من قناة الميادين : برامج بيت القصيد الاديب والباحث الاستاذ جبران مسعود
زاهي وهبي: مساءُ الخير أديبٌ ومثقفٌ موسوعيّ تجاوز الثمانين ولم يسأم ولم يقعُد عن العمل والبحث والتفتيش والتدقيق حتّى أعطانا وقد بلغ من العُمر عتيّة، موسوعةً يعجزُ دونها الشباب. وكأنّ عشقه للغة الضاد وإرثها العظيم يُجدّد روحها وسنيه حتّى يغدو ممتلئاً شغفاً وحماسةً وحبّاً بما يكتُب ويُقدِم من ذاكرةٍ ثقافيّة لبلادٍ تبدو للأسف الشديد مُصابةً بمرض فقدان الذاكرة. يحلّ علينا ضيفاً كريماً جليلاً وعَلَماً من أعلام لبنان الذي يبقى رغم كلّ مآسيه وأزماته منارةً إبداعيّةً منتصرةً بدم الشهداء وحبر الأُدباء، مثلما يظلّ "بيت القصيد" منبراً لأجيالٍ وتيّاراتٍ وأمزجةٍ إبداعية متنوّعة، بيتٌ يتّسع ويُضاء بقاماتٍ باسقةٍ كضيفنا الجليل الأديب والباحث الأُستاذ "جبران مسعود". أهلاً وسهلاً بك شرّفت "بيت القصيد"
جبران مسعود: شكراً على هذه المقدّمة
زاهي وهبي: تستأهل أكثر. أولاً مبروك الموسوعة، موسوعة الأدب العربي التي من ثمانية أجزاء، ثمانية مُجلّدات كبار صادرة عن "دار نوفل"
جبران مسعود: دار "هاشيت أنطوان”
زاهي وهبي: "هاشيت أنطوان”. عملٌ فعلاً تستحقّ عليه التحيّة والإكبار، إضافةً أيضاً إلى أعمالِك السابقة ومنها المُعجم المعروف "الرائِد" وهو رائِدٌ في مجاله. تقول أُستاذي في مقدّمة الموسوعة قُمتُ إلى عملي هذا وقد بلغتُ من العُمر عتيّة، سؤالي قبل أن نُشاهِد ربورتاجاً مع حضرتك هو، ما الذي دعاك وقد بلغتَ من العُمر عتيّةً أن تقوم إلى مثل هذه المهمّة؟
جبران مسعود: كما ذكرت في مقدّمتك شغفي باللغة العربيّة، شغفي بالتراث العربي بالذاكرة الثقافية العربيّة لاسيّما حين أرى هذه العُجمة، هذه الهُجنة التي تُسيطر على عالمنا العربيّ إجمالاً وعلى "لبنان" خاصّةً. بتنا نُعجَب باللغة الفُصحى عند بعض الأُدباء ولكننا قلّما نراها عند الكثيرين منهم وعند الإعلاميين وعند عامّة الناس. هذا ما دفعني إلى أن أكون كما قُلت لبنة في هذا البناء الضخم الذي هو الثقافة العربيّة. عملي ليس الأوّل ولن يكون الأخير
زاهي وهبي: طبعاً
جبران مسعود: ولكنّه إسهامٌ في إنعاش هذه الذاكرة الثقافية العزيزة جداً على قلبي
زاهي وهبي: وهو أكثر من مُجرّد لبِنة، هو مدماك حقيقي في مجاله أُستاذي. اسمح لي أن نراكَ في "علامة فارِقة" ثمّ نتوسّع أكثر في الحديث عن اللغة والموسوعة وشؤون أدبيّة وثقافية
علامة فارِقة:
جبران مسعود:
— طبعاً شرّفتموني أنت اليوم على أساس أنني أنا "جبران مسعود" المعروف كمعلِم وككاتب منذ زمن، اسمي الأساسي "غبـريال" ولكن حين بدأت بالكتابة تحوّل اسمي إلى "جبران" لأن اسم "غبـريال" أجنبي قليلاً والحال لا يمشي به
— الذي أنجزته كان خلال مسيرتي التي بدأت بالمسيرة التعليمية في عمر الـ 21 سنة، والمسيرة التأليفية في عمر الـ 18 سنة، وما زلت مستمراً لغاية الآن بالتأليف ولو أنني قد أوقفت التعليم. إن شاء الله إنّ أمدّ الله في عمري سأُعطي المزيد من المؤلّفات ومن العطاء الأدبي
