ويركز أندري مارتيني على صبغة المحلية التي تصطبغ بها اللهجة حيث يكون الناطقون بالنمط المحلي اللهجي"أشد وعيا لوحدة الكل ولا يعيرون اهتماما كبيرا للاختلافات فيما بينها، كما ينظرون إلى اللغة المشتركة والنمط المحلي على أنهما مجرد أسلوبين للغة واحدة وليس نمطين لغويين مختلفين[23]."
نستنتج مما سبق، أن اللهجات العامية ذات خصوصية جزئية تندرج ضمن إطار عام كلي هو اللغة الحاضنة، تخص مجموعة بشرية تحتل حيزا جغرافيا محددا؛ وهي في الثقافة العربية فصحى محرفة ومختلطة بأصول أجنبية ودخيلة.
وقد أولت اللسانيات الحديثة اهتماما ملحوظا للجانب المنطوق للغة، باعتبارها مجموعة أصوات أو متواليات صوتية، أصبحت معها دراسة اللهجات فرعا مهما من فروع اللسانيات، يسمى "علم اللهجات"، ينكب على دراسة علمية منهجية تسعى لتحديد معالمها واستنباط القوانين المتحكمة في ظواهرها الصوتية والصرفية والتركيبية والمعجمية والدلالية، كما اهتم المستشرقون في العالم العربي بحقل الدراسات اللهجية[24]، حيث ارتبطت دراسة اللهجات في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بالمناهج اللغوية التاريخية، وسعت إلى المساعدة على دراسة التطور التاريخي للغة، كما تزايد الاهتمام بهذا الحقل بعد أن جعلت المجامع اللغوية العربية من بين أهدافها المحافظة على اللغة العربية وإنجاز دراسات علمية للهجات العربية الحديثة، خصوصا مع تأسيس لجنة اللهجات داخل هذه المجامع اللغوية[25] مثل المجمع اللغوي بالقاهرة.
ب- التطور التاريخي للدراسات حول العامية المغربية:
لقد شهد المغرب كباقي دول الجزائر ومصر اهتماما بالغا بالعامية المغربية عند المستشرقين؛ ظهر ذلك في البحوث والدراسات المنجزة في جميع المجالات التاريخية والأنثربولوجية والإثنوغرافية والسوسيولوجية واللسانية من قبل أعلام الاستشراق الفرنسي، خصوصا بعد التمرس الأكاديمي الذي زاولوه بالجزائر؛ فتمخض عن ذلك نصوص مرجعية دالة، إلا أن اللافت عند رصد مسار التطور التاريخي هو البداية المبكرة للاهتمام العلمي بهذا المجال المرتبط في بعض جوانبه بالأندلس وخصوصا الدراسات الإسبانية، حيث أنجزت في هذا السياق العديد من الدراسات المعجمية المتناولة للألفاظ العامية المغربية والمتمركزة بشكل أساس على شمال المغرب، فمن أوائل المعاجم المنجزة كانت من قبل النصارى الإسبان الذين كانوا يرومون الاستيلاء على الأندلس وطرد المسلمين من ديارهم تحت مسمى "حروب الاسترداد"، لهذا نجد أقدم معجم وصلنا ألف في القرن الرابع الهجري[26].
وتعتبر دراسات كل من فرغسون[27] وهاليدي[28] من الأعمال الأولى التي استخدمت مصطلح علم اللهجات وجغرافية اللهجات في سياق علم اللغة، لتبدأ معها الأبحاث الأجنبية في اللهجات المغربية مع بداية القرن العشرين، ويمكن التمييز في هذا السياق بين نوعين من الدراسات: نوع يهتم بالعربية المغربية عموما؛ ويعتبر هاريس[29] من الباحثين الأوائل في هذا المجال مع مارسي[30]، وظهر في المرحلة نفسها عمل كانتينو[31]، ثم عمل هاريل[32] حول العربية المغربية، أما النوع الآخر فاهتم باللهجات المحلية؛ ومن أبرز الأبحاث المنجزة في هذا الإطار، عمل ليفي بروفنسال بخصوص لهجة ورغة بضواحي فاس، تحت عنوان: "النصوص العربية لورغة[33]"، وعمل جورج كولان[34] تحت عنوان:"ملاحظات عن اللهجة العربية لشمال منطقة تازة" و"معجم العامية المغربية[35]".
أما تفسير هذا الإقبال الكبير من لدن الباحثين الأجانب على دراسة العاميات العربية واهتمامهم بتدوين ألفاظها ونصوصها، فله بواعث تنصيرية وأغراض استعمارية، وتوجد أمثلة عديدة في هذين الموضوعين منها ما يتعلق بعامية الغرب الإسلامي، كالعمل الذي قام به الراهب القطلاني "ريموند مرتين" الذي ألف في منتصف القرن السابع الهجري معجما عربيًّا لاتينيًّا وآخر لاتينيًّا عربيًّا حسب العامية الأندلسية يمثل لهجة أهل شرق الأندلس، والراهب "بدرو دي الكالا" الذي ألف في نهاية القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) معجمًا في العامية الأندلسية أيضا وهو يمثل لهجة أهل غرناطة وما يتصل بها؛ وجاء بعد هذين الراهبين رهبان آخرون دونوا ألفاظ العامية المغربية كما سمعوها في زمنهم ، وكان آخرهم الراهب الإسباني J.Leechundi الذي أكمل في مدينة طنجة معجمه الإسباني العربي عام 1892م[36].
