زاهي وهبي: نعم، وتُفرِدُ للمعلّقات حضرتك حيزاً في الجزء الأوّل من الموسوعة، كما تتحدّث عن شِعر الصوفيين، عن شِعر الصعاليك، عن شِعر المروءة
جبران مسعود: صح، والوفاء
زاهي وهبي: والوفاء. كيف اخترت نماذجك أُستاذي؟
جبران مسعود: اولاً، كما لاحظت في المُجلّد الأوّل، تحدّثت عن الفنون الأدبيّة
زاهي وهبي: نعم
جبران مسعود: عن الفنون الشعريّة والنثريّة مثل المدح والرثاء والهجاء والفخر والحكمة، وعلى ضوء هذه الفنون اخترت أربابها
زاهي وهبي: نعم
جبران مسعود: في كلّ عصر أخذت من يُمثِّل هذا الفنّ أكثر من سواه. مثلاً حين نقول اليوم الغزل عند العرب، رأساً نُفكِّر بـ "عمر بن أبي ربيعة" كسيّد الغزل الحضري، ونُفكِّر بـ "جميل بُثينة" كممثل الغزل العُذري، مع أنني لم أُهمِل الآخرين. تحدّثت عن "قيس لبنى" وعن "قيس ليلى" وعن "عروة وعفراء" في الغزل العُذري وعن "العرجي"
زاهي وهبي: كان يُنسب الشُعراء في ذاك الزمن لحبيباتهم، كم هذا حلو
جبران مسعود: نعم؟
زاهي وهبي: كانوا يُنسبون أي يُعرّفوا بحبيباتهم، مثلاً "قيس لبنى" و"قيس ليلى" و "جميل بُثينة" وإلى آخره
جبران مسعود: لأن الشِاعر كان لحبيبة واحِدة، والحبيبة لهذا الشاعر
زاهي وهبي: اليوم كم ستعِدّ لتعِدّ؟ كلّ شاعِر (يضحك) كتب مائتي قصيدة لمائتي حبيبة، يلقطهن، وأنا أفهم شعراء اليوم
جبران مسعود: (يضحك) تماماً. أحياناً في الخيال وليس من الضروري أن تكون حبيبته المضبوطة
زاهي وهبي: أُستاذي، كيف تجد تطوّر الشِعر العربي خلال العصور من خلال أبحاثك ودراساتك؟
جبران مسعود: طبعاً الشِعر الجاهلي غير الشِعر الأُموي وغير الِشعر العبّاسي وغير الشِعر الحديث. تطوّرَت اللغة، اللغة نفسها تطوّرت ثمّ تطوّرت الموضوعات. مثلاً، في الجاهلية كان الكلام على الصراع القبلي، على الحياة اليومية البدوية، عن شظف العيش الجاهلي وإلى آخره، عن المروءة والوفاء، عن الفتى العربي. ثمَّ بعد الإسلام نشأ تيار هو التيار الذي أستطيع أن أقول عنه القومي، تيار قومي عربي في الصراع خصوصاً بين العرب والروم
زاهي وهبي: قبل الشعوبية
جبران مسعود: وبين العرب والشعوبيين. نشأ تيارٌ قومي في الشِعر العربي، بمعنى ابتعدنا قليلاً عن المناهِج الجاهليّة مع أنّ الكثيرين احتفظوا بالمطالع الجاهلية. الكثير من شُعراء العصر العبّاسي والأُموي
زاهي وهبي: بقوا يقيمون مطلعاً على الطريقة الجاهليّة
جبران مسعود: ثمّ ينتقلون إلى الغرض الذي يريدونه وإلى الفنّ الذي يُعالجونه
زاهي وهبي: نعم. من هم شُعراؤك؟
جبران مسعود: "المتنبّي" في الدرجة الأولى
زاهي وهبي: لماذا؟
جبران مسعود: هو عالمٌ كامِل، عالمٌ كامِل في الحِكمة وفي التفكير وفي العاطفة، عالمٌ كامِل
زاهي وهبي: قبل أن أتوقّف مع استراحة أخيرة، كم أخذت منك هذه الموسوعة من جهدٍ ومن وقتٍ؟
جبران مسعود: سبع سنوات مع بعض الاستراحات بداعي السفر مثلاً لزيارة أولادي في المهجر