— فخورٌ جداُ في إنجازاتي في حقل التعليم وإنجازاتي في حقل التأليف
— قدوتي في الدراسة كان أُستاذي "فؤاد سليمان" الشاعر المعروف وفي الحياة كان قدوتي والدي
— فُرَصٌ كثيرة رفضتها، فُرَص حتّى سياسية ودبلوماسية رفضتها ولا أندم عليها لأنني حين رفضتها كان من اللازم أن أرفضها
— قبل حرب " لبنان" كُنتُ معروفاً جداً في الأوساط الأدبية والأوساط التربوية والأوساط التعليمية، لكن أنا وأدت نفسي، دفنت نفسي وأنا حيّ عندما نشأت الحرب اللبنانية التي وجدتها حرباً خبيثةً جداً، شرّيرة جداً وآثرت الابتعاد عن الجوّ الأدبي
— كتبتُ كتابي كي لا تتلاشى الذاكرة الثقافية عندنا
— نصيحتي لجيلي اليوم أن يرجعوا إلى الأصالة، يرجعوا إلى الأصالة الوطنيّة، الأصالة العربيّة لأنّ العولمة التي تبنّتها الدول العُظمى هي فخّ للشعوب الضعيفة
— هنا صورة زوجتي والبقية هم الأولاد. هنا صور تخرّج الأولاد الأربعة عندما نالوا شهاداتهم من الجامعة الأميركية وصور الحفداء المُشكّلة
— الحبّ جوهرٌ في الحياة، جوهرٌ من جواهر الحياة. لا يُمكن للمرء أن يعيش من دون حبّ، يكون ناشفاً، يكون جامداً كورقة الخريف الذي لا قيمة له. الحبّ عرفته مع زوجتي، كان الحب معها قد بدأ في حزيران وكانت تُدرِّس في الـ "i.c." معي وكان اللقاء في غرفة المُعلّمين، وفجأةً حدث نوع من الانجذاب نحوها وهذا كان حبّي الكبير، حبّي الأكبر واستمرّ 35 سنة لحين وفاتها
— أشتاق للتعليم أجل، لكن ليس بشكلٍ أنّه بين الجرس والجرس أُعطي حصّة لا، أن أُعطي مُحاضرة في صفٍّ من الصفوف. أن أعطي درساً لا أُمانِع وأن أعود وأرى التلامذة أمام عيناي، الشباب والصبايا وأن أسترجِع أيام زمان
زاهي وهبي: أولاً ألف رحمة على زوجتك وأطال الله في عُمرك
جبران مسعود: ألله يُسلِّمك
زاهي وهبي: أُستاذي، سأتوقّف عند عدة نقاط مرّت في كلامك، ولكن موضوع الحبّ. كم الحبّ هو مسألة ضرورية ليس فقط في العلاقة العاطفية بين رجل وامرأة، بين إنسانين، الحبّ المُطلق بمعنى حبّ الحياة، حبّ العمل، حبّ اللغة، لغّة بلد الإنسان وقوميّته؟
جبران مسعود: الحبّ هو العطاء. لا تستطيع أن تعيش من دون أن تُعطي، أن تُعطي من قلبِك أن تُعطي من عقلِك. طبعاً هذا الحبّ يكون للطبيعة أحياناً، يكون للكتاب أحياناً، يكون للجار، للأليف، إنّما الحبّ المُتداول هو الحبّ البشري، الحبّ الذي يجذب إنساناً إلى إنسانٍ آخر. هذا الحبّ عرفته كما ذكرت هنا في المقدّمة، عرفته مع زوجتي، عرفتها كما ذكرت وطال الحب خمساً وثلاثين سنة
زاهي وهبي: هلّ يستمِرّ الحبّ كلّ هذه السنوات؟
جبران مسعود: استمرّ الحبّ كلّ هذه الفترة إلى أن توفّاها الله
زاهي وهبي: نعم. شغف الإنسان في الحياة وفي الأشياء التي يُحبّ أن يقوم بها، هلّ يزداد مع العُمر أم ينقُص؟
جبران مسعود: بالنسبة لي، توقّف هذا الشغف بحبّ الحياة لفترة من الزمن، أوّلاً بما أصابني من وفاة، ثانياً ما أصاب "لبنان" من حرب لذلك قلت " أنا في الحرب وأدتُ نفسي"
