عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي المقتضب للمبرد بين التراث والنظريات النحوية الحديثة

كُتب : [ 07-02-2016 - 06:46 AM ]


المقتضب للمبرد بين التراث والنظريات النحوية الحديثة
مقدمة بقلم : أ.د. محمود سليمان ياقوت

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين
مقدمة
النظر في اللغة ، والاهتمام بقضاياها ، والتفكير في مشكلاتها من الأمور التي انشغل بها الإنسان منذ قديم الزمان ، وهو يبغي من وراء ذلك الوقوف على أسرارها ، والكشف عن طبيعتها ، ومعرفة كنهها . وكلما مَرَّ الزمن اتسعت معارف الإنسان وتعددت اهتماماته ، وهذا بدوره ينعكس على تفكيره اللغوي الذي يتطور دائمًا مع مرور الأيام. وينبع النظر في اللغة من إحساس الإنسان بوجود صلة نسب بينه وبين لغته التي تؤدي إلى خلق مجتمع إنساني متجانس ، والتي يتعامل بِها في حياته اليومية ، وربما يصل يومًا إلى الكشف عن عقله وسلوكه وملامحه الإنسانية وصفاته الخُلقية وأسس حياته الروحية والفكرية والمادية خلال تفكيره اللغوي .

ويمكن ربط التفكير في اللغة عند الشعوب والأمم القديمة بالوقت الذي اهتدت فيه الجماعات البشرية إلى الكلام ، ومن أرقى أنواع هذا التفكير محاولة الإنسان الأول تمثيل الكلمات الملفوظة برموز كتابية ، ونتج عن ذلك اختراع (الكتابة) التي تُعَدُّ الوسيلة الأولى في حفظ المعارف البشرية من الضياع ، وصيانة التراث الإنساني من الفقدان .

وتؤدي اللغة الدور الأساسي في الاتصال بين الإنسان وأخيه الإنسان ، وهي الوسيلة الرئيسية في خلق الحضارات وبناء المجتمعات الإنسانية ، وهي التي ميزت الإنسان عن غيره من الكائنات الحية ، وتعد من دلائل تكريم الخالق له ؛ لذلك قال الفلاسفة القدماء في تعريف الإنسان إنه (حيوان ناطق) ، وهم يقصدون بذلك مقدرته على التعبير عن أفكاره وآرائه واحتياجاته ورغباته خلال استعمال اللغة ، وتفرده بعالم مخصوص هو النطق التام ؛ فالفصيح هو الإنسان دون غيره من الكائنات الحية .

إن ما يفعله الناس في أي مجتمع من المجتمعات هو الكلام ؛ إذ إننا نعيش في عالم من اللغة ؛ فنحن نتحدث إلى أصدقائنا وزملائنا في العمل أو الدراسة ، وإلى زوجاتنا ، وإلى أزواجنا ، وإلى الأبوين ، وإلى المدرِّسين ، وإلى سائق الحافلة . ونحن نتحدث إلى الآخرين وجهًا لوجه أو عبر الهاتف ، ويعيش البثُّ المسموع والمرئي على الكلمة .

ومن الصعوبة أن تمر لحظة من حياتنا دون كلام ؛ بل إن الأحلام التي نراها في نومنا ، تتم بواسطة الكلمات ؛ فنحن نتحدث فيها مع غيرنا . ونحن نتكلم أيضًا حين لا نجد أحدًا يشاركنا الكلام ، أو ربما نطرح بعض الأسئلة ، ولا نجد أحدًا يجيب عنها ؛ لأننا نتحدث إلى أنفسنا .

وعندما تعرف لغة تستطيع أن تتكلم ، ويستطيع أن يفهمك الآخرون الذين يعرفون اللغة نفسها ، وهذا معناه أنك تملك المقدرة على إنتاج الأصوات التي تحمل بعض المعاني ، وعلى فهم تلك الأصوات وتأويلها ، حين ينتجها الآخرون .