زاهي وهبي: مُحفِّزاتك مثلاً عندما كُنت تشعُر بالتعب، بالسأم، بالملل؟ ما الذي كان يعود ويحفِّزك على إنجازِ هذه الموسوعة؟
جبران مسعود: أنني أُريد أن أُنهيها قبل أن أموت
زاهي وهبي: عُمرك طويل، عمرك طويل إن شاء الله
جبران مسعود: كنتُ دائِماً أقول بأنني أُريد أن أُنهيها
زاهي وهبي: عُمرك طويل. سنتحدّث قليلاً عن شِعر الحداثة وموقفك منه. يبدو أنّك غير مُعجَب أو موافِق على هذا النوع من الشِعر، ولكن بعد استراحة أخيرة نُتابِع "بيت القصيد"
المحور الرابع:
جبران مسعود: (فيديو مُسجّل) عندما كنتُ في صفّ الرابع كان عندنا "النادي الأدبي" في مدرسة الـ i.c.، وكان الطلاّب حين يكتبون موضوعاً إنشائياً حلواً كانوا يلقونه في هذا النادي حيث يجتمع الطلاّب مرّة في الأُسبوع، وكان أُستاذي "فؤاد سليمان" حينها الشاعر المعروف، وكان عندي قطعة عن "لبنان"، وأتذكّر أنّهم وضعوا على لوحة الإعلانات، أحياناً يضعون أسماء الأشخاص الذين يريدون أن يتحدثوا عن الموضوع، فوضع الأستاذ اسم "جبران مسعود" وقلت له، " أُستاذ، أنا اسمي غبريال"، قال لي، "الآن أصبحت تكتُب بالعربيّة و"غبريال" اسم أجنبي و"جبران" هو اسمك العربي"، منذ تلك الأيام في الصف الرابع في مدرسة الـi.c. واسمي "جبران مسعود"، وهذه كانت تتسبب لي ببعض المشاكل أحياناً في المُعاملات الرسمية
زاهي وهبي: هلّ من السهولة أن يُغيِّر المرء اسمه؟
جبران مسعود: صعب جداً
زاهي وهبي: بعدما يكون قد تآلف معه، وحضرتك تعلم ذلك
جبران مسعود: صعب جداً. عندما غيّرت اسمي كنتُ لا أزال حدثاً، كنتُ في السنة الثانية التكميلية
زاهي وهبي: يُقال بأنّ لكلّ إنسان من اسمه نصيب. نصيبك الأكبر كان من "غبريال" أم من "جبران"؟
جبران مسعود: من "جبران"، "غبريال" اسم الطفولة والحداثة أمّا "جبران" فكان في ما بعد
زاهي وهبي: تبدو أُستاذي عندك موقف من الحداثة الشعريّة العربيّة وتتّهم هذه الحداثة الشعريّة بتقويض بنيان الشِعر العربي، لماذا؟ وهي ليست وقفاً على العرب، هذه الحداثة موجودة في الشعر الإنكليزي والشِعر الفرنسي، في كلّ العالم موجودة
جبران مسعود: أنا لستُ عدواً لهذا الشِعر الحديث، لستُ عدواً له، إنما القضيّة هي قضيّة اسم، قضيّة تسمية. الشِعر شِعر والنثرُ نثر. الشِعر هو الكلام الموزون المُقفّى والنثر هو الكلام المُطلق، قد يكونُ مُطلقاً وقد يكون مسموعاً، إنّما الاختلاف في التسمية فقط. وأقول للكثيرين من أصدقائي، من أصحاب الشِعر الحديث، كلامكم رائِع إنّما هو نثرٌ فنّي
زاهي وهبي: مثلاً، هلّ قرأت "أدونيس"، "أنسي الحاج"، "شوقي أبي شقرا"، "يوسف الخال"؟
جبران مسعود: "يوسف" كان أُستاذي
زاهي وهبي: نعم
جبران مسعود: كلامٌ جميل جداً إنّما أنا أُصنّفه في خانة النثر الفنّي