زاهي وهبي: استوقفتني هذه الجملة. لماذا الحرب جعلتك تئِد نفسك؟
جبران مسعود: لأنني أدركت أنّ هذه الحرب شرِسة وشرّيرة وألا مجال للكلِمة الصادقة فيها، لا مجال للأدب الصادق فيها فلهذا السبب انزويت. عدتُ بعد الحرب إلى الحياة وكنتُ قد انبعثتُ من بعد هذا الوأد وألّفتُ كتابين وحضرتُ تكريمين وعُدتُ إلى الحياة الطبيعية الأدبيّة كما كُنتُ في السابق
زاهي وهبي: ذكرتُ اسم " فؤاد سليمان" كأحد أساتذتك، الشاعر الذي كان يكتُب باسم "تمّوز"، وهو شاعرٌ مرموق وأديب كبير وتوفّيَ باكراً كان في عمر
جبران مسعود: كان في الثامنة والثلاثين من عمره
زاهي وهبي: كان في عمر الشباب. نفتقِد إلى هذه القماشة من الأساتذة اليوم والمُعلّمين
جبران مسعود: لسوء الحظّ. كان المعلّمون في الماضي حتّى الذين يعلّمون في المرحلة التكميلية الوُسطى، كانوا أشباه أُدباء أو أُدباء حتّى. المعلّمون الذين درستُ عليهم وقرأتُ عليهم كانوا في معظمهم أُدباء ولهم نِتاج أدبي. اليوم لسوء الحظّ المُعلِم مُلقِّن، المُعلِّم يتخرّج بشهادات عُليا أحياناً ولكنّه ملقِّن أكثرَ منه أديباً أو شاعراً
زاهي وهبي: طبعاً هناك فرق بين المتعلِّم والمُثقّف كما تعلم
جبران مسعود: تماماً. المُتعلِم يجمع شهادات، المُثقف هو، "المثقف" كلِمة مُصعّدة من تثقيف الرُمح، "ثقَّف الرمح" أيّ قوّمه، والمُثقف هو المُقوّم ليس في العلوم فحسب أو في الأدب فحسب بلّ في الأخلاقيات وفي الاجتماعيات. هو الرجل شبه الكامل
زاهي وهبي: يُمكننا أن نقول "المقوَّم" و "مقوِّم"؟
جبران مسعود: المقوَّم يقوِّم. المقوَّم إجمالاً من طبيعته، من شغفه ومن حبّه أن يُقوِّم الآخرين ولا يستطيع أن يحتفظ بذلك لنفسه، يُحبّ أن يُشاطره الآخرون في هذا التقويم
زاهي وهبي: أُستاذي، أعود إلى مقدّمتك في الموسوعة، "موسوعة الأدب العربي". تقول: "إيماني بأنّ ما سأقوله لن يكون تكراراً مُملاًّ وتقليداً لا يُغني". ما مردّ هذا الإيمان عندك بأنّ الشيء الذي تقوم به ليس تكراراً ولا باعثاً على الملل؟
جبران مسعود: كثيرون قبلي كتبوا في هذه الموضوعات، إمّا كتباً تُشبه الموسوعات أو كتباً فرديّة، وكلّ واحدٍ أدلى بدلوه وأفاد اللغة العربيّة والأدب العربي. إنّما أردتُ أنا أن أُعطي المزيد وأن أكون أحد هؤلاء، وقد يأتي بعدي كثيرون يُتابعون هذه المُهمّة الضرورية لإنعاش الذاكرة العربيّة
زاهي وهبي: نعم. من شدّة عشقك للغة العربيّة تقول عن نفسك بأنّك حتّى أصبحت كالمجذوب المتوحِّد
جبران مسعود: استعمَلتُ هنا تعبير الصوفيّة
زاهي وهبي: الصوفية. عادةً الصوفيون ينجذبون
جبران مسعود: تماماً
زاهي وهبي: إلى الذات الإلهية وإلى العشق الإلهي وينسون الدنيا وما
جبران مسعود: وما فيها، نعم
زاهي وهبي: ما هو سرّ هذا العِشق للغة الضادّ؟
