عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي النهضة اللغوية ومخاطر سياسات التلهيج الفرنكفونية - حالة المغرب نموذجـًا- [1]

كُتب : [ 07-03-2016 - 09:28 AM ]


النهضة اللغوية ومخاطر سياسات التلهيج الفرنكفونية - حالة المغرب نموذجـًا- [1]
سلمان بونعمان

تسعى حلقات هذه الدراسة إلى الاشتباك مع موضوع حساس للغاية، يتعلق بمدى حضور الأبعاد الثقافية والحضارية في مجتمعات ما بعد الربيع الديمقراطي، من خلال طرح قضية استرجاع السيادة اللغوية الثقافية المفقودة واستكمال معركة الاستقلال اللغوي والثقافي وتفكيك رواسب الاستعمار الثقافي، وكسب معركة التخلف الآخر[1] بتعبير عالم الاجتماع التونسي محمود الذوادي، وهذا يقتضي ونحن بصدد أسئلة ما بعد الربيع الديمقراطي وعي الصراع الحاد حول اللغة باعتباره ليس صراعاً محايداً، فالحديث عن استعمال لغةٍ بدلاً من أخرى، لا يكون محكوماً بالاعتبار اللساني أو اللغوي أو البيداغوجي، وإنما يتعدى ذلك بكثيرٍ، إذ يتأطر بالمقاصد السياسية والحضارية الكبرى للقوى المهيمنة، ويمتد ليعبر عن جوهر الصراع والتوتر الحضاري الراهن[2].

إن إحدى الوظائف الحضارية الأساسية الملقاة على عاتق مجتمعات ما بعد الربيع الديمقراطي هي كسب رهان الاستقلال الثاني لدولة الثورة، وفك الارتهان بالإرث الاستعماري القائم على التغريب الثقافي والافتراس اللغوي وتكريس التبعية الحضارية، خدمة لمصالح الاستعمار الجديد عبر الثقافة واللغة؛ فالحاجة ملحة في عصر الثورة إلى امتلاك القدرة والكفاح الجماعي لاستعادة السيادة اللغوية الثقافية المفقودة والهوية اللغوية المسلوبة، ومجاوزة حالة الاغتراب التي تعيشه العربية واللغات الوطنية، فضلا عن تعزيز مكانتها وتفعيلها الحقيقي في إعادة بناء النسق الثقافي والتعليمي والإعلامي والمعرفي وربطها بالنهضة المركبة المستقلة والشاملة؛ في إطار سياساتٍ لغويةٍ مندمجةٍ وفاعلة ومنفتحة على اللغات العالمية، لكنها متحيزةٌ للذات الحضارية[3].

ولذلك تعالج الدراسة موضوعا قديما / متجددا ألا وهو الدعوات المتكررة في الوطن العربي والدول المغاربية لتشجيع العاميات واعتمادها لغة عالمة والسعي لجعلها بديلا عن اللغة العربية، إذ سنعمل على تحليل الخطاب التلهيجي في الحالة المغربية، وما يخفيه من محاولات للهيمنة الثقافية وإضعاف العربية وعرقلة عملية النهوض بها والتمكين للفرنكفونية المتسترة وراءها؛ وتنقسم الدراسة إلى مدخل عام تأطيري، يقدم للبحث ويبرز إشكاليته الكبرى ومقاربته وتوجهاته ومفاهيمه وأبعاده من منظور منهجي ومعرفي، ثم سننتقل لعرض الأسس التي يستند عليها الخطاب التلهيجي في الترويج لدعوته وتفكيك مقولاته الحاكمة، مع تخصيص محور للرد العلمي عليها بعد عن لغة المصادرة والخطاب المتشنج؛ كما سيتناول البحث بالكشف خلفيات هذه الدعوات وأبعادها السياسية والحضارية؛ فضلا عن تحليل المخاطر ورصد التحديات التي يطرحها طبيعة هذا الخطاب من التمكين للفرنكفونية وإضعاف اللغة العربية وما يستتبعه من تكريس لآفة التجزئة وتقسيم الأوطان وتعميق التخلف.