وهكذا نشأ مبكرا[37] اهتمام الاستشراق الأجنبي بحقل دراسة العاميات العربية فعندما قرر الأوروبيون غزو البلاد العربية واستعمارها، أسسوا لذلك مدارس لدراسة لغات وثقافات هذه البلدان، نذكر منها في فرنسا على سبيل المثال- مدرسة اللغات الشرقية الحية: cole des Langues Orientales Vivantes بل توسعوا في هذا الشأن بعد تسلطهم على البلدان العربية وتحكمهم فيها، فأحدثوا معاهد عليا لدراسة اللهجات العربية العامية واللهجات الأمازيغية لتعليم أطرهم المختلفة، كما ألفت كتب في قواعد هذه اللهجات ووضعت معاجم في مفرداتها، وكانت تمنح فيها شهادات مختلفة، ومن هذه المعاهد؛ على سبيل المثال أيضا المعهد الذي أسس بالرباط في عهد الحماية الفرنسية وسمي "معهد الأبحاث العليا المغربية" Institut des Hautes tudes Marocaines ، وقد نشر هذا المعهد من بدايته سنة 1915م إلى نهايته سنة 1959 عددا كبيرًا جدَّا من النصوص في اللهجات العامية العربية واللهجات الأمازيغية على اختلافها[38].
وقد أشار الأستاذ محمد بن شريفة أن هذا الاهتمام الكبير باللهجات المغربية في عهد الحماية الفرنسية لم يكن بريئًا ولا خالصًا لوجه العلم، وإنما كان نتيجة تخطيط استعماري بعيد المرامي، وهذا ما كشف عنه المستعرب الفرنسي الشهير جورج كولان الذي كانت سلطات الحماية الفرنسية ترجع إليه وتستشيره في المسألة اللغوية بالمغرب، فقد كتب هذا المستعرب في الأربعينيات بحثًا عالج فيه مشكلة اللغة في المغرب واقترح حلَّين : أحدهما تعميم الدارجة التي يفهمها الجميع واتخاذها لغة للثقافة والآخر هو تعميم اللغة الفرنسية في المغرب وجعلها وسيلة للثقافة وحدها[39].
وعليه، لم يكن اشتغال الاستعمار وأدواته الاستشراقية بدراسة اللهجات العربية ومن ضمنها اللهجة المغربية، محض اهتمام علمي، بقدر ما كان يدخل ضمن سعي الإدارة الاستعمارية لتحقيق تواصل مع الشعوب المستعمرة[40]، فقد أدرك الاستعمار أن اللغة العربية تشكل الضامن الأساس لاستمرارية هوية الجماعة، لأنها تسنن الثقافة وتحمي الفرد من الذوبان ومن فقدان تمايزه الثقافي الذي يمنحه الاعتزاز بخصوصيته[41]، ومن ارتباطها بذاكرة الأمة وبالقرآن الكريم.
أما اهتمام المغاربة بعد الاستقلال فتجلى في دراسة الدارجة المغربية في علاقتها بالفصحى من خلال عدة أبحاث ودراسات أهمها، أعمال الدكتور عبد العزيز بنعبد الله التنظيرية والتأصيلية للدارجة المغربية؛ مثل "الأصول الفصحى في العامية المغربية" منبها إلى أصولها العربية الفصيحة، أو مقارنا إياها مع الدارجات في الوطن العربي، ومثل "الألفاظ العامة المشتركة بين العاميتين في المغرب والشام"و"الألفاظ المشتركة في العاميتين المصرية والمغربية" و"تنظيرات ومقارنات حول فصحى العامية في المغرب والأندلس."و"مظاهر الوحدة بين عامية بغداد وعامية المغرب الأقصى" و"معجم الأصول العربية والأجنبية للعامية المغربية."، ومنها أيضا كتاب الدكتور عبد المنعم سيد عبد العال "معجم شمال المغرب تطوان وما حولها"، ومحمد داود صاحب "معجم العامية بتطوان"، ومحمد المختار السوسي الذي جمع خمسة آلاف لفظ عربي من الكلام الدارج في المغرب[42].
وإذا كان الاستشراق الفرنسي قد درس اللهجات المغربية بهدف استعماري، فقد فتح بابا لغويا ثقافيا من واجهات الصراع إضافة إلى الواجهة العسكرية، غير أن فهم أبعاد الرهان على دراسة اللهجات ضمن المشروع الاستعماري الفرنسي يقتضي وضع إطار عام لعلاقة اللغة بحقل الصراع الاجتماعي والسياسي والثقافي ومدى تأثيره على وجود اللغة وبقاءها؛ فكل أمة حريصة على الحفاظ على لغتها من الانقراض أو الضياع خصوصا إذا ما تهددها عامل خارجي استهدف اجتثاثها والصراع مع اللغة العدو.