جبران مسعود: قد يكون ذلك عائِداً إلى أساتذتي. درستُ في إحدى المراحل على أُستاذ اسمه "ميشال بشير" وهو مغمور جداً ولكنّه شاعرٌ من الطراز الأوّل. درستُ وقرأت عليه في الصفّ التكميلي الثاني في مدرسة " الثلاثة أقمار"، ثمّ انتقلت إلى الـ i.c. وكان أوّل درس في الـ i.c. مع "فؤاد سليمان" وأذكُر أنّه قرأ علينا هذا المقطع من "جبران خليل جبران"، " من أعماق هذه الأعماق أُناديكِ أيّتها الحريّة فاسمعينا ". هذه الأمور تأخذها من أُستاذك، تعلق في ذهنك إذا كنت مُستعداً للتلقّي. البعض يمرّ على هذه الأشياء
زاهي وهبي: انطلاقاً من تجربتك أُستاذي هلّ يُمكننا أن نقول بأنّ العالم العربي الذي يحتاج اليوم إلى نهضة ضرورية ومُلحّة، ممكن لهذه النهضة أن تكون في التعليم وفي تحديث وتطوير مناهِج التعليم؟
جبران مسعود: أولاً في التعليم، في المناهج، مثلاً إذا نظرنا إلى المناهِج التعليمية في "لبنان" نراها غير مُتجانسة
زاهي وهبي: ومتخلِّفة بعض الشيء
جبران مسعود: مختلِفة ولا تخضع للرقابة أحياناً كلٌ يُغنّي على ليلاه. يجب أن تكون هنالك تربية وطنية موحّدة حتّى ينشأ هذا الطالِب في هذا البلد على منهجٍ واحدٍ في التربية والتفكير الأدبي والثقافي. هذا شيء هامّ جداً
زاهي وهبي: إجادتك للغات أُخرى غير العربيّة مثل الإنكليزية والفرنسية لم تصرفك عن لغتك الأُم بينما نُلاحِظ اليوم عند أجيال مُعيّنة خصوصا ًوأننا بمجرّد أن نجيد عدداً من الجمل في اللغات الأجنبية ننسى العربيّة ولا نعود نهتم بها
جبران مسعود: لحسن حظّي أنني أتقنت الفرنسية والإنكليزية. كان لي من هاتين اللغتين معينٌ هائِلٌ جداً أفادني بالاطّلاع على آداب هاتين اللغتين وعلى الآداب العالمية مُترجمة إلى هاتين اللغتين، الأدب الروسي، الأدب اليوناني، الأدب الصيني والأدب الهندي إلى آخره
زاهي وهبي: لكنّها لم تأخذك من لغتك الأُمّ
جبران مسعود: أبداً، على العكس. هاتان اللغتان جعلتاني أتمسّك أكثر فأكثر بلغتي العربيّة لأنني أدركت أنّ أبناء هاتين اللغتين ما وصلوا إلى ما وصلوا إليه إلاّ بالتمسّك بالثقافة التي نشأوا عليها
زاهي وهبي: لكن لماذا أصبحت اللغة العربية اليوم كالأيتام على موائِد اللِئام، أي كالغريبة بين أهلها وناسها؟
جبران مسعود: نعم، هذا يرجع كما ذكرنا إلى البرامج التربوية. الطفل على الأقلّ في "لبنان" حين يُرسَل إلى دار للحضانة يبدأ بتعلّم الفرنسيّة أو الإنكليزية. يعلّمونه الأناشيد بالفرنسية أو بالإنكليزية بدلاً من أن يبدأ باللغة العربيّة. هذا ينشأ معه ويتربّى معه ويتطوّر معه بدلاً من أن يتربّى على اللغة الأُمّ، ثم ليأخذ من اللغات ما استطاع. يا ليتني أعرِف الألمانية والروسيّة واليونانية فضلاً عن اللغتين الإنكليزية والفرنسية
زاهي وهبي: كلّ لغة أو كلّ لسان هو إنسان جديد يُضاف إلى الإنسان نفسه
جبران مسعود: ما من شكّ
زاهي وهبي: هناك كما نحسّ عند بعض العرب نظرة دونيّة إلى لغتهم العربيّة، أي تسمع شاباً أو صبيّة اليوم يقول لك "أنا لا أقرأ العربية، أنا لا أُشاهد مُسلسلات وأفلام سينمائية عربيّة". هذه العلاقة الدونية مع اللغة لا نُشاهدها عند أُمم أُخرى، عند الروس والألمان والإيطاليين والإسبان إلى آخره