زاهي وهبي: ما المانِع أُستاذي أن يتغيّر البنيان مع الوقت؟ اليوم نحن نجلِس في بيت لبناني قديم ونصوِّر هذه الحلقة من "بيت القصيد"، ننتهي ونذهب إلى بيوتنا وهي شقق على طِراز مُختلِف في عمارة من طوابق متعددة، ماذا يمنع أن يتغيّر بنيان الشِعر وشكله مع الزمن؟
جبران مسعود: ما السبب في ذلك؟ ما الداعي إلى ذلك؟
زاهي وهبي: بأننا لن نستطيع الإضافة على عمارة "المتنبّي" وأمثاله. من يستطيع الإضافة اليوم؟
جبران مسعود: نستطيع أن نُحدِّث الموضوعات، نتقدّم في الموضوعات. مثلاً في الشعر القومي الحديث، مثلاً في الشِعر المسرحي، "شوقي" كتب مسرحيات ولم يكن هنالِك مسرحيات في الماضي، إنما كتب المسرحيات بالشِعر الموزون المُقفّى. هنالك الشعر الحديث الذي تسمّيه حديثاً أنا أُعجَب به ككلام جميل، كأدب جميل، إنّما أنا أُسميه نثراً فنياً
زاهي وهبي: على كلّ حال، هذا موضوع نقاش يطول وقد يقدَّم فيه حلقات الإنسان
جبران مسعود: تماماً
زاهي وهبي: ويستمر في تقديمها، وهو أصلاً بدأ منذ بدأت قصيدة النثر ولا يزال مُستمراً حتّى اليوم
جبران مسعود: تماماً
زاهي وهبي: تبدو أُستاذي مهجوساً بقول "عنترة"، " هل غادر الشعراء من متردِّمٍ"، لماذا عندك هذا الهاجِس؟ هلّ بقي مكان؟ بمعنى لم يبق شيء لتقوله أو لنقوله؟
جبران مسعود: كأنّ "عنترة" يعني هذا. "عنترة" كان متهيباً
زاهي وهبي: قال، "ماذا سأقول؟"
جبران مسعود: قال، "الذي سأقوله الكثيرين قبلي قالوه"، لذلك يشكّ البعض بكلام "عنترة" ويلجأون إلى نظريّة "النحل" في الشِعر الجاهلي ويقولوا، " لا يُمكن أن يكون عنترة قد قال هذا الشِعر لأننا لا نعرِف شِعراً كثيراً قبل عنترة"، وبأنّه منحولٌ لكي يقول بأنّ قبله كان هناك شِعر. طبعاً دائِماً نستطيع أن نقول شيئاً جديداً، دائِماً نستطيع أن نقول شيئاً جديداً. قال "عنترة" كلامه وأتى بعد "عنترة" كثيرون قالوا شِعراً جديداً
زاهي وهبي: هو كيفيّة القول. البشريّة قالت كلّ شيء منذ اليونان والإغريق
جبران مسعود: فقط يختلِف القالب. لذلك يقول "ابن خلدون" أنّ الجميل في الأدب ليس المعنى بل المبنى. يقول أنّ الأدب هو مثلاً ككأس، القالب هو واحد إنما تختلِف المعاني فيه
زاهي وهبي: نعم. و"الجاحظ" قال بأنّ المعاني مطروحة على الطرقات
جبران مسعود: تماما، إنّما القالب بالنِسبة إلـى "ابن خلدون" و "الجاحِظ"، القالب هو الذي يُميِّز أديباً من آخر
زاهي وهبي: نعم، وقدرته على السبك والحبك وكلّ هذا. كتبت القصّة والرواية والدراسات المتنوِّعة أُستاذي ولكن يبدو أنّ اللغة ظلّت شغفك الأساسي. لماذا؟
جبران مسعود: مثلاً في كتابيَّ الأولين، "الرماد الأحمر" و "من مذكرات مجنون"، كانت اللغة عاديّة جداً، لغة ابن بكالوريا، ابن بكالوريا متفوِّق في اللغة. إنّما كلّما تطوّرت طوّرت لغتي، حتّى في الروايات التي كتبتها والأبحاث الأدبية التي كتبتها
زاهي وهبي: نعم. هلّ لا تزال قارِئاً جيداً حتّى اليوم، حتّى هذا العُمر؟
جبران مسعود: لا. لستُ قارِئاً جيّداً
زاهي وهبي: لماذا؟
