ومن عبقرية اللغة العربية الاختصار، ومنه باب النحت، وهو بناء كلمة جديدة من الجمع بين كلمتين، ويشتق منها فعل من جنسها، كقولهم حيعل، من حيَّ على، وكبّر، أي قال الله أكبر، وأمثلته كثيرة، يراها الراغب في كتب فقه اللغة وعلومها، كفقه اللغة للثعالبي والخصائص والمزهر. ولم تترك العرب شيئا من هذا الباب إلا وضعت له لفظًا يدل عليه اختصارًا، ودونك الهيللة والحوقلة والحمدلة والبسملة والجعفدة والسبحلة والحسبلة والمشألة والسمعلة والطبقلة والدمعزة، بل لقد قال ابن جني في هذا وأضرابه: إن الاشتقاق من الأصوات باب يطول استقصاؤه. وقد وجدتني أنحت مصطلحات جديدة بينما كنت أنقل إلى العربية بعض الكتب المؤلفة باللغة الإنجليزية، فكان من ذلك: العِرْقومية، والعردينية، والرمزَعرقية، والنفسياسة أو النفطياسة، وهي أوصاف تصدق على كثير مما يواجه العالم من نزاعات في حقبتنا هذه، فالعرقومية منحوتة من العرقية والقومية، وكذلك العردينية من العرقية والدينية، أي النزاعات المشتملة على ذين البُعدين معًا.
ثم انظر إلى أبنية الأفعال عند العرب ومعانيها تَرَ عجبًا، فوزن فعّل مشدد العين مثلاً يفيد النقل، كفرّحتُه، أي نقلت إليه الفرح؛ والتكثير كقطَّعته؛ والجعل على صفة كفطّرته؛ والتسمية، كخطّأته وفسّقته وكفرته، أي سميته مخطئًا أو فاسقًا أو كافرًا، والدعاء للشيء، كسقَّيته؛ أو عليه، كعقرّته؛ والقيام على الشيء، كمرّضته؛ والإزالة كقذَّيتُ عينه، أي أزلت قذاها؛ والرمي بالشيء، كجبّنته، أي رميته بالجبن.
وإن شئت ألا ينقضي عجبك فانظر من العربية إلى باب الإدغام وما فيه من أقسام يعرف بعضها من لهم صلة بعلم القراءات وفنّ التجويد، وهو باب واسع يجعل المرء يقف إجلالاً أمام عبقرية هذه اللغة في التخفيف على الناطقين بِها، أدغمت في مواضع وفكّت في أخرى، ولو جعلت هذه مكان تلك أو عكست وقفت على مبلغ العرب في تذوق الكلام والسعي للخفة في كل ما فاهوا به، ورحم الله الإمام حمزة بن حبيب الزيّات في اختياراته اللطيفة في هذا الباب، والإمام السوسي قطب باب الإدغام، كما سمّاه الإمام الشاطبيّ في لاميته العظيمة المشهورة بالشاطبية.
ولا تفوتنك في هذا السياق تلك المنادح الواسعة من التقديم والتأخير، والحذف والتقدير، والإضمار والفصل، والاتساع والحمل، والتضمين والجوار، والاستغناء ورعاية الظاهر واعتبار المحل، ومعاني الحروف والأدوات ووقوع بعضها موقع بعض، وتبادل وظائف الأبنية، ثم لغة الشعر التي يسمونَها الضرائر، وكلُّها ظواهرُ تَدُلُّ على عِظَمِ العربية وعُلُوِّ كَعْبِ أهلِها في كمال الذوق وجودة السليقة.
أَلَمْ تَرَ إِلى العربِ كيفَ بالغت في طلب الخِفَّةِ حتى حذفت كلَّ ما لا حاجة إليه في جلاء المعنى واستغنت عنه، فقالت: امرأةٌ طاهرٌ من الحيض، لأنَّ الرجلَ لا يشركها في الحيض، وطاهرةٌ من العيوب؛ لأنه يشركها في ذلك، وكذلك قاعدٌ من الحبل، وقاعدةٌ من القعود، ومثله حاملٌ وحاملة؟ وكلُّ ما استقلت به المرأة عن الرجل سقطت من آخره التاء التي يجاء بِها للتأنيث.
وفي الهمز وأحواله دلائلُ باهرة على مبلغ العرب في طلب الخفة، فالهمز ثقيل، والعرب تصرفت فيه ما لم تتصرف في سواه من الحروف، فجاءت به على سبعة أوجه مستعملة في القرآن؛ جاءت بها محققًا، ومخففًا، ومبدلاً بغيره، وملقًى حركته على ما قبله، ومحذوفًا، ومثبتًا، ومسهلاً بين حركته والحرف الذي منه حركته. وهم في ذلك كله إنما كانوا يسعون لطلب الخفة، فإن حققوا فللخفة، وإن سهلوا فللخفة، يحدوهم الذوق وتسندهم الرواية.
من العرب من كان لسانه يطوع بنطق الهمزتين متتاليتين محققتين، فنطق بِهما كذلك، وجاءتنا بِهذا الروايةُ القرآنية عن عاصم برواية حفص، وهي الرواية التي كتب لها من الذيوع والانتشار ما لم يكتب لسواها، ومنهم من كان يستثقل هذا فجنح إلى التخفيف، وبالتخفيف جاءت روايات أخرى كثيرة. كان نافع، وهو قارئ الدينة يقرأ بتخفيف الهمز في مواضع كثيرة، وقد روى عنه تلميذه النجيب الملقب بورش المصري، إبدال الهمز الساكن هروبًا من ثقله، فإن رأى الهمز أخفَّ من الإبدال همز، كما وقع في باب الإيواء، وقد أفردنا مسألة الهمز ببحث طويل، فليرجع الراغب إليه، ففيه فوائد كثيرة.