1- معاجم التعابير الاصطلاحية:
التعبير الاصطلاحي:
يُطْلِق عليه بعض الباحثين المغاربة مصطلح الألفاظ المسكوكة، لكنَّ المصطلح الذي انتشر وكُتب له الذيوع، هو التعبير الاصطلاحي ترجمةً لمصطلح (Idioms).، وهو: عبارةٌ لا يُفهم معناها الكُلِّي بمجرد فهم معاني مفرداتها وضمِّ هذا المعاني بعضها إلى بعض. فهو مجموعةُ كلماتٍ تُكَوِّن بمجموعها دلالةً غير الدلالة المعجمية لها مفردةً ومركبةً، وهذه الدلالةُ تأتيها من اتفاق جماعةٍ لغويةٍ على مفهومٍ تُحمِّله لهذا التجمع اللفظي.
مثال: "أسلم رجليه للريح" الدلالة المعجمية: أعطى رجليه للريح، لكنّ دلالته عند العرب لا تعني هذا المعنى، وإنما تفيد هرب الإنسان مسرعًا، أو فراره من أمرٍ من الأمور، وقد أتت هذه الدلالة من اتفاق الجماعة اللغوية العربية على تحميله هذا المعنى.
فتكوين التعبير الاصطلاحي قائم ٌعلى "سلسلةٍ من الكلمات التي تُقيِّدها عوامل دلالية وتركيبية تجعل منها وحدة" "دلالية جديدة.
إلا أننا لا نجد اهتمامًا ملحوظًا بهذا المجال ذي الأهمية العصرية في تدريس اللسانيات في جامعاتنا، مع أنه شديد الأهمية في أكثر من مجال، فبالنسبة للطلبة العرب مهمٌّ لما يعطيهم من أساليبَ لغويَّةٍ تنمِّي أساليب كتاباتهم، وبالنسبة للطلبة من غير العرب، فإنه يزيد من مخزونهم اللغوي، كما ان له فائدة عظيمة في مجال الترجمة الآلية.
فينبغي أن يعرَّف الطلاب هذا النوع من المعاجم وأن يعطوا الأدوات التي تعينهم على إنجاز أبحاث علمية مرتبطة بهذا المجال الحيوي من مجالات اللسانيات التطبيقية.
2- معاجم المتلازمات اللفظية:
تُعنى هذه المعاجم بتصنيف الكلمات الملازمة لبعضها دائمًا مثل ملازمة صفة لموصوف كقولنا "مطرٌ غزير" فإنّ الصفة غزير تدلُّ على كثرة نزول المطر، وتكون ملازمةً في أغلب النصوص للموصوف المطر. وتعاني مكتبتنا العربية من ندرة هذا النوع من المعاجم.
وهذا النوع من المعاجم مهمٌّ للناطقين بالعربية وللناطقين بغيرها فهو يعين أهل اللغة على اختيار الكلمات الأنسب في كتاباتهم، ويجعل اللغة ممتعة بملكة السليقة اللغوية المتفقة مع أساليب العرب، أما غير الناطقين بها فإنّ هذه المعاجم تساعدهم على إزالة التداخل بين لغتهم الأم واللغة العربية؛ لأنّ المتابع لعملية تعليم العربية لغير الناطقين بها، والمحتك مع طلبتها يلحظُ أنّ أكثر أخطاء الطلاب ترتبط بهذه الناحية اللغوية؛ إذ إن الطالب لا يعرف الحرف الفاصل بين فعلٍ وآخر فتراه يضع الفعل ولا يفصل بينه وبين الفعل الثاني في ترتيب الجملة فيقول مثلاً:
أحبُّ أذهبُ بدلاً من أحبُّ أنْ أَذهبَ
أريدُ أخرجُ بدلاً من أريدُ أنْ أَخرجَ.
ويمكن استثمار الحاسوب لإنجاز النوعين السابقين من المعاجم؛ لأنَّ الآلة تسهّل عمليات الإحصاء وتعين في اختزال الوقت وتحقق الدِّقة في النتائج، ولهذا فينبغي أن تصبح مادة اللسانيات الحاسوبية (Computational linguistics) جزءًا من المواد التعليمية التي يتلقاها الطلاب، لنفتح أمام طلابنا بابا مازال جديدا لخدمة اللغة العربية وهو علم اللسانيات الحاسوبي وسأقدم لمحةً موجزة عنه:
علم اللسانيات الحاسوبي:
أوجز تعريف لهذا العلم هو: أنه يقوم على ربط اللغة بالآلة، هذا المجال الفسيح الجديد يفيد منه كل اللغويين الذي يريدون أن يوظِّفوا الحاسوب خدمةً لمجالهم، لاسيما الذين يعملون في مجال الإحصاء اللغوي، والترجمة الآلية، وصناعة المعاجم الإلكترونية، ولا شكّ أنَّ قضية البرمجة مرتبطةٌ بهندسة الحواسيب، لكن ثمَّة برامج مكتبية تحقق لطالب اللغة خدمات كثيرة، لاسيما برامج قواعد البيانات مثل: الأكسس الذي يسهّل على الطالب معرفة انتشار ظاهرة من الظواهر اللغوية.
