عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 07-01-2016 - 08:07 AM ]


زاهي وهبي: نعم. كم بالإمكان أن تكون الكتابة مُطهّراً أو تكون مصفاةً لتكرير المتاعب والأحزان والعذابات التي يمرّ بها المرء؟جبران مسعود: ما من شكّ، الكتاب والقلم هما من أعزّ الأصدقاء للمؤلِف، وما من شكّ في أنّهما يُبعِدان عنه كثيراً من الأشباح المؤلِمة السوداء

زاهي وهبي: أُستاذي، تتحدّث وتقول في مُقدّمة موسوعتك عن انحسار الرؤية القومية الثقافية. ما هي الرؤية القومية الثقافية؟

جبران مسعود: اللغة الفُصحى هي جزءٌ لا يتجزّأ من القومية، وأنا أعتقد أنّ اللغة العربيّة هي التي ستُوحِّد يوماً ما العالم العربي، اللغة الفُصحى هي التي ستوحِد

زاهي وهبي: رغم انتشار العاميّات والمحكيات، وهناك من يُنادي بأنّ هذه المحكيات هي لُغات قائِمة بذاتها!

جبران مسعود: هي لهجات وليست لُغات، وأنا اختلفتُ في الماضي مع أصحاب هذه النظرية

زاهي وهبي: نعم، مع الشاعِر الراحل "سعيد عقل"

جبران مسعود: نعم مع "سعيد عقل" ومع غيره من الذين حاولوا أن يلغوا الفصحى أو أن يُهمّشوها على حساب اللهجات العاميّة، وألقيت يومذاك عدّة مُحاضرات في بعض المحافل وكتبت في بعض المجلّات من غير أن أذكر اسماً لم أذكُر اسماً

زاهي وهبي: نعم، لم ترُدّ على أشخاص بل رددت على رأي أو على فِكر

جبران مسعود: قلت أنّ تحطيم اللُغة الفُصحى هو تحطيم للرابط القوميّ الأساسي في العالم العربي

زاهي وهبي: لكن أُستاذي، هلّ تستطيع اللُغة الفُصحى أن تكون لغة حياة يومية، لغة ما هو مُعاش يومياً؟

جبران مسعود: لا. نحن نتكلّم في اللغة اليومية اللهجة العاميّة، إنّما تُلاحِظ أنّ اللغة الفُصحى لم تبقَ لغةً فُصحى كما كانت في الجاهلية، هي لُغة تتطوّر، لغة الصحافة اليوم هي لُغة فيها شيء من العامية بمعنى لُغة فصيحة مُبسّطة. تستطيع اللغة الفُصحى أن تُماشي العصر، أن تُماشي الحاجات، لا أن تبقى تقهّراً، إنّما تُستخدم في الحياة اليومية بطبيعة الحال كما في كلّ البلدان. في "فرنسا" يتكلّمون لهجاتٍ عاميّة إنّما اللغة الفُصحى فتبقى هي اللغة الأساس في الأدب، في الثقافة

زاهي وهبي: حال اللغة العربية، هذا الانفصام بين اليومي وبين القاموسي أو الكتابي أو بين الشفهي وبين المكتوب له ما يشابهه أو ما يُعادله في اللغات الأُخرى؟

جبران مسعود: لا أعتقد أنّ ذلك بقدر القوة الموجودة في اللغة العربيّة مع العِلم أنّ نحو 70 في المئة من الكلمات العاميّة هي فصيحة

زاهي وهبي: صحيح

جبران مسعود: تقول مثلاً أو نقول: "انا اُخمِّن هكذا" وأُخمِّن هي من فعل خّمّن

زاهي وهبي: نعم، التخمين

جبران مسعود: وهي كلِمة فصيحة وهناك الكثير من الكلمات العاميّة فصيحة إنّما ما الذي يفرق بينهما؟ قواعِد اللغة، بمعنى قواعِد الصرف والنحو والإعراب

