استشهاده بالحديث على المعاني المجازية:
ما من ريب أن الحقيقة أصل المعنى الذي أراده المتكلم الاول الذي نطق بالكلمة، ثم فشا استعمالها، واتسع نطاقها حتى أطلقت على معان كثيرة. ومن هنا جاء المجاز أو استخدام الكلمة لتدل على أكثر من معنى واحد وإن كانت هذه المعاني تجتمع في بؤرة تجمع شتى الملامح لهذه المعاني الكبيرة.
قال ابن رشيق معرفاً كلمة المجاز: (ومعنى المجاز طريق القول ومأخذه). وقال: (فصار التشبيه والاستعارة وغيرها من محاسن الكلام داخلة تحت اسم المجاز). ثم أشار إلى أن هذه الكلمة نقلت بعد إلى معنى أخص. فقال: (إلا أنهم خصوا به – أعني المجاز – باباً بعينه، وذلك أن يسمى الشيء باسم ما قاربه، أو كان منه بسبب)[50].
وأراد من قولة (ما قاربه) الأمر الذي يكون بينه وبين أمر آخر مشابهة، ومن قوله (أو ما كان منه بسبب) الأمر الذي يكون بينه وبين أمر آخر صلة غير المشابهة، كالسببية والمجاز[51].
وهذا المعنى الخاص الذي صارت إليه كلمة المجاز، هو الذي جرت عليه كلمة المجاز في عرف البيانين، فإنهم إنما يطلقونه على اللفظ الذي ينقله المتكلم من معنى وضع له اللفظ، إلى معنى بينه وبين ذلك المعنى مناسبة، أي علاقة، والعلاقة إما المشابهة، وهو الاستعارة. وإما غير المشابهة، وذلك على مبنى ما يسمونه المجاز المرسل.
وإني لواضع أمام القارئ قدراً من استشهاد ابن منظور بالحديث النبوي على المعاني المجازية لاستعمال الكلمات في اللغة.
لقد تناول مادة (القارورة)[52]:
فقال: واحدة القوارير من الزجاج.
والعرب تسمي المرأة القارورة، وتكني عنها بها. وقوله تعالى: {قواريرا، قوارير من فضة}[53]. وقال بعض أهل العلم: معناه أوانيّ من زجاج في بياض الفضة وصفاء القوارير. وفي الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لأنجشة هو يحدو[54] بالنساء: ((رفقاً بالقوارير))[55]. أراد صلى الله عليه وسلم، بالقوارير النساء. شبهن بالقوارير لضعف عزائمهن، وقلة دوامهن على العهد. والقوارير من الزجاج يسرع إليها الكسر ولا تقبل الجبر.
وكان أنجشة يحدو بهن ركابهن ويرتجز بنسيب الشعر والرجز وراءهن فلم يأمن أن يصبهن ما يسمعن من رقيق الشعر فيهن، أو يقع في قلوبهن حُداؤه. فأمر أنجشة بالكف عن نشيده وحُدائه حذار صبوتهن إلى غير الجميل.
وقيل: أراد أن الإبل إذا سمعت الحُداء أسرعت في المشي واشتدت فأزعجت الراكب فأتعبته، فنهاه عن ذلك لأن النساء يضعفن عن شدة الحركة[56].
وقد ذهب هذا المذهب الشريف الرضي في مؤلفه فقال: "وهذه استعارة عجيبة، لأنه عليه الصلاة والسلام شبه النساء في ضعف النحائز[57]، ووهن الغرائز[58] بالقوارير الرقيقة التي يوهنها الخفيف، ويصدعها اللطيف، فنهى عن أن يسمعن ذلك الحادي ما يحرّك مواضع الصبوة، وينقض معاقد العفة"[59].
فالحديث إذاً يحمل على وصف المرأة بالقوارير على الاستعارة التصريحية بجامع الرقة بين المرأة والقارورة. حيث حذف المشبه وصرح بالمشبه به. والاستعارة تعد من المجاز اللغوي.
وكقوله في مادة (وطأ)[60].
وطأ الفرس: دمثّه.
ووطأ الشيء: سهّله.
والوطئ من كل شيء: ما سهل ولان. حتى إنهم يقولون: رجل وطئ، ودابة وطيئة. وفي الحديث: (ألا أخبركم بأحبكم إليَّ وأقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم[61] أخلاقاً، الموطؤن أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون)[62].
