أيها الإخوان، إن المستعربين من علماء المشرقيات فريقان متفقان في الاعتقاد بجمال هذه اللغة، والاعتراف بمزاياها على العلم والمدنية، مختلفَا الدواعي والبواعث في معاملتها؛ فريق ينظر إليها نظر الهون والمصلحة، فينادي بموتها، ويعمل على موتها، ويزهِّد فيها الناس، ويتجنى عليها، وينحلها العيوب، وفريق ينظر إليها نظر العلم المجرد، فيتعلمها بإخلاص، ويحض على تعلمها، ويُشيد بذكرها في المحافل والكتب، وإن لهذا الفريق في خدمة هذه اللغة أياديَ بيضاء، يستحقون عليها الشكر العظيم من أبناء هذه اللغة، فكم كتبوا عنها مؤلفات، وكم عقدوا للبحث عن دقائقها مؤتمرات، وكم طبعوا من أسفارها القيمة في اللغة، والأدب، والتاريخ، والعلوم! ولو لم يكن من فضلهم عليها إلا إحياء أمهات علمية، عجزنا نحن عن إحيائها، لكان ذلك موجِبًا لعرفان جميلهم، وإذا كان فضل العربية عليهم في القديم عظيمًا، فقد قابلوا الفضل بفضل، ولهم الشكر على كل حال.
إن في هذه النقطة موضعَ اعتبار، وهي أنه إذا كان الأجنبي عن هذه اللغة يعرف لها فضلها، فيُحيي من آثارها ما استطاع، ويحث قومه على تعلمها، والاستفادة من ذخائرها، وحكومته من ورائه تجمع له مئات الآلاف من أسفارها القيمة، فماذا صنعنا نحن، ونحن أبناؤها حقيقة؟!
الحق أن ما صنعناه نحن لهذه الأم ضئيلٌ، وأن ما أنفقناه في سبيلها قليل، ولكن النية في خدمتها صحيحة، والرغبة في تعلمها مُلحَّة.
وعلى الله قصد السبيل.
____________________
المصدر: آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي ط دار الغرب الإسلامي (1/ 373 - 380)
________________________
[1] "الشهاب"، الجزء الأول، المجلد الخامس عشر، فيفري 1939 م، ص: 11.