وبعد هذا العرض الموجز لواقع علم الأصوات في تعليم العربية، أعرض بعض الاقتراحات في كيفية الإفادة من اللسانيات التطبيقية في هذا الموضوع:
1- لابد من اقتراحٍ جديدٍ تُعدَّلُ فيه مناهجُ دراسة اللغة العربية في الجامعات، من الناحية اللغوية. فلِمَ لا تُوضع في قسم اللغويات مادة الصوتيات قبل الصرف والنحو أو معهما جريًا على التقسيم اللساني للغة؟ فالتقسيم اللساني يسير على أنّ اللغةَ تقوم على الصوت (الفونيم) ثم البنية (المورفيم) ثم التركيب (السينتكس)، فهل يستقيمُ ألا يكون في السنة الأولى مادة ترتبط بعلم الأصوات؟
2- بعد وضع مِنهاج مادة الصوتيات في السنة الأولى على الكلية أن تختار أستاذًا ضليعًا في الصوتيات، ممن أُوتي خبرة في نطق حروف العربية ومعرفة مخارجها وصفاتها وإتقانه لتنغيمها ونبرها لتدريس هذه المادة، ووضع مفرداتها.
3- يتعرَّفُ الطالب في هذه المادة جهازَ النطق، ومخارج الحروف، وصفاتها، تنظيرًا وتطبيقًا. وتدْمَجُ في هذه المادة الأبحاثُ المرتبطة بالإعلال والإدغام التي تُدرّس في الصرف مع أنها لصيقة بعلم الأصوات.
4- من المفيد جدًّا إعدادُ مخبرٍ صوتيٍّ يُشرِفُ عليه أستاذُ الصوتيات، ويُستفاد من طرق الآخرين في وضع لوحات تحدِّد مخرج الحرف والصور التي تعتريه، وحبذا إيجادُ رموزٍ كتابيةٍ تحدِّدُ كيفية النطق، كتحديد نطق الترقيق والتفخيم....إلخ. وفي هذا المخبر تتمُّ أمور مهمة في مجال تعليم العربية لغير الناطقين بها حيث إننا نستطيع فيه نقل الجانب النظري إلى جانبٍ عمليٍّ، فتحديد الوحدات الصوتية في اللغة العربية مهم جدًا بالنسبة لمتعلمها من غير أهلها فالمثال المعروف في هذا المجال هو التفريق بين سار وصار وبين طين وتين فيدرّب الناطقون بغير العربية على كيفية نطق هذا الصوت في المختبر الصوتي؛ حتى تتأقلم أجهزة نطقهم مع هذه الظواهر الصوتية، فعلم الصوت الفنولوجي يخدمنا كثيرًا في تعليم الطالب الفوارق بين الصوتين حيث إننا نركِّز على اختلاف المعنى ونستعين به في إعانة الطالب على نطق الحرف؛ إذ إنَّ جملته العصبية ستوجه عامود الهواء إلى حواجز تتفق مع معنى الكلمة المراد نطقها، فعندما يدرك الطالب في ذهنه أنه إذا وضع دالاً محلَّ الضاد في ضلَّ فتخرج منه دلّ فهذا يخرج الكلمة عن المعنى المستعملة فيه، وهذا سيجعله يحرص على تغيير وضع لسانه لنطق الضاد بشكل صحيح يفيد المعنى الذي يريده وهو الضلال وليس الدل على مكان ما.
5- يُعلَّم الطالب توظيف التنغيم (Intonation) في نطق الجمل، وهذا التوظيف لا يؤدّي فقط إلى إتقان نطق الأصوات، وإنما يجعل الطالب يتكلم لغة سلسةً مقبولةً عند السامعين، ويرافق التنغيم (Intonation) تعليم الطالب طريقة النبر (Stress)في العربية، وهذا لا يتحقق إلا بعد تعريفه بمقاطع الكلمة وأقسامها في اللغة العربية.
6- تُخصص في السنة الأولى ساعاتٍ لما يُسمَّى بالأداء اللغوي، تُطبق فيها البحوث التنظيرية التي أخذها في علم الأصوات، وتكون هذه الساعاتُ مشابهةً لما يُعرَف بساعات حلقات البحث في قسم اللغة العربية، ومقابلة لساعات القسم العملي في الكليات العلمية.
2- المستوى الدلالي:
إن المستوى الدلالي أصبح علمًا قائمًا بذاته ويعد من أهمِّ الدراسات اللسانية التطبيقية، وذلك لما يعطيه للغة الإنسانية من حيوية ترتبط بالإنسان وبفهم الوجود والكون، وقد ظهر مصطلح علم الدلالة (Semantics) في أوربا كما يرى بالمر سنة 1948[7]. ولم يُعرف هذا المصطلح في تراثنا اللغوي العربي مع أن إرهاصاتٍ كثيرةً قد وجدت في مصنفات العلماء المسلمين فيها كثيرٌ من ملامح علم الدلالة كما في الخصائص لابن جني والصاحبي لأحمد بن فارس والمخصص لابن سيده.