(1) مدخل عام

لا يمكن لأي بلد أن يشق طريقه نحو النهضة والإبداع والابتكار من غير الرهان على لغته، فقد أثبتت الدراسات والأبحاث العلمية الرصينة في جل الحقول المعرفية المهتمة بعلاقة اللغة بالفكر وارتباطات اللغة بالتنمية فضلا التجارب النهضوية بأن اللغة الأم هي التي تسهم في إنجاز النقلة النهضوية الهائلة، وأنها أحد الأوجه الرئيسة لتدارك الفجوة المعرفية والتنموية ومواكبة التطور العلمي والتكنولوجي؛ ولعل التجربة الصينية واليابانية خير دليل لدعاة الهيمنة الثقافية واللغوية الساعين إلى التشكيك في نموذج "النهضة الحضارية المركبة المستقلة والذاتية" وتحويله إلى نموذج تنموي تابع ثقافيا ولغويا للمستعمر.

وتعد اللغة- حسب عالم اللسانيات عبد القادر الفاسي الفهري - من المسؤوليات المباشرة للدولة ومن المحددات الأساسية لبنية الدولة/الوطن، وإذا كانت اللغة مسألة هوية وتماسك مجتمعي وتراث حضاري ورمز سيادة تاريخية، فإنها إلى جانب ذلك مسألة تنموية وفكرية واقتصادية تنافسية راهنة، اعتبارا لكونها رافعة النمو المعرفي، وأداة لنقل المعرفة والمعلومات إلى عموم القوى المنتجة، ولسان الإنتاج والإبداع والتواصل المعرفي/الثقافي، بل هي أيضا لسان التنافس في مجتمع اقتصاد المعرفة والمعلومات والاتصال؛ كما تشتمل قضية اللغة على أبعاد حقوقية/قانونية وديمقراطية، تتمثل في ضمان الحقوق اللغوية للمواطن والتكفل بحمايتها وتأهيلها، وفي تكريس حقه في الاختيار والاستفتاء حولها، إذ يندرج ضمن هذا البعد السوسيو-النفسي ما تمثله اللغة من الاستقرار النفسي والطمأنينة والاعتزاز بالذات، علاوة على أنها اللحام المجتمعي المؤتمن على الجماعة؛ وعلى ضوء ذلك تتحول المسألة اللغوية إلى مسألة سياسية، تستدعي من الدولة والمجتمع اتخاذ السياسة اللغوية الرشيدة والقرار اللازمين من أجل إفراز وتنفيذ الاختيارات الضرورية لتأهيلها وتطويرها[4].

إن للغة دور حاسم في تطوير قدرات الناس على التمرس بالعمل، وعلى الرفع المستمر من كفاءاتهم، والإغناء المتجدد للخبرة التقنية، وتعميق المعرفة العلمية وتوسيع الثقافة العملية، ولها الدور المركزي في وقاية النسيج الاجتماعي من التفكك، وفي تهذيب السلوك الفردي، وترسيخ القيم الجمالية والحضارية الرفيعة وخلق التوازنات النفسية، ونحو هذا من المجالات الكثيرة التي تتصل باللغة وبحملها الثقافي اتصالا مباشرا[5]؛ ومن ثم لا تعد اللغة مجرد وسيلة للتعبير أو أداة للاتصال والتواصل والتفاهم، أي أنها ليست وعاء تصب فيه المعاني المراد نقلها فقط، وإنما هي وعاء للتفكير وأداة للعمليات التفكيرية، ومشحون حضاري وثقافي ومخزون تراثي، وظاهرة اجتماعية وتاريخية تتطور وتنمو بتعدد وتنوع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلمية.

ومن المتداول بين المختصين في علم اللغة الاجتماعي أن الأمم ذات الثقافات المترسخة لا تستطيع النهوض دون الاعتماد على لغاتها، حيث أن للغة دورا بارزا في عملية النهوض وأثرا بالغ الوقع في التنمية بمفهومها الشامل. فكلما اتسعت قاعدة استعمال لغة ما، وتداولها أصحابها كانوا أقدر على الفهم والإفهام، وأكثر وعيا بالأشياء والأفكار، وأسرع إلى الاختراع والابتكار. ويتأيد هذا الزعم بتجارب بعض الأمم الحاضرة التي سلكت هذا السبيل في النهوض؛ ولذا يظهر أن بين اللغة والمجتمع رحما موصولا وتعاضدا لا غنى لأي منهما عنه[6].

وتتميز اللغة بكونها ظاهرة متعددة الأبعاد، لكونها مجالا يلتقي فيه التاريخي والثقافي بالسياسي والمجتمعي والاقتصادي، ونستحضر هنا مارسيل موس الذي نظر إلى اللغة بوصفها "ظاهرة اجتماعية كلية" (phénomène social total)؛ وذلك لكونها محل تقاطع بين ما يعود للاستعمال الاجتماعي لتلك اللغة، وما يتعلق بمصالح الأفراد أو الجماعات، والدوافع الفردية والجماعية والإيديولوجية، وبالاقتصادي الذي قد يحدد مكانتها؛ ومن ثم تخضع اللغة للتحول التاريخي بتحول المجتمعات. ولقد أبرزت الدراسات في هذا المجال أن اللغة تعرف تحولا حتى في بنيتها، كما ميزت العلوم اللسانية بين ما هو سنكروني يتعلق بالقوانين البنيوية للغة، وبين ما هو دياكروني ويتعلق بتاريخها وتحولها. فالتحولات التي تطرأ على المجتمع، سواء أكانت سياسية أم اجتماعية، لها تأثير على وضع اللغة ومكانتها، كما أن الصراعات الإيديولوجية بين الجماعات والتوترات الاجتماعية تحوم حول اللغة، فكل مرحلة من مراحل تطور المجتمع إلا وتتطلب أن يتكيف الواقع اللغوي مع هذا التطور؛ فهناك لغات تنتعش ولغات تتلاشى بتوقف استعمالها، فقد أحصت اليونسكو حوالي 220 لغة اندثرت منذ 1950[7]. فاللغة في نهاية المطاف تشكل صورة المجتمع عن نفسه، وتعكس أولوياته وطرق تعبيره عن ذاته وطرائق فهمه لعلاقته بأفراده وبالآخرين وبالعالم. بيد أن اللغة لا يتصل معناها الشمولي بالمجتمع وبصورته عن نفسه فحسب، بل يتصل أيضا بالتطور الثقافي الاجتماعي ووعي هذا المجتمع بذاته ومهماته وأولوياته وتوقه إلى الاتصال بالحضارات الإنسانية الأخرى والتفاعل معها دون التخلي عن الخصوصيات الثقافية لأبنائه[8].

أ‌- تعاريــف:

لقد استأثر موضوع اللغة[9] بقدر واسع من اهتمامات قدامى اللغويين العرب، ويعد ابن جني(ت390هـ) أبرز هؤلاء الذين شغلوا بأمور اللغة وتقصوا دقائقها وأبرزوا خصائصها. وقد عرفها ابن جنبي بأنها "أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم[10]".

وتحليل هذا التعريف العميق الأبعاد والمركز الدلالة، يؤدي بنا إلى الكشف عن عناصر منطوق بها فيما يمكن أن نسميه "المنظومة اللغوية"، هي: الأصوات والتعبير والقوم أو الناس والأغراض. وقد اشتمل التعريف على أربعة أمور:

1- اللغة أصوات: إذا كان الكثير يربط اللغة بالكتابة وهو وجه من وجهي اللغة، فإن هناك وجها آخر أهم وأسبق منه وهو الصوت فالإنسان نوعا وفردا نطق باللغة أصواتا ثم كتبها ثانيا، وما يؤكد أن الكتابة ليست بالأهمية ذاتها إمكان الاستغناء عنه إذ أن الإنسان قد يتكلم اللغة دون أن يكتبها.

2- اللغة تعبير: الإنسان محتاج للتعبير وإفراغ ما يختلج في نفسه مادام حيا متفاعلا مع ذاته ومحيطه الطبيعي والمجتمعي إنها "ترجمان عما في الضمائر" كما عرفها ابن خلدون، إن التعبير ضرورة إنسانية، من هذا الباب صارت اللغة ضرورة لأنها الأداة الأساس لهذا التعبير التي لا تصل درجتها الوسائل الأخرى كالإشارة والرسم والرمز مثلا، ولذا أعطى الجاحظ للفظ المرتبة الأولى في تصنيفه لأنواع الدلالة حين قال "وجميعُ أصنافِ الدِلاَّلات على المعاني من لفظ وغير لفظ خمسة أشياءَ لا تنقُص ولا تَزيد‏:‏ أولها اللفظ ثم الإشارة ثم العَقْد ثم الخَطّ ثمَّ الحالُ التي تسمّى نِصْبةً والنِّصبة"[11].

3- اللغة ظاهرة اجتماعية: إذا كان النطق أمرا فرديا فإنه خاضع لما توافقت عليه الجماعة في طبيعة الأصوات وطريقة النطق بها وما تعارفت عليه من الكلمات أي الوحدات المعجمية وما تواضعت عليه من التراكيب النحوية، فلا وجود للغة بالفرد وحده منعزلا عن الآخرين مما يؤكد أن اللغة ظاهرة اجتماعية بامتياز. كما يستفاد من قوله "كل قوم"، على حد تعبير الباحث فيصل الحفيان أن اللغة: "ليست ظاهرة إنسانية بالمعنى العام، أي أنها ليست لغة واحدة، فكل قوم أو مجموعة بشرية لها"لغة" تتشكل معهم، وترتبط بهم، تنتج عنهم وتؤثر فيهم"[12].

4- اللغة وسيلة لتحقيق الأغراض: إذا كانت اللغة أصواتا خاضعة لقواعد يحددها المجتمع وكانت تعبيرا وكشفا لما في النفوس والضمائر من المعاني، فإنها تكون بذاك وسيلة لتحقيق أغراض المتكلمين بها سواء أكانت تلك الأغراض مادية محسوسة أم نفسية معنوية، ولقد ذهب إلى الأمر ذاته ابن خلدون مستعملا لفظ المقصود حين قال في تعريفها: "أن اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده"[13] فكلا العالـمين أدخلا الغاية من اللغة في تعريفها وهو تحقيق الأغراض والمقاصد.

إن الربط بين الأصوات والتعبير عن الأغراض يشير إلى مسألة معروفة، هي أن اللغة في حقيقتها انعكاس للفكر، فما نسمعه من أصوات ليس في الحقيقة سوى مرآة للفكر. وعليه فإن تعريف المناطقة للإنسان بأنه حيوان ناطق، ليس معناه أنه يمكن أن يصدر أصواتا، ولكن معناه أنه إنسان مفكر، فالتعبير عن الفكر هو أحد أهم وظائف اللغة كما يرى علماء الاجتماع اللغوي في حقل سوسيولوجيا اللغة[14]. وهذا ما جعل اللغة من المنظور الاجتماعي مدخلا رئيسا لدراسة تطور تفكير الجنس البشري، كما جعل منها نسقا مهما لا يمكن التخلي عنه أو فصله عن الأنساق الأخرى داخل المجتمع، وأكثر من ذلك فإن بنيامين لي وورف-أحد أعلام الفكري اللغوي الأمريكي- يرى أن اللغة تتحكم في الفكر، وتوجهه وجهة معينة، ليس بسبب مفرداتها فحسب، بل بسبب شكل البنية الداخلية أيضا.

إنها تلك الخاصية الإنسانية التي تعكس العقل الجمعي لفئة من البشر وتعبر عن رؤيتهم للعالم من حولهم، وينظر علماء الاجتماع إلى اللغة على أنها حقيقة وظاهرة اجتماعية وتعبير عن تنظيم اجتماعي لمجتمع معين؛ ومن هنا نفهم تعلق كل شعب بلغته؛ لأن الأفراد دائما يرتبطون بأبنيتهم الاجتماعية، إذ يرون فيها مظهرا من مظاهر الهوية أو الوجود، فالعلاقة بين اللغة وأصحابها علاقة تفاعلية يصعب معها الفصل بين الطرفين، فهي هم، وهم هي، وعلى الرغم من ذلك فإن اللغة هوية، وليست"الهوية" لغة، بمعنى أن اللغة ليست المقوم الوحيد للهوية، وإن كانت من أهم هذه المقومات[15].

كما تأخذ العلاقة بين اللغة والتفكير طابعا جدليا، أي أن الأمم تفكر كما تتكلم وتتكلم كما تفكر، فتتموضع الآليات والأنماط تفكيرها في لغاتها وتتسرب أساليب ومستويات تعبيرها إلى هذه الآليات والأنماط فتغدو جزءا منها، وهو ما يرفع تلقائيا أغلوطة الفصل بين اللفظ والمعنى ويجعل منها محض ثنائية صورية تسوغ ذلك التصور الساذج للغة، على أنها محض وسيلة أو حامل أو وعاء للموضوعات والثقافات والأفكار. فالأمة العربية، لا تفكر كما تتكلم وتتكلم كما تفكر فحسب، بل إن اللغة حاملة رسالتها الحضارية إلى العالم هو محمولها في آن[16]، كما يرى علماء اللسانيات أن اللغة والهوية شيء واحد، والمقصود بالهوية هنا هوية الفرد وهوية المجتمع، ولهذا يمكن تأسيس الكيانات الاجتماعية والسياسية على أساس لغوي، ومن هنا تأتي خطورة المكون اللغوي في تحقيق أو زعزعة الاستقرار السياسي للمجتمعات[17].

هذا عن اللغة، أما بخصوص اللهجة فيطلق عليها عدة مصطلحات، نذكر منها: "دارجة"(لغة شائعة)، و"عامية"(لغة العامة)، و"العربية المغربية" أو "العربية اللهجية"؛ وقد جاء في مقاييس اللغة في مادة"لهج" أن "اللام والهاء والجيم أصلٌ صحيح يدلُّ على المثابرَة على الشَّيء وملازمتِه، وأصلٌ آخر يدلُّ على اختلاطٍ في أمرٍ"؛ إن أقرب أصل لما نحن بصدده من أمر اللهجة هو الأول فلهجة القوم أمر يثابرون عليه ويلزمونه حتى يقترن بهم ويصبح من خصوصيتهم ولا يتأتى ذلك إلا بالنطق بها وممارستها وقد عبر ابن فارس ذلك صراحة حين قال "وسمِّيت لهجةً لأنّ كلاًّ يلهَجُ بلُغتِه وكلامه" ويؤكد علاقة اللهجة بالنطق قول العرب "هو فصيح اللَّهجة واللَّهَجَة: اللِّسانِ، بما ينطق به من الكلام" فاللهجة اللسان المنطوق عند قوم يثابرون عليه ويلزمونه فيميزهم عن غيرهم.

وقد استعمل العرب العامية للدلالة على مستوى اللغة العربية الذي يستعملها سواد الناس وعامتهم. وما العامية إلا الوجه الآخر للفصحى محرفا قليلا أو كثيرا على ألسن الناس ونطقهم[18]، وهذا ما عرضه اللغويون القدماء حين تحدثوا عنه في بعض مؤلفاتهم، حيث صنفت كتب في الأخطاء التي تشيع على ألسنة الناس؛ ولم يكن الهدف من ذلك هو دراسة اللهجات العربية دراسة لغوية مستقلة، وإنما إصلاح ما يطرأ من لحن وفساد على ألسنة المتكلمين ورده إلى أصله[19].

ومن المعاصرين الذين عرفوا العامية حسن ظاظا بكونها: "تحريف سوقي لألفاظ كانت من قبْلُ عربية صحيحة"[20]، وهذا تعريف على افتراض صحته أضيق في مفهومه، فالعامي من الكلام العربي بمفهومه الواسع ينسب إلى العامة، وهو كلام الناس أو أحاديثهم العادية، وفي كلام الناس وأحاديثهم تحريف سوقي لألفاظ كانت من قبل عربية صحيحة فصيحة، وفيه الأصيل الذي لم يصبه تحريف سوقي، وفيه الأجنبي الدخيل، كما أن فيه أخلاطا كثيرة من أصول مختلفة مغايرة للفصحى، وعناصر محرفة مستمدة من أصول غير معروفة. وهكذا فالعامية وفقا لهذا المفهوم هي كل ما نطق به أو تكلم به عامة الناس وتصرفوا فيه في أحاديثهم ومخاطباتهم، بكل ما جمعت هذه الأحاديث والمخاطبات من عناصر لفظية فصيحة وغير فصيحة، محرفة أو مغيرة أو مطورة، منقولة من العربية أو من غيرها، وبذلك فهي تقف مقابل الفصحى السليمة، أو اللغة الأدبية الرسمية التي تحرسها أو تحكمها في الغالب نظم ومقاييس تحفظ لها نوعا من الاستقرار[21].

ويذهب الدكتور إبراهيم أنيس بأن اللهجة في الاصطلاح العلمي الحديث هي مجموعة من الصفات اللغوية تنتمي إلى بيئة خاصة، ويشترك في هذه الصفات جميع أفراد هذه البيئة. وبيئة اللهجة هي جزء من بيئة أوسع وأشمل تضم عدة لهجات؛ لكل منها خصائصها، ولكنها تشترك جميعا في مجموعة من الظواهر اللغوية التي تيسر اتصال أفراد هذه البيئات بعضهم ببعض، وفهم ما قد يدور بينهم من حديث، فهماً يتوفق على قدر الرابطة التي تربط بين هذه اللهجات. وتلك البيئة الشاملة التي تتألف من عدة لهجات، هي التي اصطلح على تسميتها باللغة. فالعلاقة بين اللغة واللهجة هي العلاقة بين العام والخاص. فاللغة تشتمل عادة على عدة لهجات، لكل منها ما يميزها، وجميع هذه اللهجات تشترك في مجموعة من الصفات اللغوية، والعادات الكلامية التي تؤلف لغة مستقلة عن غيرها من اللغات[22].





رد مع اقتباس