زاهي وهبي: حين كنّا صغاراً في القرية كان الأُستاذ إذا أحد التلامذة مثلاً ضرب تلميذاً آخر بحجر وأذى له رأسه كنّا نقول "فدغه". منذ فترة وأثناء بحثي في أوراق وكتب وجدتُ أنّ كلِمة "فدغ" هي فصيحة

جبران مسعود: كثير من الكلمات، إنما كما قلت، الاختلاف هو في الإعراب. في اللغة الدارجة تقول "شفت واحد ماشي" وبالفصحى تقول "رأيته ماشياً"، فقواعِد الإعراب لا تُطبّق في اللهجات العاميّة

زاهي وهبي: نعم. أُستاذي، هلّ تقوم رؤية ثقافية قومية في معزِلٍ عن مشروعٍ نهضويّ قومي؟ بمعنى، في ظلّ هذا الخراب العربي هلّ نحلُم برؤية ثقافية قومية جامعة مُشتركة؟ سمّها ما شئت

جبران مسعود: العالم العربي اليوم عالماً ميؤوساً منه في الوقت الحاضر. مُعظم الدول العربيّة تُباع وتُشترى في سوق النخاسة الدولية

زاهي وهبي: للأسف

جبران مسعود: هذا ما يؤثِّر كثيراً على الثقافة وعلى اللغة. طبعاً اللغة والشعور القومي والنهضة السياسية يتكاملون

زاهي وهبي: حتّى الاهتمام، إذا تُلاحِظ أُستاذي ميزانيات وزارات الثقافة العربيّة أو موازناتها السنوية لا تُقارَن بموازنات الوزارات الأُخرى، تجدها شحيحة جداً، لماذا؟ عند الأمم الأُخرى يختلِف الموضوع. في أوروبا ترى مثلاً وكنّا نتحدّث قبل بدء الحوار، بيوتاً للفنانين ومزارات ومتاحِف، لماذا نحن مختلفون عنهم هكذا؟

جبران مسعود: هذا دليل تخلّف، هذا تخلّف، هذا هو العصر الرديء. نحن نمرّ في العصر الرديء خصوصاً بعد "الربيع العربي" الذي سمّوه ربيعاً عربياً وهو مؤامرة دولية كُبرى على هذا العالم العربيّ حتّى لا يتوحّد، حتّى لا يبقى قوياً، حتّى لا يشعُر بالعِزّة القومية

زاهي وهبي: نعم. في خمسينات وستينيات القرن الماضي كانت هناك أحلام، كانت توجد تطلّعات كُبرى، وكأنّ جيلكم حينما كنتم شباباً في تلك الفترة كأنّ ظروفكم كانت أفضل من ظروفنا

جبران مسعود: ما من شكّ في ذلك. كنّا نتعاطف مع أيّة قضيّة عربية. مثلاً أذكُر أنني في سنة 1947 كنتُ في السابعة عشر من عمري ونظمتُ قصيدتي عن "فلسطين". كُنّا نشعُر بالقضايا العربيّة. إذا قامت نزعة عربيّة مُعيّنة في بلدٍ عربيّ مُعيّن كنّا نعيش تلك النزعة

زاهي وهبي: نعم

جبران مسعود: كنّا نعيشها ونتمنّى أن نُشارِك فيها. اليوم نسمع عن كذا عدد من القتلى في البلد الفُلاني وفي القطر العربي الفُلاني وكأنّه خبرٌ عاديّ ولا نتفاعل معه

زاهي وهبي: هلّ تعتقد أنّه من الممكن لهذا الخراب الكبير أن يزيد في وعينا؟ أن يؤسّس لنوعٍ من صدمة، نوعٌ من هزّة للوعي وللضمير وللعقل العربي؟

جبران مسعود: آمل ذلك، آمل ذلك، إنما لا أعتقد أنّ هذا سيحدُث في الوقت القريب

زاهي وهبي: نعم. حضرتك لم تكتُب فقط قصيدة في عمر السابعة عشر بل أصدرت في عمر الثامنة عشر أوّل كُتُبك

جبران مسعود: أوّل كتاب لي هو "الرماد الأحمر". الرماد هو عبارة عن التقاليد البالية والأحمر يعني أنّ تحت هذه التقاليد البالية