قال ابن الأثير: هذا مثل. وحقيقته من التوطئة، وهي التمهيد والتذليل. وفراش وطئٌ: لا يؤذي جنب النائم.
والاكناف: الجوانب.
أراد الذين جوانبهم وطيئة يتمكن فيها من يصاحبهم ولا يتأذى)[63].
وحين ذكر ابن الأثير على ما روى ابن منظور أن الحديث محمول على المثل. وهذا يعني أنه محمول على المجاز.
والجانب المجازي في هذا الحديث. أنه كناية عن صفة اليسر والسهولة واللين. حيث انتقل من الملزوم، والفراش اللّين الذي لا يؤذي جنب النائم إلى اللازم الذي هو سماحة الخلق ولين الجانب عند الإنسان.
لسنا نحاول التوسع في تفصيل استشهاد ابن منظور بالحديث على المعاني المجازية. ولو شئنا أن نستقصي ما حواه معجمه لذهبنا في ذلك إلى مدى بعيد، ولأن المقام يقتضينا الاكتفاء بالصورة المجملة عن الإسهاب. وحسبنا أن نلفت الأنظار إلى أن ابن منظور كان حفياً به.
استطراداته في مسائل شتى:
نحاول في هذه الفقرة أن نسلط الضوء على ما نراه ملامح بارزة في منهج ابن منظور وهو يتناول ما بين يديه من ألفاظ لغوية محتجاً بالحديث على دلالتها. ويمكن حصرها فيما يأتي:
1 - استطراداته في شرح الحديث.
2 - إشارته إلى أحكام عقيدية.
3 - إيراده الأقوال المختلفة في معنى الحديث.
4 - إستطرادات نحوية.
5 - إشارته إلى اللهجات العربية.
استطراده في شرح الحديث:
قد يتبهم المعنى الدقيق في بعض الأحاديث. فلذا نرى ابن منظور يتناول بعض الأحاديث يشرحها ويحللها. فمثلاً عند تفسيره مادة: ((النظرة)).
قال: والنظرة: اللمحة بالعجلة.
ثم أورد الحديث مشروحاً معززاً به معنى النظرة.
فقال: ومنه الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لعلي: ((لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة))[64].
وقال بعض الحكماء: من لم يعمل نظره لم يعمل لسانه.
فنراه مورداً الحديث معززاً به معنى كلمة النظرة. ثم يتناول شرح الحديث لكي يجعل المعنى الذي يرمي إليه الحديث واضحاً راسخاً في الذهن رسوخاً لا تنال منه يد الأيام. فقال: ومعناه أن النظرة إذا خرجت بإنكار القلب عملت في القلب، وإذا خرجت بإنكار العين دون القلب لم تعمل، أي إن لم يرتدع بالنظر إليه من ذنب أذنبه لم يرتدع بالقول[65].
إشارته إلى أحكام عقيدية:
إن المتأمل في معجم لسان العرب، لا يخالفنا في أن يرى ابن منظور يحلل بعض الألفاظ اللغوية تحليلاً عقيدياً.
كقوله في مادة (كفر)[66].
قال: الكفر: نقيض الإيمان.
الكفر: كفر النعمة وهو ضد الشكر. وقوله تعالى: {إنا بكل كافرون}[67] أي جاحدون: كفر نعمة الله، وكفر بها. جحدها وسترها.
وروي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((قتال المسلم كفر، وسبابه فسق، ومن رغب عن أبيه فقد كفر))[68].
قال بعض أهل العلم: الكفر على أربعة أنحاه.
كفر إنكار: هو أن يكفر بقلبه ولسانه ولا يعرف ما يذكر له من التوحيد. وكذلك روي في قوله تعالى: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}[69]، أي كفروا بتوحيد الله.
كفر جحود: هو أن يعترف بقلبه ولا يقرّ بلسانه، فهو كافر جاحد ككفر إبليس. ومنه قوله تعالى: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به}[70]، يعني كفر جحود.
كفر المعاندة: هو أن يعرف الله بقلبه، ويقرّ بلسانه، ولا يدين به حسداً وبغياً كفر النفاق: أن يقرّ بلسانه، ويكفر بقلبه، ولا يعتقد بقلبه.
كفر براءة: كقول الله تعالى حكاية عن الشيطان في خطيئته إذا دخل النار {إني كفرت بمآ أَشركتمونِ من قبل}[71]، أي تبرأت.
وبعد إيراده معاني كفر يتناول أصل المادة ويحللها.