وعُرّف علم الدلالة تعريفاتٍ عدة أشهرها أنه : "علم دراسة المعنى"[8] لكن هذا المعنى لا يعطي الوظيفة الحقيقة لعلم الدلالة؛ فالمعجم يهتم بالمعنى والبلاغة تهم بالمعنى، ولهذا فإن الأنسب أن نصيغ تعريفًا يتفق مع الوظيفة الحقيقية لهذا العلم فنقول: "إنه العلم الذي يدرس معاني الرموز اللغوية وفق سياقاتها ونستطيع اعتمادا عليه توزيع المفردات ومعانيها وَفق حقول تحقق الترابط بين الكلمات ودلالاتها فهو العلم المعين على فهم العلاقة بين الدوال ومدلولاتها".
وكما ذكرت آنفًا فإن هذا العلم لم يكن غريبًا عن علمائنا الأوائل فنجد بين ثنايا مصنفاتهم كثيرًا من إرهاصاته لا سيما في معاجم المعاني مثل الغريب المصنف للقاسم بن سلام (ت 224 هــ)، وفقه اللغة وسر العربية للثعالبي (ت 429 هــ)، والمخصص لابن سيده (ت 458 هــ).
إن هذه المادة تعدُّ من المواد الحيوية التي ترغِّب الطلاب في التبحر في اللغة إن أُحسن توظيفها عمليًّا، لأنها تجعل الطالب مرتبطًا بالعالَم المحيط به؛ لأنَّ هذا العلمَ يسعى إلى إدراكِ معاني كلِّ ما في الوجود وَفق السياقات التي يرد فيه.
فينبغي أن يُعطى الطالب في سنة من السنوات مادةً مستقلة مرتبطةً بهذا العلم، يتعرف فيها ما قدّمه الأجداد، وما يقدمه الغربيون في زمننا، وفي هذه المادة يعرِّف المدرس طلابه بنظريات الحقول الدلالية، وكيفية الربط بين مفاهيم عديدة اعتمادًا على الدلالة، ومن ثم صناعة معاجم حقولٍ دلالية، تتفق وتطورات العصر، بحيث يعرف الطالب كيف طُوِّر هذا النوع من المعاجم، وما الجديد في هذا الباب الذي عرفه تراثنا، وأُطلق عليه مصطلح معاجم المعاني، ويمكن أن يتعرف الطالبُ طريقةَ توظيف الحقول الدلالية في مجال تعليم اللغة لغير الناطقين بها. فعاجم الحقول الدلالية تمثِّل الجانبَ التطبيقيَّ للدراسات الدلالية[9].
وأقرب تعريف للحقل الدلالي هو تعريف جورج مونان الذي بيَّن أنه: "مجموعة من الوحدات المعجمية التي تشتمل على مفاهيم تندرج تحت مفهومٍ عامٍّ يُحدِّد الحقل [10]"فهو أبسط تعريف جامع لمعنى الحقل الدلالي، فكلمة شجرة مفهوم عام تندرج تحته أشجار البرتقال، والتفاح واللوز، والمشمش...إلخ، هذه الألفاظ تمثِّل وحداتٍ معجميةً حاملةً لمفاهيم معينة تتفق ومفهوم الوحدة المعجمية الشجرة، ومن مجموع الوحدات المعجمية ومفاهيمها يتكون حقل دلالي مستقل. فهو قِطاعٌ دلاليٌّ مترابط، يتألف من مفردات اللغة التي تعبر عن تصورٍ أو رؤيةٍ أو موضوعٍ أو فكرةٍ معينة، فالكلمات المكوِّنة للحقل الدِّلالي ترتبط بموضوع معين وتعبر عنه[11]. فنفهم معنى الكلمة من علاقتها بالكلمات الأخرى، داخل الحقل الدلالي؛ لأن الحقل الدلالي هو الذي يحصر العلاقات بين الكلمات حتى يفهم معناها وعلاقتها بالمفهوم العام.