كان هذا عرضًا موجزًا لكيفية توظيف اللسانيات التطبيقية في تعليم العربية وهناك مجالات أخرى تحتاج إلى دراساتٍ مستقلة أذكر منها: المرصد اللغوي، ومع أنّ قضية رصد الكلمات ليست وليدة اللسانيات، إذ إن عددًا غير قليل من المفردات رُصدت في أزمنة سابقة في كتب اللحن وفي المعاجم، إلا أنَّ الإفادة من اللسانيات هنا تتحقق فيما دعت إليه اللسانيات في جانب تطبيقي من جوانبها، وهو علم المصطلح الذي يبين أهمية تعليم الطلبة المباحث المنطقية المتعلقة بالمفاهيم وكيفية إيجاد الألفاظ لها، فهذا الأمر يؤدِّي إلى تعرف كيفية إيجاد ألفاظٍ لمفاهيم يرصدها المرصد اللغوي المعاصر، ولا يستثني مكانًا له علاقةٌ بتوليد الكلمات والأساليب الجديدة، لاسيما وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة.
إن كلّ غيور على هذه اللغة وكل غوّاص في بحرها همه الأول أن يراها دائمًا في أعلى مقام تستحقه ولا يتحقق هذا إلا ببث روح التجديد في مناهج تدريسها وتعليمها، واللسانيات تُعد مجالا رحبا لبث هذه الروح المجددة.
الاقتراحات:
1- إدخال مادة اللسانيات التطبيقية إلى السنة الأولى الجامعية.
2- تعليم مادة الأصوات في مختبرٍ لغويٍّ عصريًّ لا سيما للطلاب غير الناطقين بالعربية.
3- تعريف الطلاب على كيفية الإفادة من علم الدلالة وعلم المعجم في إيجاد مشاريع لغوية تخدم اللغة العربية.
4- العمل على ربط طالب اللغة العربية بالمجتمع الذي يعيش فيه، وذلك من خلال استثمار اللسانيات التطبيقية في تعليم اللغة العربية.
5- الإفادة من الحاسوب في إنجاز المشاريع المعجمية المعاصرة.
المراجع:
• د. أحمد عزوز، أصول تراثية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2002م.
• د. أحمد مختار عمر، علم الدلالة، عالم الكتب، القاهرة، ط5، 1998م.
• ر ه روبنز، مُوجز تاريخ علم اللغة في الغرب، ترجمة أحمد عوض، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1997.
• د. عبده الرجحي، علم اللغة التطبيقي وتعليم اللغة العربية، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1995.
• د. عبد السلام المسدي، التفكير اللساني في الحضارة العربية، الدار العربية للكتاب، تونس، ط2، 1986.
• د. عبد العزيز مطر، "علماء الأصوات العرب سبقوا اللغويين المحدثين"، اللسان العربي، م 7، ج 1، 1970م.
• ف. ر.بالمر، علم الدلالة إطار جديد، ترجمة صبري إبراهيم السيد، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1995م.
• د. محمد حسن عبد العزيز، سوسير رائد علم اللغة، دار الفكر العربي، القاهرة.
• د. محمود فهمي حجازي، مدخل إلى علم اللغة، دار قباء، القاهرة، 1997.
[1]ولد في جنيف سنة 1857، وبدأ حياته بعلم الكيمياء ثم انتقل إلى دراسة اللغات ونقل دراسته إلى جامعة ليبزج حيث تابع دراساته اللغوية ولم يكتب كثيرًا من المؤلفات اللغوية، حتى إن محاضراته في علم اللسانيات لم يحضر طباعتها، وإنما جمعها وطبعها طالبان من طلابه هما بالي (Bally) و سيشهاي (Cechehaye) وتعددت ترجمات هذه المحاضرات فمنهم من أطلق عليها محاضرات في اللسانيات العامة ومنهم ومن سمَّاها دروس في اللسانيات العامة. بتصرف من: د. محمد حسن عبد العزيز، سوسير رائد علم اللغة، ص 9-13.
[2] يُنظر: ر ه روبنز، مُوجز تاريخ علم اللغة في الغرب، ص21.
[3] يُنظر: د. عبده الراجحي، علم اللغة التطبيقي وتعليم اللغة العربية، ص 8.
[4] السابق بتصرف، ص 12-13.
[5] د. عبد العزيز مطر، "علماء الأصوات العرب سبقوا اللغويين المحدثين"، ص52"
[6]د. عبد السلام المسدي، التفكير اللساني في الحضارة العربية، ص 266.
[7] بالمر، علم الدلالة إطار جديد، ص 10.
[8] د. احمد مختار عمر، علم الدلالة، ص 11.
[9]د. محمود فهمي حجازي، مدخل إلى علم اللغة، ص 18.
[10] د. أحمد عزوز، أصول تراثية، ص 13.
[11] السابق، ص 12.