ومن المعروف أن اللغة عبارة عن مجموعة من الأصوات التي تأتلف فيما بينها حتى تتكون الكلمات ، ومن مجموع الكلمات تتكون الجمل التي لابد أن تدل كل واحدة منها على معنى مفيد . ومن هنا نستطيع أن نقول إن عناصر أية لغة ، في الأغلب الأعم ، أربعة :

1 ـ الأصوات ، أو ما يسمى حروف الهجاء ، أو حروف المباني ؛ أي تلك الحروف التي تُبنى منها الكلمات .

2 ـ الأبنية الصرفية ، أو الصيغ forms ، وتدخل في إطارها الكلمات words أو المفردات التي هي عبارة عن مجموعة من الأسماء والأفعال والحروف.

3 ـ التراكيب النحوية ، أو العبارات ، أو الجمل التي تنشأ من ضم الكلمات فيما بينها حتى يتكون لدينا سياق نحوي أو لغوي ذو معنى مفيد .

4 ـ المعنى meaning أو الدلالة .

وقد نالت اللغة العربية الشريفة ، الكريمة اللطيفة عناية القدامى من العلماء واهتمامهم ؛ فدرسوا ما يتصل بها من الأصوات ، وبنية الكلمة ، وتركيب الجملة ، ودلالة الألفاظ ، وجمال التعبير من خلال المعاني والبيان والبديع ، وفوق هذا كله كان الاهتمام الأساسي منصبًّا نحو (كل) ما يتصل بالنص القرآني المقدس ، ونتج عن ذلك تراث علمي رائع في علوم القرآن كافةً ، وفي النحو والصرف والبلاغة والمعاجم والأدب والنقد وغير ذلك ، وما زلنا نعيش على هذا التراث حتى الآن .

وكتاب (المقتضب) لأبي العباس محمد بن يزيد المبرد (210 ـ 285 هـ) أحد مصادر التراث النحوي الأصيلة ؛ لأن أبا العباس ألَّفه ـ كما يقول محققه الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة ـ وقد (تأصَّل تفكيره ، ونضجت ثقافته ، واستوت معارفُه ؛ لذلك كان أنفس مؤلفاته ، وأنضج ثمراته ، وكان المرآة الصادقة التي تجلو مذهبه النحوي في صورة معبرة ، واضحة القسمات ، بيِّنة الملامح) .

وقد اختار اللغوي الشاب الدكتور أحمد سعد البلتاجي كتاب (المقتضب) لدراسته وقراءته وتحليله في ضوء التفكير النحوي عند علمائنا القدماء ، والنظريات النحوية الحديثة ، مركزًا على الموضوعات الآتية :

أولاً ـ علم أصول النحو :

اعتمد القدماء على أربعة أسس هي السماع أو النقل ، والإجماع ، والقياس ، واستصحاب الحال في معالجة قضايا النحو والصرف ، وقد سيطرت تلك الأسس الأربعة على تفكيرهم اللغوي ؛ لأنها استطاعت توجيه عقولهم فيما نشأ بينهم من خلاف ، وفي تغليب رأي على آخر حين تعددت الآراء . وتُعَدُّ تلك الأسس الأربعة الإطار الذي يؤلف البحث المنهجي في (علم أصول النحو) عند القدماء . وقد احتوى كتاب (المقتضب) على كثير من الظواهر اللغوية على وجه العموم استعمل فيها المبرد القياس والسماع وغيرهما في دراستها ، وفي تغليب مذهبه النحوي على غيره من المذاهب ؛ لذلك اختار الباحث تتبع أصول النحو عنده ؛ لأنه يكشف عن كثير من ملامح الفكر اللغوي عند المبرد .