فإذا استطعنا الربط التطبيقي بين التنظير الدلالي وتطبيقاته فإننا سنعين الطلاب على فتح مجالات كثيرة أمامهم تسهم في زيادة رغبتهم في تعلم اللغة العربية، وتؤدِّي إلى إيجاد مشاريعَ لغويةٍ يُستثمر فيها الطلاب الممتعون بمقدرات ذهنيةٍ وتفوقٍ واجتهادٍ علمي في هذا المجال، كأن نُصنف حقولًا دلالية لأكثر الكلمات شيوعا في مجالات الحياة العامة مثل حقول التسوق والسفر والتعارف أي الموضوعات المرتبطة بحاجات متعلمي اللغة العربية من غير الناطقين بها. لأننا نعاني في تعليم العربية لغير الناطقين بها من عدم وجود مدوّنة لغويةٍ محتويةٍ لأكثر الكلمات العربية شيوعًا (استعمالاً) في الحياة العامة، فلو أتْقَنا تدريس هذا المستوى للطلاب فإن الطلاب أنفسهم سيكونون عونًا للأساتذة في تجميع هذه الحقول الدلالية، ومن ثم تأليف كتبٍ تحقق الفائدة المنشودة لناطقين بغير العربية.
3- المستوى المعجمي:
الغريب أنَّ الطالب يتخرج في الجامعات وهو يظنُّ أنَّ فائدة المعجم لا تتعدى استخراج معاني الكلمات، وهذا خطيرٌ جدًّا؛ لأنَّ المعجم حاوٍ لحضارة الأمة، أدبًا وشعرًا وفكرًا، فهل يقبل من كلياتنا أن يتخرج الطالب وهو لا يدرك كنه معاجمه ووظيفتها ودورها الحضاري؟
إذن لا بد أن تخصص مادة لتدريس المعجم، صناعةً ودراسةً، ليتعرف الطالب مناهجَ صناعة المعاجم، وأنواعها، ويُدرَّبُ على صنع نوعٍ منها مستفيدًا من اللسانيات التطبيقية في هذا الجانب.
ومن ناحية دراسة بنيات المعجم فعلى الكلية تزويدُ الطالب بطرق دراسة المعاجم من الناحية الصوتية والبنوية والتركيبية والدلالية، أي أن يدرسَ طبيعة موادها ليعرف مستوياتها اللغوية، وتطور مفرداتها التاريخي، فيعرف انتشار الفصيح والمولَّد والعامي والمعرَّب في معاجمنا، كما أنه يعرف كيفية جعل المستوى اللغوي في المعاجم مناسب للمستعمل الذي صُنِّف المعجم له، فمكتباتنا العربية تفتقر إلى معجمٍ استعمالي يحصر الكلمات العربية الأكثر شيوعًا واستعمالاً، كما في معاجم اللغة الإنكليزية، واستثمار هذا النوع من المعاجم يتجلى في تعليم العربية لغير أبنائها، أي أننا نستطيع وفق هذه المعاجم تزويد الطالب بمخزون لغويٍّ يعينه على التواصل مع أبناء اللغة العربية، وذلك لا يكون إلا عندما نقوم بعملياتٍ إحصائيّةٍ دقيقةٍ توفرها لنا وفرة الطلاب في الكليات حيث يكلفون بإعداد استبانات لغوية لحصر أكثر الكلمات شيوعا في شتى مجالات الحياة، ثم نقوم بغربلة هذه الاستبانات وتصفيتها حتى نصل إلى معجم حاوٍ على ثلاثة آلاف كلمة مثلا أو أكثر نجعلها في كتب لطلاب اللغة العربية من غير الناطقين بها، وبهذا فإن التلاقي واضح بين الحقول الدلالية والمستوى المعجمي فكل منهما يكمل الآخر، أما من الناحية البحثية، فأرى أهمية البدء بمشاريع دعا إليها لغويون معاصرون أفادوا من مصطلحات علم اللسانيات أمثال الدكتور محمود فهمي حجازي الذي دعا إلى البدء بمعجم يضم المتلازمات اللغوية ومعرفة السياقات التي توضع فيها؛ لا شك أن عددًا من اللغويين، يرى أن المعجم الحاسوبي أو التفاعلي ينبغي أن يحتوي هذه الأشياء، لكن هل ننتظر ظهور المعجم التفاعلي، أم نبدأ بمشاريع مستقلة ربما يفيد منها المعجم التفاعلي، والذخيرة اللغوية، والمعجم التاريخي، ولا يتحقق ذلك إلا بعرض جميع أنواع المعاجم قديمها وحديثها، فلا بد أن يتعرف الطالب ما جدّ في الصناعة المعجمية التي فرزت محتويات المعاجم السابقة إلى معاجم مستقلة، فصار عندنا معاجم للتعابير الاصطلاحية، ومعاجم الحقول الدلالية، ومعاجم المتلازمات اللفظية، وسأقف عند نوعين من هذه الأنواع وهما معاجم التعابير المصطلحية ومعاجم المتلازمات اللفظية؛ لأنني قد ذكرت سابقًا موجزًا عن معاجم الحقول الدلالية: