من المؤتمر الثقافي الذي قال برسمها وفق الشائع، والمجمع العلمي العراقي الذي دعا إلى رسمها مفردة أيًّا كانت حركة ما قبلها.
- دعوة علي الجارم إلى رسم الهمزة المتطرفة المسبوقة بألف على ألف أيضًا، على أن تحذف ألف التنوين كيلا يتوالى ثلاث ألفات.
- تركت اللجنة لمجلس المجمع الفصلَ في اقتراح أساتذة معهد دار المعلمين العالية ببغداد استثناء الحروف من كتابة الألف اللينة طويلة.
- موافقة اللجنةِ دارَ المعلمين في وجوب وصل الكلمات بـ (ما) استثناءً.
- تحقيق أمن اللبس الناشئ عن رسم (ذِكْرى) بالألف الطويلة و(ذِكْرًا) المنصوبة المنونة برسم علامة تنوين النصب فوق ألف التنوين.
- رفضت اللجنة اقتراح لجنة المعجم الكبير بوضع حرف للهمزة، يكون صورة واحدة لها كغيرها من الحروف، إذ كان ذلك يفوّت ما حرص عليه الأقدمون من رسمها على صورة ما تسهّل عليه.
وبالجملة؛ فقد صدر عن المجمع بحوث ومقالات وتوصيات وقرارات تتعلق بقواعد الإملاء، لم تأخذ طريقها إلى التطبيق، إذ اقتصر بعضهم على الإشارة إليها دون الأخذ بها والتزامها، مثل عباس حسن في كتابه (النحو الوافي) وعبد السلام هارون في كتابه (قواعد الإملاء) وعبد العليم إبراهيم في كتابه (الإملاء والترقيم في الكتابة العربية).
إن هذا الاهتمام المبكر بقواعد الإملاء، على أهميته،لم يكن شاملا لقواعد الإملاء من جهة، ولم يسلم من بعض الملاحظ من جهة أخرى، من ذلك اختلاف في بعض قرارات المجمع في الموضوع الواحد، ففي حكم اجتماع تنوين النصب والهمزة المتطرفة، صدر عنه قراران:
حدّد في الأول: اللواحقَ التي تتصل بالهمزة المتطرفة، فتحولها إلى متوسطة، ولم يذكر بينها ألف المنصوب، لفظه: "5 – تعتبر الهمزة متوسطة إذا لحق بالكلمة ما يتصل بها رسمًا كالضمائر وعلامات التثنية والجمع، مثل: جزأين، وجزاؤه، ويبدؤون، وشيؤه".
وهذا خلاف ما ورد في القرار الثاني لمجمع اللغة العربية بالقاهرة، وهو ما لم يكن في القرار الأول، ولا في أصل القرار الثاني الذي قدّمه المرحوم الدكتور رمضان عبد التواب، وناقشـه المجمع ثم أقرّه مع تعديل طفيف بإضافة بضع كلمات، نبّـه عليها المرحوم الدكتور رمضان في كتابه المذكور، كان منها إضافة "ألف المنصوب" إلى اللواصق [اللواحق] التي تتصل بآخر الكلمة، في حين عدّها المجمع منها في قراره الثاني، ولفظـه ثمّة: "تُعَدّ من الكلمة اللواصق التي تتصل بآخرها، مثل: الضمائر وعلامات التثنية والجمع وألف المنصوب، ولا يُعَدّ منها ما دخل عليها من حروف الجرّ والعطف وأداة التعريف والسين وهمزة الاستفهام ولام القسم".
ويتبين ذلك بموازنة نصّ قرار المجمع الثاني بالأصل الذي قدّمه لهم المرحوم د. رمضان عبد التواب، ولفظه "تُعَدّ من الكلمة اللواحق التي تتصل بآخرها، مثل: الضمائر وعلامة التثنية والجمع، ولا يُعَدّ منها ما دخل عليها من حروف الجرّ والعطف وأداة التعريف والسين وهمزة الاستفهام ولام القسم"[4].
إنّ تنوين النصب في الهمزة المتطرفة المفردة لا يخرجها -على الصحيح- عن تطرّفها موقعًا، سواء أكان ما قبلها حرفَ انفصال مثل (جزْءًا ، ضَوْءًا ، هدوْءًا) أم كان حرفَ اتصال مثل (دِفْـئًا ، عِبْـئًا).
أما الأولى المسبوقة بحرف انفصال فهي على الأصل في الهمزة المتطرفة، ترسم على السطر إن كان ما قبلها ساكنًا صحيحًا أو علّةً كما سلف، وأمّا الثانية المسبوقة بحرف اتصال فهي حالة شاذّة مشـهورة في الهمزة المتطرّفة، ترسم خلاف القاعـدة على نبرة، مثل (شَيْئًا، هَنْئًا).