جبران مسعود: لأنني صرفت كلّ هِمَّتي إلى قراءة المجاميع القديمة في أبحاثي اللغوية والأدبية. أنا مضطرّ للرجوع إلى الكُتب القديمة، من "الأغاني" وغير "الأغاني" ودواوين الشِعر ومجاميع النثر. إنّما قصّرت في قراءة النتاج الحديث
زاهي وهبي: ما هو أكثر ما أغراك في هذه المجاميع أو في أُمهات الكُتُب التي رجعت إليها، أكثر ما أغراك أو ما أثار إعجابك؟
جبران مسعود: هو هذا البحر من المعلومات. هذا البحر من المعلومات ومن التعليق على المعلومات. مثلاً "الأغاني" أو "الذخيرة" لابن "بسّام" و"وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان" لـ "ابن خلكان" ترى بحراً من المعلومات عن شعراء وعن أُدباء، عن قِصص، عن سِيَر حياة، هذا ما جذبني إليها وساعدني في عملي هذا
زاهي وهبي: كيف تُقرِّب كلّ هذه الإبداعات العربيّة العظيمة إلى الأجيال الجديدة؟
جبران مسعود: تكاد تُنسى
زاهي وهبي: للأسف، بينما "شكسبير" يحكي به كلّ العالم
جبران مسعود: تماماً
زاهي وهبي: ومسرحياته تُفدَّم جيلاً بعد جيل وعصراً بعد عصر
جبران مسعود: تكادُ تُنسى لسوء الحظّ مع أنّها ذخرٌ
زاهي وهبي: ما العمل؟
جبران مسعود: العمل أن نعود إلى برامج التربية، نعود إلى وزارات التربية إذا كان هناك من أصحاب الكفاءة في وزارة التربيّة، إلى السياسة العامّة للبلد
زاهي وهبي: قبل أن أطرح المزيد من الأسئِلة على حضرتك سنستمِع أيضاً إلى شهادة في تجربتك من الشاعِر وصديقك الأُستاذ "علي هاشِم"، نسمعه سوياً
جبران مسعود: أهلاً وسهلاً
كلام يوصل:
علي هاشم - شاعِر: ما يجمعني بـ "جبران مسعود"، يجمعني به الإنسان. أنا أنظُر إليه وأتمنّى لو أكون بعضاً منه في إنسانيته وفي فِكره. "جبران مسعود" أعتبره رمزاً شريفاً للصداقة، بتسامحه بوفائه بتضحيته بأنفته إلى آخره، أنا أعتبره مُختَصراً لـ "لبنان" الذي نحلَم به وكيف أنا أتمنّى أن يكون "لبنان" وأنظر إلى هذا الإنسان فأتصوّر "لبنان" الذي نحلم به فيه، هو إنسان مؤمن وعلماني، هو إنسان ابن رجُل دين ولكنّه يعرِف كيف يخُطّ طريقه ومفهومه للدين. "جبران مسعود" كُتلة ضخمة من الفِكر والإبداع، ولا شكّ أنّ كلّ من يُلاقيه في هذه الأيام وقد بلغَ هذه السنّ، أطال الله في عُمره، يلمس وكأنّ عقله وفِكره لا يزال يلمع في جوهره وكأنّه ابن عشرين عاماً. "جبران مسعود" إنسان اللغة تسري في دمه وفي عروقه، هو يعشق اللغة العربيّة لرُقيّها أولاً ولأنّه عربيّ ثانياً، هذا هو "جبران مسعود". أضِف إلى ذلك آخِر ما أتحفنا به الدكتور "جبران مسعود"، "الأدب في عصوره وتاريخه" الذي صدَر عن دار "هاشيت أنطوان" منذ شهرين تقريباً، وهو عملٌ مُدهش لإنسان أنا كنت أُرافقه في هذه المرحلة، واشتغل عليه ما يزيد عن سبع أو ثماني سنوات. أخي "جبران"، سلامٌ عليك لأنّك تُحبّ هذه التحيّة، أسألك، بماذا ستُفاجئنا إن شاء الله؟
زاهي وهبي: شكراً للأُستاذ "علي هاشِم"