فيقول: وأصل الكفر: تغطية الشيء تغطية تستهلكه. ثم يورد قول الليث معززاً ذلك. قال الليث: إنما سمي الكافر كافراً. لأن الكفر غطى قلبه كله، ويعقب الأزهري على قول الليث بقوله: معنى قول الليث هذا يحتاج إلى بيان يدل عليه. وإيضاحه: إن الكفر في اللغة ((التغطية)) والكافر ذو كفر، أي ذو تغطية لقلبه بكفره، كما يقال للابس السلاح كافر. وهو الذي غطاه السلاح. ثم قال: وفيه قول آخر أحسن مما ذهب إليه – يريد الليث – وذلك أن الكافر لما دعاه الله إلى توحيده فقد دعاه إلى نعمه وأحبها له إذا أجابه إلى ما دعاه إليه، فلما أبى ما دعاه إليه من توحيده كان كافراً نعمة الله، أي مغطياً لها بإبائه، حاجباً له عنها[72].
إيراده الأقوال المختلفة في معنى الحديث:
نرى ابن منظور وهو يستشهد بالحديث على معنى من المعاني يورد الأقوال المختلفة في تفسير عبارة من الحديث لها علاقة بالمادة التي يشرحها. نحو عبارة (تربت يداك)[73].
قال ابن منظور: يقال: تربت يداه، وهو على الدعاء، أي لا أصاب خيراً.
وفي الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((تنكح المرأة لميسمها[74]ولمالها لحسبها فعليك بذات الدين تربت يداك))[75].
قال أبو عبيد: قوله (تربت يداك)، يقال للرجل، إذا قل ماله: قد ترب، أي افتقر حتى لصق بالتراب. وفي التنزيل العزيز {أو مسكيناً ذا متربة}[76].
وقال أبو عبيدة: ويرون، والله أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعمد الدعاء عليه بالفقر، ولكنها كلمة جارية على ألسن العرب يقولونها وهم لا يريدون بها الدعاء على المخاطب، ولا وقوع الأمر بها.
وقيل: معناها لله درك.
وقيل: أراد به المثل ليرى المأمور بذلك الجد، وأنه وإن خالفه فقد أساء.
وقيل: هو دعاء على الحقيقة، فإنه قد قال لعائشة: ((لا تربت يداك)) لأنه رأى الحاجة خيراً لها[77].
هذه ستة معان لكلمة ((تربت يداك)) الواردة في الحديث الشريف أوردها ابن منظور. فأي معنى عناه الرسول (صلى الله عليه وسلم)؟
ويحسن بناء هنا قبل الجواب عن هذا السؤال أن نسوق ما ذكره ابن حجر في شرحه لهذا الحديث.
قال: قوله (تربت يداك) أي لصقتا بالتراب وهي كناية عن الفقر وهو خبر بمعنى الدعاء، لكن لا يراد به حقيقته. وبهذا جزم صاحب العمدة.
وزاد غيره: أن صدور ذلك من النبي (صلى الله عليه وسلم) في حق مسلم لا يستجاب لشرطه ذلك على ربه.
وقيل: معناه ضعف عقلك.
وقيل: افتقرت من العلم.
وقيل: فيه تقدير شرط، أي وقع لك ذلك إن لم تفعل. ورجحه ابن العربي[78].
رأي ابن العربي (فيه تقدير شرط) مقبول. وله وجاهته ورجاحته لأن به يستقيم معنى الحديث، ويتجلى بمراعاته المعنى المقصود، فينبغي أن يؤخذ به في معنى الحديث. وعلى هذا الرأي يكون المعنى. أي لصقت يداك بالتراب وأصبت بالفقر والعوز والضيق والضنك إن ضللت ذات الدين وصدفت عنها.
ومما تجدر الإشارة إليه أن أبا عبيد يرد على من قال: إن قوله ((تربت يداك)) يريد استغنت يداك.
فيقول: وهذا خطأ لا يجوز في الكلام، ولو كان كما قال لقال: ((اتربت يداك)). يقال أترب الرجل، فهو مُترب، إذا كثر ماله. فإذا أراد الفقر قالوا: ترب يترب، ورجل تربٌ فقير. ورجل ترب: لازق بالتراب من الحاجة ليس بينه وبين الأرض شيء[79].
وإننا لنثني بكلمة (طوبى) لنعلم ما ورد في معانيها من أقوال بعض اللغويين والمفسرين.