* مجمع اللغة العربية في دمشق:
تتابعت الجهودُ الطيبة لمجمع اللغة العربية بدمشق في خدمة لغة الضاد، وصونِها مما يتهددها، ومعالجةِ قضاياها المعاصرة، والرفعِ من شأنها، والنهوضِ بها، وتيسيرِها في التعلّم والتعليم، وتنميتِها لتواكب التطوّرَ التقني في جميع ميادين العلوم والفنون، خدمةً للناطقين بها على اختلافِ شرائحهم، وتفاوتِ مستوياتهم، وتباعدِ بلدانهم. وقد تنوّعت تلك الجهودُ، وتبدّت في مظاهرَ شتّى كالمؤتمرات العلمية السنوية التي درج المجمعُ على تنظيمها، وتوفيرِ أسباب نجاحها، وجمعِ الكفايات العلمية المتخصّصة، لتناقشَ أهمَّ قضايا اللغة العربية المعاصرة، فضلا عن الندوات الثقافية، ومطبوعاتِ المجمع العلمية إضافةً إلى مجلته العلمية الفصلية العريقة. ومما يندرج في تلك الجهود حرصُ المجمع على دعمِ العربية الفصحى كيما تُستعملَ استعمالا صحيحًا ودقيقًا، وعلى تقديمِ كلّ ما من شأنه أن يحقق السلامةَ في كتابتها، وينأى بها عن الأخطاء اللغوية عامّةً، وعن الأخطاء الناتجة عن عدم مراعاة أصول الكتابة العربية أو الإملاء خاصّةً.
وكان من الثمرات الطيـبة لتلك الجهود إصدارُ المجمع كتـاب (قواعد الإملاء) ضمن مطبوعات سنة 1425 هـ / 2004م، جاء في (39) صفحة، مصدّرًا بتقديمٍ، اشتمل على جُملةٍ من القضايا والآراء العلمية المهمة، وهي[5]:
- بيان أسباب النهوض بوضع هذه القواعد: فقد عاين المجمعُ كثرةَ ما يقع فيه الكاتبون من الأخطاء الإملائية، وتعدّدَ طرق الكتابة في البلدان العربية، وذلك لاعتماد بعض مَنْ وضعوا قواعدَ الإملاء من المحدثين على طرائق السلف، واتّباع آخرين طرائقَ بلدانهم، وذلك لعدم وجود قواعد إملائية واضحة متفق عليها، وما يلقاه الكاتبون من عُسْرها، فضلا عن اختلاف الأقدمين في تلك القواعد.
- بيان الدافع إلى وضع (قواعد الإملاء) والغاية المتوخّاة منها: فقد وجد المجمع من المفيد وضع قواعد إملائيةٍ، تتحقق فيها شروط الوضوح والضبط والدقّة والإقلال من القواعد الشاذة مع توخّي التيسير على الكاتبين في كتابة ما تقع فيه الهمزة والألف الليّنة.
- النصّ على مآخذ للمجمع على كتب قواعد الإملاء التي وضعها المحدثون: تتجلّى في وقوع اختلاف كبير فيما بينها، وذلك لأخذ بعضهم بقواعد السلف مع تعديل يسير، وتنكّب بعضهم لتلك القواعد، وأخذه بقواعد جديدة غير مألوفة، فضلا عما تُكَلِّف الآخذين بها من العُسْر، وما ينتج عنها من قطع الصلة بالتراث العربي، وجنوح بعضهم إلى كتابة الكلمة كما يُنطق بها، وإلغاء كلّ الاستثناءات التي تخرج عن القاعدة، وعدم مراعاة الأحوال الخاصّة التي تقتضيها.
- تقدير المجمع للطرائق والمحاولات التي قام بها الباحثون المحدثون في وضع قواعد الإملاء: غير أنه لم يجد بينها طريقةً واحدةً صالحةً لأن يقع عليها الإجماعُ بين جميع الكاتبين وبين مختلف الأقطار.
- إجماع رأي السادة الأجلاء أعضاء المجمع على ضرورة وضع قواعد للإملاء العربي: تتحقق فيها الشروط المتوخّاة، وهي: تحقيقُ التوافق ما أمكن بين نطق الكلمة وصورة كتابتها بغية التيسير على الكاتبين والقارئين، ومحاولة عدم قطع الصلة بين كتابتنا وكتابة أسلافنا، ما أمكن ذلك، ومراعاة خصوصية اللغة العربية في أصول نحوها وصرفها، وكذلك في قيامها على اتصال حروفها في الكتابة والطباعة، وتوخّي القواعد المطردة وتجنب حالات الشذوذ ما وسعنا ذلك راجين أن تلقى القواعد التي انتهوا إليها رضا الكاتبين عنها، والأخذ بها، ونشرها في أقطار عربية أخرى، تحظى لديها بمثل ذلك.
إنّ كتاب المجمع، على كبيرِ أهميّته، وخطورةِ موضوعه، وعظيمِ الحاجة إلى مثله، مع طول انتظاره، وحميد سعيه إلى جمع الكاتبين على كلمة سواء في قواعد إملائية موحدة، تتجاوز ما أخذ على جهود الآخرين، وتستدرك ما فاتهم، وتصحّح ما وقع لهم من ضروب السهو والأخطاء، مع المحافظة على الأصول والثوابت، لم يبرأ - شأن أيّ كتاب - من لوازم النقص البشري، فقد شابه قَدْرٌ من السهو والخطأ، حال دون بلوغه الغايةَ المتوخاة منه.