جبران مسعود: هذا يرجع إلى مُركَّب النقص. مُركَّب النقص نشأ عبر العصور، منذ أيام الاحتلال العُثماني ثمّ الاستعمار الفرنسي، وهذا كلّه أبعد الكثيرين من أبناء هذه الأُمّة عن التُراث الصحيح
زاهي وهبي: كيف نُقنِع هؤلاء أنّ لغتهم هي لُغة من أجمل لغات الأرض وأنها لُغة جديرة بالاحترام والتقدير والاعتزاز في الوقت نفسه
جبران مسعود: أنّ نُقوِّم البرامج التربوية أولاً ثمّ أن نُعطيهم الكتاب الذي يحلو لهم أن يقرأونه. في الماضي كان الكتاب المطبوع رخيصاً، كان بسيطاً. اليوم عندنا في الطباعة كُتُب جيّدة تُسوَّق، إنّما نحتاج إلى المعلِّم الصالِح، إلى المدرسة الصالِحة، إلى البرنامج الصالِح، ثمّ أن نبتعِد قليلاً عن هذه العولمة الخبيثة
زاهي وهبي: لماذا تُسمّي العولمة بالخبيثة وفي مقدّمة موسوعتك تقول أنّها غزوة كما غزوات الغرب، كأنّها غزوة جديدة مثل الغزوات التي عرِفتها بلداننا على مرّ السنين
جبران مسعود: لأنّ جوهر العولمة هو سيطرة القويّ على الضعيف، سيطرة الغني على الفقير، أن تعطي القمح وتأخذ التبن، تأخذ الزوان. هذه هي العولمة اليوم، والبعض يفتخر بها وبأنّه يتكلّم الفرنسية أو الإنكليزية وينسى لغته، أو يتكلّم لغته بلكنة أو يتعمّد هذه اللكنة
زاهي وهبي: كي لا نُفهَم خطأً، نحن نُشجِع على إتقان لغات أجنبيّة وعلى إتقان أكثر من لغة ولكن أن نُحافظ ونحتفِظ بلغتنا الأُم
جبران مسعود: يجب أن نتسلّح باللغات الأجنبية لخدمة اللغة العربيّة، لخدمة التراث العربي. أن نأخُذ ما عند الغرب من جيِّد وأن نطرَح ما هو سيّئ، إنما البعض يأخذون السيّئ في التحيّة، في التعاطي اليومي، في السياسة. العولمة هي سياسة، هي وعي، هي ثقافة، وهي اقتصاد
زاهي وهبي: تقول حضرتك أنّ هذه العولمة تنقضّ على ذاكرتنا الثقافية وتُقصي لُغتنا
جبران مسعود: ما مِن شكّ في ذلك، وهذا ما يحصل اليوم
زاهي وهبي: هلّ تعتقد أنّ هذا الشيء يحدُث تلقائياً بسبب تطوّر المجتمعات والاقتصادات الكُبرى، أم لا كما تفضّلت قبل قليل وكأنّه أمرٌ مقصود؟
جبران مسعود: أعتقد أنّه مقصودٌ في جانبٍ منه مقصود. ثم هنالك شيء آخر هو هذه التكنولوجيا الجديدة التي أنتجها هذا العالم القويّ وتمسّك بها العالم الضعيف، العالم في البلدان المـتأخرة، في البلدان الضعيفة. هذا شجّع على أن تستسلم هذه البلدان للعولمة بكلّ معانيها السياسية والاقتصادية والثقافية
زاهي وهبي: نعم، إذاً هناك استسلام في مناحٍ كثيرة سنتحدّث عنه وعن أسبابه وسنستمع إلى بعض الشهادات من زملاء ومبدعين لبنانيين في تجربة حضرتك، ولكن اسمح لنا في البداية أن نتوقّف مع موجَز إخباري سريع نُتابع بعده "بيت القصيد"
المحور الثاني:
زاهي وهبي: إذاً مُشاهدينا الكرام ضيفنا الأديب والباحث الجليل الأُستاذ "جبران مسعود". أُستاذي كما ذكرنا قبل الموجز سنستمِع إلى آراء بتجربتك وبمسيرتك، أوّلها من أحد الزملاء الإعلاميين الذين يتميّزون بإتقانهم اللغة العربيّة وبحرصهم على هذه اللغة وتدريسهم لهذه اللغة، الإعلامي والأكاديمي الأُستاذ "بسّام برّاك"، نسمعه سوياً