جبران مسعود: شكراً أُستاذ "علي"
زاهي وهبي: إذاً، بماذا ستُفاجِئنا؟ هلّ لديك مشروع مُقبِل بإذن الله؟
جبران مسعود: لديّ الآن كتاب بدأت به وكتبتُ ثلاثة فصول من أصل سبعة فصول، عنوانه "غضب الأنين"
زاهي وهبي:” غضب الأنين"
جبران مسعود: "غضب الأنين" وهو غير أنين الغضب، عن ثورتنا كشباب ايّام الانتداب الفرنسي. كنّا نُطالِب بالجيش اللبناني. بعد أن نلنا الاستقلال بقيَ الفرنسيون هنا
زاهي وهبي: أي قبل الجلاء
جبران مسعود: نعم قبل الجلاء، وبقوا متمسّكين، ونحن كنّا نُطالِب ونتظاهر ونقول الشِعر إلى آخره، "غضب الأنين"، وكتاب بعد هذا الكتاب اسمه "عُظماء أقزام"
زاهي وهبي: كيف؟
جبران مسعود: "عظماء أقزام". كثيرون من العُظماء في التاريخ هم أقزام لأنّهم ملأوا الدنيا جُثثاً ودماءً ودماراً
زاهي وهبي: كانوا طُغاة ومستبدين
جبران مسعود: قادة كبار وساسة كبار إنّما هم في رأيي
زاهي وهبي: صغار
جبران مسعود: أقزام. "نابوليون"، "الاسكندر الكبير"، هم ليسوا جبابرة بل هُم أقزام في رأيي
زاهي وهبي: أنت مهموم بالذاكرة الثقافية لبلادٍ، أنا قلتُ في تقديمي لهذا الحوار، مُصابة بمرض فقدان الذاكرة. كيف نُعالِج هذا المرض؟
جبران مسعود: أولاً بالتعليم كما قلت، ثمّ بالإعلام كما تقول، بالصُحف، بالقنوات الإذاعية
زاهي وهبي: حتّى الصُحُف سابقاً كان المشرفون على صفحاتها الثقافية
جبران مسعود: كانوا أدباء
زاهي وهبي: كانوا أُدباء، وذكرنا قبل قليل "يوسف الخال"، "أدونيس"، "أُنسي الحاج"، "شوقي أبي شقرا"
جبران مسعود: ثمّ الصحافة في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين
زاهي وهبي: الذين أسسوا الصحافة
جبران مسعود: كانوا أُدباء كباراً. المُعلِم "بطرس البستاني" أسس ثلاث مجلاّت مثلاً، "وليد يكن" كان صحافياً، "أديب اسحق" كان صحافياً
زاهي وهبي: "دار الهلال"، من أسس "دار الهلال" الشهيرة في "مصر"؟
جبران مسعود: "دار الهلال"، "جرجي زيدان" إلى آخره كانوا أُدباء، أُدباء وصحافيين
زاهي وهبي: كيف من اللازم أن نقنِع صنّاع القرار العرب بأنّ الذاكرة الثقافية هي شيء أساسي في نهضة الأُمّة والشعوب؟ ما زالوا اليوم يقولون بأن إنشاء برج أو بناية أهمّ من "المتنبّي" ومن "عنترة"، عما تتحدثون لي عن "المتنبّي" و"عنترة" و "منترة"؟
جبران مسعود: صنّاع القرار العرب أنت تعرِف عنهم وتعرِف بعضهم، لا يملكون من أمرِهم شيئاً، لا يملكون من أمرِهم شيئاً
زاهي وهبي: للأسف. أُستاذي، يرِد في موسوعتك عن الأدب العربي قول "زهير" في مُعلّقته "سئِمتُ تكاليف الحياة"
جبران مسعود: "ومن يعِش ثمانين حولاً لا أبا لك يسأمِ"
زاهي وهبي: تجاوزت حضرتك الثمانين حولاً
جبران مسعود: أصبحت في السادسة والثمانين
زاهي وهبي: إن شاء الله لبعد المائة بكثير بإذن الله
جبران مسعود: ذرّفتُ عليها، أصبحتُ في بداية السابعة والثمانين