ومما يتجه عليه من ملاحظ[6]:
- مغايرة ما هو مألوفٌ في أغلب كتب قواعد الكتابة في ترتيب مادة القواعد، وتوزيعها على الأبواب، وتقسيماتها فيها، والتصرف في موضوعاتها بزيادة ما ليس منها، وحذفِ ما هو منها، فقد أُقحم موضوعُ تنوين الأسماء في باب الهمزة، وجرى تأخيرُ الحديث عن همزة الوصل إلى نهاية باب الهمزة بعد تنوين النصب، واقْتُطِعَت الألفُ الليّنةُ في الأسماء الأعجمية من قسم الألف الليّنة آخر الكلمة، وجُعلت قسمًا ثالثًا برأسه، كما سقطت الألفُ التي تُزاد آخر الاسم المنصوب المنوّن من باب الحذف والزيادة، وأُفردت ألفُ الإطلاق بعنوان مستقلّ بعد زيادة الألف في الباب نفسه، وأقحمت التاءُ المبسوطة والتاءُ المربوطة في باب الفصل والوصل، وأهمل باب علامات الترقيم، على كبير أهميته.
- خلوّ الكتاب من التوثيق، فلم تُذكر أسماء المصادر والمراجع التي جرى الاعتماد عليها، ولم تحدّد المسؤولية العلمية، فلم يُذكر اسم مَنْ نهض بإعداده، أو شارك فيه، أو أشرف عليه.
- عدم التزامِ منهجٍ علميّ محدّدٍ في معظم (قواعد الإملاء) وذلك يستغرق عرضَ المادة العلمية، ومعالجتَها، وشرحَها، وتفصيلاتها، وأمثلتَها، وإيرادَ القواعد العامّة، والتعاريف، والملاحظات.
- عدم التمييز بين الحالاتِ الشاذة التي لا تنطبق عليها القاعدةُ، والحالاتِ المعيارية التي تستغرقها القاعدةُ المطردة، وإيراد السماعي غُفلا من النصّ أو من التنبيه عليه، إذ كان قليلا يُحفظ ولا يُقاس عليه.
- العدول أحيانًا عن المصطلحات العلمية الدقيقة المعتمدة في كتب قواعد الكتابة إلى عباراتٍ عامّة، أو مصطلحاتٍ خاصّة، لا أصل لها في كتب الأقدمين، ولا في المعتمد من كتب المعاصرين.
- تضمن اجتهادات شخصية، وردت في مواضع مختلفة من بابي الهمزة، والزيادة والحذف، جاءت مصدرةً برأي القدماء غالبًا، ومتبـوعةً أحيانًا بـ "والرأي" خلافًا لما ذهبـوا إليه، وهذه الاجتهاداتُ أو الآراءُ - وإن وافقت الصوابَ - مسبوقةٌ بما ورد في بعض كتب قواعد الكتابة.
* المركز العربي للبحوث التربوية لدول الخليج العربي - الكويت:
أنجز المركز دراسة مهمة تقع في (153) صفحة، سُمّيت بـ (دليل توحيد ضوابط الرسم الإملائي للكتابة العربية) صدرت طبعتها الأولى في 1427هـ/2006م، وهي إحدى وثائق المنهج الشامل الموحّد في اللغة العربية لمراحل التعليم العام في الدول الأعضاء في مكتب التربية العربي لدول الخليج العربي، أعدها فريق من خبراء المناهج في المملكة العربية السعودية.
وقد تضمنت الدراسة بعد فهرس المحتوى تقديم مدير المركز أ.د. مرزوق يوسف الغنيم، بيّن فيه أن المركز اقترح إجراء دراسة تضع المتعلم في الصفوف الابتدائية أمام نموذج موحد لرسم الكلمات العربية، فإذا ما تطورت دراسته أمكن بعد ذلك أن يتبين النماذج الأخرى، وله أن يأخذ بها أو ببعضها، فاعتمد المؤتمر العام برامج المكتب في دورته الـ 17 (السعودية 8-9 محرم 1424هـ/11-12 مارس 2003م) برامج المكتب وكان من بينها برنامج 7 / ك (توحيد ضوابط الرسم الإملائي للكتابة العربية).
وتلا ذلك مقدمة مهمة تناولت مشكلات الكتابة العربية، والدافع وراء إعداد هذه الدراسة، إذ كانت إسهامًا من مكتب التربية لدول الخليج ممثلة في المركز العربي للبحوث التربوية في حلّ مشكلات الكتابة العربية، يأتي هذا الدليل لمعالجة بعض الإشكالات والصعوبات التي تواجه المعلمين والمتعلمين وغيرهم من الكتاب، وتبع ذلك بيان أهمية الدليل، ثم النصّ على أهدافه، فالدليل يهدف بصفة عامة إلى توحيد الضوابط المستخدمة في الكتابة العربية، والوصول من خلال ذلك إلى توحيد الرسم الكتابي للكلمات العربية في الدول الأعضاء في مكتب التربية العربي لدول الخليج وفي الوطن العربي.