ثانيًا ـ المعيارية والوصفية :

وهما أساس نوعين من النحو : المعياري ، والوصفي . ويهتم النحو المعياري بوضع مجموعة من النماذج التي يجب اتخاذها مثالاً لقياس الاستعمال الصحيح للغة ، وما وافق تلك النماذج يقبله النحوي ويحكم عليه بالصواب ، وما خالفها يرفضه النحوي ويصدر عليه بعض الأحكام التي تدل على الغلط والخطأ . ويركِّز النحو المعياري على طرح القوانين والقواعد التعليمية التي تحكم الاستعمال اللغوي الصحيح . وقد انتشر النحو المعياري في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، ولا يزال تأثيره مستمرًّا في العصر الحالي ؛ خاصة بعد تفشي الفساد اللغوي ، وهو يتمثل في تلك الكتب التي تحدد الاستعمال اللغوي الصحيح . ويختلف النحو الوصفي عن النحو المعياري ؛ لأن النحو الوصفي يهتم بتسجيل الواقع اللغوي كما هو ، دون التدخل في جوانب الخطأ والصواب في الاستعمال الذي نجده بواسطة أبناء اللغة ؛ لذلك يقال عن أصحاب النحو المعياري they wished to prescribe rather than describe the rules of grammar.

ثالثًا ـ تحليل الخطاب :

يستعمل مصطلح (تحليل الخطاب) discourse analysis في تغطية طائفة من مجالات واسعة من الأنشطة ، ومن أمثلة ذلك استعماله في :

ـ علم اللغة الاجتماعي sociolinguistics

ـ وعلم اللغة النفسي psycholinguistics

ـ وعلم اللغة الفلسفي philosophical linguistics

ـ وعلم اللغة الإحصائي computational linguistic

وغيرها من العلوم اللغوية ، على اختلاف بين الدارسين في الاهتمام بنوع الخطاب الذي يتصل بمجال عملهم .

رابعًا ـ النحو التحويلي التوليدي :

تأثر كثير من الباحثين في الوطن العربي بالنحو التحويلي التوليدي transformational generative grammar ، وقد تمثل ذلك في مئات الرسائل والكتب والبحوث التي أخذت بمبادئ هذا النحو وأسسه ومناهج التحليل فيه على نحو ما وضعه رائده Noam Chomsky منذ عام 1957 ، والذين تأثروا بفكره اللغوي في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية . وقد ظهرت اتجاهات جديدة في الدرس اللغوي عند الغربيين ، ومن أهمها ما يسمى بـ(نحو النص) ، ونتج عن ذلك ظهور كثير من الأعمال العلمية التي تبنت هذا النحو في الوطن العربي ، بعد أن استمر الأخذ بالمنهج التحويلي أكثر من ثلاثة عقود .

* * *

وقد استطاع الباحث الجاد الدكتور أحمد سعد البلتاجي أن يقدم تحليلاً علميًّا دقيقًا للتفكير النحوي عند المبرد من خلال كتابه (المقتضب) ، ويكشف عن موقفه من علم أصول النحو ، وما فيه من ظواهر تتصل بالمعيارية والوصفية ، وتحليل الخطاب وما يندرج تحته من علوم لغوية معاصرة ، والنحو التحويلي التوليدي الذي سيطر على الفكر اللغوي في الوطن العربي لمدة ثلاثة عقود .

بقي أن نشير إلى أن هذا الكتاب كان الموضوع الذي اختاره الباحث لنيل درجة الدكتوراه ، وقد أحرز الدرجة بمرتبة الشرف الأولى .

أدعو الله العلي القدير أن يوفق الدكتور أحمد سعد البلتاجي في بحوثه القادمة ، وأن يظل دائمًا أحد الذين يشرفون بخدمة علوم لغتنا العربية الكريمة ؛ لغة القرآن الكريم .

والله وحده ولي التوفيق والسداد


التعديل الأخير تم بواسطة مصطفى شعبان ; 07-02-2016 الساعة 06:50 AM
رد مع اقتباس