زاهي وهبي: توجد نار

جبران مسعود: نار وجمر يكوي، وكان كتاباً متطرّفاً ضدّ الإقطاع الديني والإقطاع الزمني والتقاليد البالية، ودعوت فيه إلى التزاوج، إلى أن تتزوّج المسلِمة مسيحياً والمسيحيّة مسلماً

زاهي وهبي: نعم، الزواج المُختلط

جبران مسعود: الزواج المُختَلَط، حتّى أنّ إحدى المدارِس حرَّمته

زاهي وهبي: إحدى؟

جبران مسعود: إحدى المدارِس حرّمت قراءته

زاهي وهبي: أفّ!

جبران مسعود: إنّما انتشر انتشاراً هائِلاً. ومما يُشرِّفني في هذا الكتاب أنّ "مارون عبّود" تحدّث عنه في الإذاعة اللبنانية

زاهي وهبي: الأديب الكبير وهو من هو

جبران مسعود: الأديب الكبير، وعندما قصدته في "عاليه" كان اُستاذاً في "عاليه" وعندما رآني قال لي، "هذا أنت الذي تحدّثت أنا عنه؟ أنظر يا ابني، يُمكنك أن تفتخِر طوال حياتك أنّ "مارون عبّود" تحدّث عنك"، وهذا كان صحيحاً

زاهي وهبي: أُستاذي، حضرتك أساساً من بلدة "أرصون" في "المتن"

جبران مسعود: نحن في الأصل من "أرصون" نعم

زاهي وهبي: وقلت لي قبل الحوار انّ الكثير مما كتبته هو من وحي "أرصون" والجبل اللبناني

جبران مسعود: من وحي " أرصون"، كنّا نصطاف في "أرصون" وعندنا بيتُ هناك وعندنا رزقٌ هناك، إنّما كنّا نصطاف لنحو شهرين ونعيش حياة القرية، حياة القرويين. مع البقرة والحمار عند الفلاّح ومع العيون والينابيع، ونصطاد. وكنتُ حين أصطاد والآن أندم على الصيد طبعاً، أقطف عنقوداً من العِنب من كرمِنا هناك وأضعه في "عين حاكورة قيس" وأتأمّل. الأفكار التي دوّنتها في ما بعد أكثرها كان من وحي طبيعة أرض "أرصون"

زاهي وهبي: قبل أن نتوقّف مع استراحة حضرتك ابن منطقة "الأشرفية" في "بيروت"

جبران مسعود: نعم

زاهي وهبي: تغيّرت "الأشرفية" أليس كذلك؟

جبران مسعود: تغيّرت كثيراً بوجود هذا البناء الجديد وناطحات السحاب. كثيرون من أهل "الأشرفية" حين أُجلوا عن بيوتهم سكنوا خارِج "الأشرفية"

زاهي وهبي: هلّ تتكيّف مع هذه المُتغيّرات؟

جبران مسعود: قليلاً جداً

زاهي وهبي: قليلاً. على كلّ حال ماذا سنفعل، هذه سنّة الحياة

جبران مسعود: واقع الحياة

زاهي وهبي: واقع الحياة. سنُتابِع مع حضرتك وسنتحدث أكثر عن الشِعر والنثر عند العرب من خلال موسوعتك نستمِع إلى المزيد من الآراء بتجربتك ولكن بعد استراحة سريعة

المحور الثالث:

جبران مسعود: (فيديو مُسجّل) عندي حوالى ثلاثين كتاباً بين دراسات أدبيّة، بين قصص، بين روايات، بين أبحاث لغويّة، وخصوصاً "الرائِد"، قاموسي "الرائد" الذي أسس لطريقة جديدة في عمل المُعجَم. في الماضي كانت المعاجِم مرّت بأطوار. مثلاً أوّل مُعجم عربي هو كتاب "عين" لـ "الخليل بن أحمد". أسمته كتاب "العين" لأنّه يبدأ بحرف العين. لماذا بحرف العين؟ لأنّه أخذ الحروف من مخارجها، من مخارِج الحلق بمعنى أنّ العين هي أعمق حرف في الحلق وأخذ يصعد بالأحرف إلى أن وصل إلى الأحرُف اللسانية مثل "الثاء" و"الذال"، وأسماه كتاب "العين". بعد ذلك صدر كتب مثل كتاب "لسان العرب" لـ "ابن منظور" بحيث تجد الكلمة من الحرف الأخير وليس من الحرف الأول. مثلاً شرِب، هرَب، ضرب تجدينهم في حرف "الباء"، وكانت الغاية من هذا الكتاب للشعراء الذين يريدون استحداث قافية كلِمات معيّنة، مثلاً قافية على حرف الباء، فيجدون في حرف الباء كلّ هذه الكلمات. هذه الطريقة كانت أساساً من أجل هذه الغاية. بعد ذلك في القرن التاسع عشر استُحدِثت طريقة جديدة للمعلِّم "بطرس البستاني" في كتابه "محيط المحيط"، الذي جمّع الكلِمات تحت جذرٍ واحِد، يسمّونها "العائلة الواحدة"، مثلاً مدرسة، تدارس، اندرس، كلّها تحت حرف "الدال" وكلّهم يرجعون إلى جذر واحِد وهو حرف "الدال"، هذه أيضاً سهّلَت. طريقتي أنا كانت الحرف الأوّل، هذه كانت طريقة جديدة والآن مُعتَمَدة في كلّ المعاجِم العربيّة ومُعتَمَدة في المعاجِم الثنائية، مثلاً عربي- فرنسي، عربي – إنكليزي، عربي- روسي، يتّبعون هذه الطريقة ويُشيرون في مقدّماتهم أنهم رجعوا إلى مُعجم "الرائِد" في طريقة تصفيف الكلام

زاهي وهبي: وهذا هو " الرائِد"، مُعجم أو قاموس مُهِمّ جداً وهو من منشورات "دار العلم للملايين"، يفيد كلّ مهتمّ، ليس فقط في اللغة إنّما في الكتابة والدراسة وبكلّ مناحي الحياة بحيث يُمكن للمرء أن يُثقف نفسه من خلاله. لم نتمكّن من حمل الموسوعة معنا إلى الاستديو لأنّها

جبران مسعود: (يضحك) عشرة كيلوغرامات

زاهي وهبي: عشرة كيلوغرامات، ثمانية مجلّدات كبيرة، لكن دعنا أيضاً قبل أن نتحدّث أكثر أن نسمع رأياً إذا سمحت، هذه المرّة من مسرحي معروف وفنّان لبناني هو الأُستاذ "مروان نجّار"

كلام يوصل:

مروان نجّار – كاتب مسرحي وتلفزيوني: لأننا أولاد حيّ واحِد، لأنّ والده الكاهِن العظيم الذي حين كنّا صغاراً كان هو الذي يُعطينا البُعد الروحي في المنطقة وهو الذي زوّجني، وهناك الكثير من الذكريات الطيّبة مع آل "مسعود"، كانت توجد علاقة إنسانية خاصّة لا يُمكن أن تتواجد مع هكذا إنسان. أعطاني النفس الأدبي إلى جانب حّبنا للّغة، أحببنا بالأدب. تصوّري شغلة مملّة إلى درجة بقدر التعابير الجاهليّة القديمة تحوّلت عندنا إلى دُرَر علينا أن نتعامل معها. حتّى عندما علّمنا "جبران مسعود" كانت سنة ذهبيّة في حياتي، كان حينها يكتُب قاموس "الرائِد" وعشنا معه ولادة القاموس، أنا أكثر من غيري، لأنني دخلت إلى بيته وشاهدت "الفيشات" وحملت معه أوراقاً وشاهدت كيف كان المُعجم يُطبخ من داخله إلى خارِجه. أذكُر بأنني طبّقت الشِعر القديم الذي أصبحنا نتقنه بفضله، طبّقته وكتبت للأُستاذ "جبران" قصيدة مديح. قلت له:

أجبران "أرصونَ" بن أعلى أرومةٍ و"أرصونُ" مجدٌ وابن "أرصون" أمجدُ

بغيرك هلّ تلقى البلادة رائِداً ولولاك هلّ يرقى البيانُ ويسعدُ؟

مروان نجّار: وأتذكّر منذ سنتين حين كنت على الغداء معه، لأنني لا أقطع علاقتي مع أساتذتي وفي طليعتهم الأُستاذ "جبران"، فاجأني بأنّه أتاني بنسخة Photocopy عن الورقة التي أعطيتها له في تلك السنة، حين كان عُمري أقلّ من سبع عشرة سنة. طبعاً أكتب شعراً عظيماً، لكننا سجّلنا لحظة عظيمة كبّرها هو أكثر عندما احتفظ بها. لـ "جبران الخوري مسعود" معي الكثير، منذ أن كنتُ صغيراً إلى أن أُصبح كهلاً إذا الله مدَّ في عُمري، لا أنسى أثر "جبران مسعود" عليّ. أُستاذ "جبران"، عندما أسست مدرستك منذ زمن، وفي السنة التي تلت ذلك على ما أذكُر حين كنت أتحدّث معك وقلت لي أنّك بعثت 80 تلميذاً إلى البيت، قلت لك: " هلّ معقول بأن أحدهم قد بدأ المدرسة وصرف كلّ هذه المصاريف ولم يؤمِن شيئاً بعد ويُرسل تلاميذه إلى البيت، بينما الذين يؤسسون مدارِس يبحثون عن التلامذة؟"، وقلت لي عبارة، " أريد أن أتوسّع في العمق ولا أريد أن أتوسّع في الأُفُق". هلّ لا تزال لغاية الآن مقتنعاً أُستاذ بأنّ الحياة التي عشتها والحياة التي نحن عشناها وراؤك والنصيحة التي نريد أن نُعطيها للذين جاؤوا بعدنا تتطلّب أن نتوسّع إلى هذه الدرجة في العُمق؟

زاهي وهبي: جزيل الشُكر للأستاذ الفنان "مروان نجّار"، تفضّل

جبران مسعود: كان شاعراً حين كان في المرحلة التكميلية

زاهي وهبي: نعم، بعد ذلك أخذه المسرح

جبران مسعود: وكان ممثلاً كذلك في الصفّ وفي رحلات الطلاّب. كان يُضفي على الجوّ بهجة خاصّة من فنّه

زاهي وهبي: لكنه لا يزال كاتباً يكتُب للمسرح وللتلفزيون

جبران مسعود: تماماً

زاهي وهبي: إذاً لا تزال تؤمن بتلك المقولة التي قلتها له ذات يوم حول التوسّع في العمق وليس في الأُفق؟

جبران مسعود: لا أزال نعم. لا أزال أؤمن بهذه الوصيّة نعم وشكراً لـ "مروان"

زاهي وهبي: يقول ويسألك بأنّه هلّ هذه النصيحة تصلح للجيل الآتي بعدنا؟

جبران مسعود: العصر اليوم هو عصر السطحية إجمالاً، عصر السُرعة، لذلك نرى الفتى أو الفتاة أمام الحاسوب أو الكومبيوتر لأنهم يجدون فيه سهولة بدلاً من اللجوء إلى الكتاب

زاهي وهبي: نعم

جبران مسعود: نحن اليوم في عصر السُرعة وعصر السهولة

زاهي وهبي: هذه سمة الكوكب كلّه، سمة العرب للحقيقة

جبران مسعود: سمة العالم إجمالاً، لكن عند غيرنا نرى عُمقاً كذلك، نرى سطحيةً ونرى عُمقاً. النسبة الأكبر إجمالاً اليوم هي للسطحية

زاهي وهبي: أريد أن أتحدث قليلاً عن الشعر لو سمحت لي لأنّ موسوعتك، صحيح هي عن الأدب بمُختَلف مجالاته ولكنّك تُفرِد للشِعر مساحة واسعة في الموسوعة. كما هو معروف لدى العرب صناعتان النثر والشِعر، هلّ لإحداهما فضل على الأُخرى؟

جبران مسعود: الشاعر شاعِرٌ والناثر ناثرٌ، كلاهما جناحا الأدب. لا أجد فرقاً كبيراً بين " المتنبّي" وبين "الجاحظ"، "المتنبّي" سيّد السادات في الشِعر والجاحِظ سيّد السادات في النثر لكلّ واحدٍ منهما فضل

زاهي وهبي: لماذا نشعُر بأنه لدى الكثيرين رغبة في أن يكونوا شُعراء وهم يكونون ناثرين مبدعين في نثرهم؟

جبران مسعود: تماماً. السبب أنّ الشِعر يُغنّى، الشعر موسيقي، لذلك الشاعِر في الماضي كان يُنشِد شِعره، وكانوا يقولون أنشد فُلان القصيدة الفُلانيّة ولم يكونوا يقولون ألقى هذه القصيدة، بمعنى أنّ ميل الشِعر الموزون المُقفّى إلى اللحن وإلى الغناء جعل الكثيرين يتمسكون بالشُعراء

زاهي وهبي: الشعراء العرب يتعاطون مع الشِعر حتّى اليوم في بعض المُجتمعات العربيّة، وكأنّ الشاعِر أعلى رُتبةً من سواه

جبران مسعود: هذا ما قلته في المقدِّمة. قلتُ من قال أنّ الشاعِر أعلى مرتبة من الناثر؟

زاهي وهبي: هلّ أعطانا النثر نصوصاً بمستوى وقيمة ما أعطانا إيّاه الشِعر العربي؟

جبران مسعود: خذ "نهج البلاغة" مثلاً، خذ "نهج البلاغة"، هو قمّة الأدب، قمّة العطاء الفِكري والعاطفي والوجداني. في "نهج البلاغة" تجد النثر وتجِد النفحة الشِعريّة ضمن هذا النثر

زاهي وهبي: إذاً المسألة ليست مُبارزة أو مُفاضلة بين الشِعر والنثر

جبران مسعود: كلاهما يتكاملان

زاهي وهبي: يتكاملان مع بعضهما البعض

جبران مسعود: أنا بدأت بالشِعر، أنا بدأتُ وكنتُ في السادسة عشر من عمري وبدأت شاعراً وعندي ديواناً من أربعين قصيدة لكنّي لستُ شاعِراً

زاهي وهبي: كيف عرِفت أو تيقّنت أنّك لستَ شاعِراً؟

جبران مسعود: لأنني لم أُكمِل الطريق

زاهي وهبي: إلى ماذا يحتاج الشِعر؟ إلى جانب الموهبة طبعاً، إلى ماذا يحتاج؟

جبران مسعود: العاطفة طبعاً، العاطفة، الموهبة، المَلكة الأدبيّة، المَلكة اللغوية، هذا كلّه يُتمِّم العمل الشعريّ

زاهي وهبي: كونك تُجيد الإنكليزية والفرنسيّة، بماذا يمتاز الشِعر العربي عن سواه من شِعر بقيّة الأُمم؟

جبران مسعود: لا أستطيع أن أقول بأنّه يمتاز، لكلّ أُمّة نهج معين في الأدب

زاهي وهبي: نعم

جبران مسعود: "شكسبير" غير "المتنبّي" مثلاً، أو "فيكتور هوغو" غير "المتنبّي"، لكلّ أُمّة نهجها الخاصّ في الأدب

زاهي وهبي: نعم، لا يمكننا أن نقارِن أو نفاضل

جبران مسعود: أن تقول أنّ هذا الأدب أفضل من ذاك لا. مثلاً "اليونان" القدامى أعطوا الملاحم ونحن لم نعرِف الملاحِم إلاّ مُترجمة في العصر الحديث

زاهي وهبي: نعم، ولكن عرِفنا المُعلّقات

جبران مسعود: عرِفنا المعلّقات التي لم يعرِفها الغرب


رد مع اقتباس