قال ابن منظور: (طوبى)[80]: شجرة في الجنة. وفي التنزيل {طوبى لهم وحسن مآب}[81].
وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، ((أن طوبى شجرة في الجنة)).
وقيل: طوبى لهم. حسنى لهم.
وقيل: خير لهم.
وقيل: خيرة لهم.
وقال أبو اسحاق: إن العيش الطيب لهم.
وقيل: اسم جنة بالهندية.
وقيل: اسم الجنة بالحبشية.
لابد لنا قبل بيان أصله كلمة طوبى من حيث أنها عربية أم أعجمية.
أن نقول: أن الأقوال التي وردت في معانيها – ما عدا الأعجمية – متقاربة تدل على العيش الطيب لهم.
أما كونها غير عربية. فنستنطق بادئ ذي بدء الجواليقي لأنه من المعنيين بذلك. فنجده يقول[82]:
قيل (طوبى) اسم الجنة بالهندية. وقيل: شجرة في الجنة.
فالجواليقي لم يجزم بكونها عربية أو أعجمية.
ولغرض الاختيار نجد أنفسنا أمام أنظار ناقدة، وعقول فاحصة، لا تستطيب من الكلام، إلا ما كان آخذاً بسبيل التحقيق العلمي، فلا يتدافع مع رواية صادقة، ولا يتراجع أمام امتحان الفكر السديد. فلنستنطقهم. يقول الرازي في التنديد بمن رأى أنها غير عربية: "إن هذه اللفظة ليست عربية، ثم اختلفوا فقال بعضهم: طوبى اسم الجنة بالحبشية، وقيل اسم الجنة بالهندية، وقيل البستان بالهندية، وهذا القول ضعيف لأنه ((ليس في القرآن إلا العربي)) لا سيما واشتقاق هذا اللفظ من اللغة العربية ظاهر"[83].
ويقول أبو عبيدة: "نزل القرآن بلسان عربي مبين، فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول"[84].
ويقول قتاده: (طوبى) كلمة عربية. تقول العرب: طوبى لك إن فعلت كذا وكذا وانشد:
طوبى لمن يستبدل الطول بالقرى ورسلاً بيقطين العراق وفوقها[85]
ومن يتتبع هذه الآراء بالمقارنة يرجح ترجيحاً قوياً أن طوبى لفظة عربية.
استطرادات نحوية:
كإشارته إلى معاني الحروف، فنراه في أثناء تفسيره للكلمة كثيراً ما يومئ إلى معاني الحروف. والدارس لمنهجه يجده ينثر من ذلك في تضاعيف معجمه.
كقوله في مادة (قصر)[86].
القصر: الغاية.
وفي الحديث: (من شهد الجمعة فصلى ولم يؤذ أحداً، بقصره إن لم يغفر له جمعته تلك ذنوبة كلها أن تكون كفارته في الجمعة التي تليها)[87]، أي غايته.
يقال: قصرك أن تفعل كذا، أي حسبك وكفايتك وغايتك. وكذلك قصارك وقُصاراك. وهو من معنى القصر الحبس لأنك إذا بلغت الغاية حبستك.
و((الباء زائدة)) دخلت على المبتدأ دخولها في قولهم: بحسبك قول السوء.
إن ما يسترعي نظرنا من لفظة ((بقصره)) الواردة في الحديث أن ابن منظور قد تنبه إليها وانفرد بها في شواهد. ونحن لا نجد إشارة واضحة من النحويين إلى زيادة الباء في قصره التي بمعنى حسب. وما هو شرح الأشموني – وهو من الكتب النحوية التي تحوي آراء كثير من النحويين – أورد مواطن زيادة الباء. فقال: (وتزاد – يريد الباء – قياساً أيضاً في المرفوع في كل ما هو فاعل لكفى ومتصرفاته، وفي فاعل أفعل في التعجب على مذهب سيبويه، وفي المبتدأ الذي هو حسبك)، ونراه يمثل لتلك الزيادة في باب المبتدأ والخبر بقوله: ((بحسبك زيد)) وقال ابن يعين. وجملة الأمر أن الباء قد زيدت في مواضع مخصوصة، وذلك مع المبتدأ، والخبر الفاعل، والمفعول، وفي خبر ليس، وما الحجازية، أما زيادتها مع المبتدأ ففي موضع واحد، وهو قولهم: بحسبك أن تفعل الخير، معناه حسبك فعل الخير)[88].