زاهي وهبي: هلّ شعرت أنّ تكاليف الحياة تدفع على الملل والسأم كما شعَر "زهير" في يوم من الأيام؟
جبران مسعود: لا. أنا دائِما متفائِل، دائِماً أعمل، أصحو باكراً وأبدأ بالعمل باكراً، وأنام أثناء كتابتي أو أُفكِّر في كتابة
زاهي وهبي: هلّ تٌساعدك الكتابة على هذا التفاؤل أو على هذا الأمل؟
جبران مسعود: طبعاً لأنّني حين أكتُب أُفكِّر في هذا العمل حين يُطبع وكيف سيكون استقبال الناس لهذا العمل
زاهي وهبي: يهُمّك أن يجِد العمل صدى لدى القرّاء، لدى المتلقّين
جبران مسعود: أنا أُحبّ أدبي، لست متواضعاً أبداً. أُحبّ أدبي وأفخر به وأُحبّ أن يُحبّه الناس وأنّ يتحدّث عنّي الناس، ليس من باب الغرور إنّما من باب أن أُعطى حقّي
زاهي وهبي: نعم. إن شاء الله هذه الليلة نكون ساهمنا ولو مثقال ذرّة كما يُقال في إعطائك هذا الحقّ. أولادك أُستاذي، عندهم هذا الشعور؟ بمعنى هلّ هُم سُعداء وفخورون بأنّ والدهم "جبران مسعود"؟
جبران مسعود: طبعاً
زاهي وهبي: عندك أربعة أولاد
جبران مسعود: أربعة أولاد، عندي بنتان وولدان
زاهي وهبي: ألله يخليهم
جبران مسعود: وكلّهم حبّات قلبي مع تسعة من الأحُفاد
زاهي وهبي: تعرِف المثل اللبناني الذي يقول، " ما أعزّ من الولد إلاّ ولد الولد"
جبران مسعود: "إلاّ ولد الولد" وهذا المثل صحيح بالنسبة لي. أحياناً ابنتي تقول لي، "يا بابا هلّ تحبّ ابنتي أكثر منّي" فأقول لها "نعم" (يضحك)
زاهي وهبي: ماذا يمنحونك هؤلاء الأحفاد
جبران مسعود: عودتي إلى الطفولة، بمعنى عندما ربّيت أولادي ربما لم يكن عندي الوقت الكثير لكن الآن أصبحتُ متفرغاً لأولاد أولادي
زاهي وهبي: عندك وقت لتأخُذ وتُعطي معهم وتسترجع طفولتك. علاقتهم بكُتبك، هلّ لهم علاقة بلغتهم العربيّة، بكتاباتك؟
جبران مسعود: لسوء الحظّ لا، إنما إحدى حفيداتي قرّرت مؤخراً أن تتبنّى كُتُبي وأن تجمعها عندها وأن تكون هي قيِّمة عليها حتّى إذا ما سُئِلت يوماً ما عن جدِّها تكون هي الناطقة باسم جدّها الذي يكون قد رحل
زاهي وهبي: برَافو عليها. أُستاذ "جبران مسعود" سُعِدت جداً بالحوار مع حضرتك، شرّفت "بيت القصيد" ونوّرت "بيت القصيد"، أمدّ الله في عُمرِك وأعطاك المزيد من الصحّة والهِمّة لإثرائنا بمزيد من الكُتُب والموسوعات
جبران مسعود: أنا أشكُر لك هذه الالتفاتة، أنا مُعجب بـ "بيت القصيد"، "بيت القصيد" هو قصيدة كامِلة على كلّ حال
زاهي وهبي: ألله يخلّيك
جبران مسعود: قصيدة رائِعة جداً، وأُتابِع برنامجك على مدار السنة. وفّقك الله وجعلك من الذين يُعلون من شأن هذه اللغة العربيّة وهذه الثقافة العربيّة
زاهي وهبي: ألف شكر، ألف شُكر. طبعاً شكراً لفريق العمل، لمخرج البرنامج الأُستاذ "علي حيدر"، لمنتِجة البرنامج "غادة صالِح". لمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم، الشُكر الأكبر دائِماً لكم. نلتقيكم الأُسبوع المُقبِل على خير بإذن الله.