جبران مسعود: أهلاً وسهلاً به
كلام يوصل:
بسّام برّاك- مدير كليّة الإعلام في الجامعة الأنطونيّة: "جبران مسعود" أنيق اللفظ والكلِمة، مثل قامته. عندما يفتح بابه للاستقبال يفتح شهيّةً على اللغة، على الكلمات، على المعاجِم، وعلى جذر الألفاظ. أنا أُعطيه صفة "راهب" اللغة، راهب هذه اللغة لأنه أضاء شمعته فيها بسكون داخل جدران بيته ومع زوجته السيّدة "جوزفين مسعود" التي كانت كاتبة مهمّة جداً. كلاهما تماهيا وتصومعا، لكن في الوقت نفسه أطلّا على الناس بكتبهما، بهذا الصمت المُجاهِر الذي تمكّنا من خلاله أن يُعليا صوت اللغة العربيّة أكثر. أذكر المرّة الأولى التي التقيت به كان لقاؤنا عندما كنتُ في طور التحضير لعمل "إملاء من السرايا"، ولم يكن هذا اللقاء إلاّ مع "جبران مسعود" المرجِع، هرّبت النصّ إليه وقلتُ له، "الق لي نظرتك اللغوية عليه"، فكان كما هو، في ربطة العنق الأنيقة وهذه الابتسامة التي فيها لغة أيضاً، لغة التواصل مع الآخر، فنقّح وأعادَ، ومن حينها شيّدنا صداقة بنويّة وأبوية. اليوم أعتبر عندما أتحدّث عن "جبران مسعود، أعتبر أنّ هناك افتقاداً، أشعُر بوجع هو الوحيد الذي مكنَنا من صون اللغة من بعض الشوائِب أو من الهجمات عليها. كتبه الكثيرة يتحدّث فيها عن أهميّة اللغة العربيّة، وأثناء تحدّثي عنه أشعُر بالافتقاد في الوقت نفسه وكأنني أتكلّم عن شخص صار في "الهيولة" أي شخص لا يُمكننا أن نلتمسه اليوم بقدر ما أنّ مُجتمعنا يبتعِد رويداً رويداً عن اللغة العربيّة التي يُقرِّبني إليها "جبران مسعود". أستاذ "جبران"، أبي اللغوي هلّ تعتبر أنّكَ تمكّنت من أن تتجاوز موت "جوزفين مسعود" ووحدتكَ في البيت من خلال اللغة؟ أي، هلّ وطأت الموت في اللغة العربيّة حتّى تتفجّر منكَ براكين لغوية لغاية اليوم، في العقد الثامن من عُمرك؟
زاهي وهبي: حلو السؤال، حلو الذي قاله عنك وخلفيّته إذا انتبهت "ديوان درب القمر" لأُستاذك "فؤاد سليمان"، تفضّل الجواب عندك. هلّ وطأتَ الموت؟
جبران مسعود: أولاً شكراُ لـ "بسام" الذي اعتبرني أباً وأنا أعتبره ابناً لي، وهو عالِم كما ذكرتُم في المقدّمة، وأكاديمي من الطراز الأوّل وعاشِق للغة العربيّة. هذا ما قرّبنا كثيراً هو عاشِق للغة العربيّة
زاهي وهبي: أُستاذي حين تسمع أشخاصاً أو تشعُر بأنّ تجربتك وصلت إلى أجيال مثل جيلي أنا وأُستاذ "بسام" أو مثل ربّما أشخاص من أجيال أصغر هلّ هذا يُعطيك شعوراً بالرضى؟
جبران مسعود: نعم. بالرضى والتأثّر، أنا أتأثّر كثيراً وتكاد عينايَ تدمعان حين أسمع شهادة كشهادة "بسّام"
زاهي وهبي: نعم، والجواب على سؤاله؟
جبران مسعود: الجواب عن سؤاله فيه غصّة، طبعاً لا يستطيع الإنسان أن يتجاوز الموت، الموت هو من سُنن الحياة، إنّما تبقى الذكرى، تبقى الذاكرة، تبقى الأحلام القديمة وتعود لتنتعِش، إنّما الحياة تستمرّ