عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
أ.د عبد الرحمن بو درع
نائب رئيس المجمع
رقم العضوية : 140
تاريخ التسجيل : Mar 2012
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 806
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

أ.د عبد الرحمن بو درع غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-27-2013 - 11:20 AM ]


أمّا النّماذجُ التي اختارَها صاحبُنا منَ الشّعرِ، فهي نماذجُ تطبيقيّةٌ من دَواوينِ زمرةٍ من الشّعراءِ المشهورينَ، ولكلِّ شاعرٍ نموذجٌ يُحتَذى:
انظرْ - مَثَلاً - إلى عبارة "زَمان الوصل" التي اشْتهرَ بها الشّاعرُ الوَزيرُ الأندلسي لسانُ الدّين ابنُ الخطيبِ:
جادكَ الغيثُ إذا الغيثُ هَمى /// يا زَمانَ الوصلِ بالأندلسِ
و عبارة "باقي الوشم" في شعرِ طَرَفة:
لخولةَ أطلالٌ ببرقة ثهْمدِ /// تلوحُ كَباقي الوشمِ في ظاهرِ اليدِ
وعبارات "ذكْرى حبيب" و"أحقّ الخيلِ بالرّكضِ المُعار" و"شفائي عَبْرَة مُهَراقَة" في شعر امرئ القيسِ، و عبارة "نَوْح باكٍ أو ترنّم شادٍ" في شعر أبي العلاء المعرّي، وقد اقتبسَها ابنُ الوردي في شعرِه، وكذلك قولُه "تَعَبٌ كلٌّها الحياةُ"، وعبارةُ ابنِ الرّومي "ألْقَت بي عَصاها النَّوى"
ذكرْتُك حينَ ألقتْ بي عَصاها النّوى بالنّهْرِ نَهْرِ أبي الخَصيب
وكذا قولُه "ذِئاب في ثِياب" :
ولكن قلَّ ما استكْثَرْتَ إلاّ /// سَقطْتَ على ذئابٍ في ثيابِ
وكذا قوله "اللّوم عَوْن النَّوائب":
دَعِ اللّومَ إنّ اللّومَ عَوْنُ النّوائبِ /// و لا تتجاوزْ فيه حدَّ المُعاتِبِ

وعبارة المتنبّي "لكلّ امرئ مِن دهرِه ما تعوَّدا"
وقوله: "عيد بأيّةِ حالٍ عُدْتَ يا عيدُ"
وقوله: "اليومَ عَهْدُكُم فأينَ الموعِدُ"
وقوله: "بادٍ هَواكَ صبرْتَ أم لَم تصْبِرا"
وقوله: "حُشاشةُ نفسٍ ودّعَت يومَ ودَّعوا"
وقوله: "على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ "
وقوله: "واحرّ قلْباه ممن قلبُه شَبِمُ "
وقوله: "أكُلّ فصيحٍ قالَ شعراً متيَّمُ؟"
وقوله: "الرأي قبلَ شجاعةِ الشّجعانِ "
وقوله: "كَفى بك داءً أن ترى الموتَ شافياً"

وقول أبي نوّاس:
دَعْ عنك لومي فإنّ اللّومَ إغراءُ /// و داوِني بالتي كانت هي الدّاءُ
ومن النّماذِج الشّعريّةِ التي اختصّ بها شُعَراءُ بأعيانِهِم، قول أبي فِراس الحَمْدانيّ: "عَصيّ الدّمع" :
أراكَ عصيَّ الدّمعِ شيمتُك الصّبرُ
وعبارَة: يَد الهَوى:
إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهَوى /// وأذْللْتُ دمعاً من خَلائقِه الكِبْرُ
وقد حذا حَذوَه في هذه العِبارَة ابنُ أبي البشرِ وابنُ أبي حُصيْنَةَ وابنُ النّقيب، وقوله: أحلاهُما مرّ :
وَقالَ أُصَيحابي الفِرارُ أَوِ الرَدى /// فَقُلتُ هُما أَمرانِ أَحلاهُما مُرُّ
وقد احتذى به في هذا العبارةِ الشّاعرُ أديب إسحاق.
وقول ذي الرّمّة "ما بالُ عَيْنِكَ" :
ما بالُ عَينِكَ مِنها الماءُ يَنسَكِبُ /// كَأَنَّهُ مِن كُلـىً مَفرِيَّة سَرِبُ
وقد اشتهر الشّاعرُ المعاصرُ بدر شاكِر السّيّاب ببعض العباراتِ التي اقترَنَتْ باسمِه، وأشهرُها "عيْناكِ غابتا نخيلٍ" :
عَيْناكِ غابَتا نخيلٍ ساعَةَ السّحَرْ /// أو شُرفتان راحَ ينأى عَنهما القمرْ
فَما من شاعرٍ مـُجيدٍ إلاّ وله نموذجٌ يُعْرَفُ بِه ويُحتَذى، ومَعنى ذلِكَ أنّ كلّ شاعرٍ بأنموذجِه وأسلوبِه الخاصّ، مُبتكِرٌ، يمتازُ عن غيرِه بمعانٍ وتراكيبَ شعريّةٍ تخصُّه، وقد يأخذُها عنه اللاّحقونَ.
ويُضيفُ كاتبُ السّطورِ مثالاً واحداً، يُقاسُ عليه ما لا يَكادُ ينحصرُ من الأمثلةِ؛ فقَد أجمعوا على أنّ قولَ أبي الطيب من الاختراعاتِ التي لم يُسبَق إليها ، وهو قولُه :
حَلَفْتُ وَفيّاً إنْ رُدِدتُ إلى الصِّبا /// لَفارَقتُ شَيْبي موجَعَ القلبِ باكِيا

و قد أورَدَ ابنُ حجّة الحَمَويّ، في كتابِه "خزانة الأدب وغاية الأرب" ، في باب "ذِكْرِ سَلامة الاختِراع" كَثيراً من المعاني الشّعرِيّة، ممّا وقَع للشّعراءِ من سَلامة الاختراع، أو المَعاني المُبتَكَرَة، وذكَرَ النّويري في كتابِه "نهايَة الأرب في فنون الأدب" أنّ سلامةَ الاختِراعِ: أن يخترعَ الشاعرُ معنىً لم يُسبَقْ إليه ولم يتبَعْه أحدٌ فيه،كقولِ عديّ بنِ الرقاع في تَشبيه وَلَد الظّبية:
تزجي أغنّ كأنّ إبرةَ رَوْقِه ... قلمٌ أصابٌ من الدّواة مِدادَها
وكقولِ النابغةِ في وصفِ النّسور:
تراهنّ خلفَ القومِ زوراً عيونُها ... جلوسَ الشيوخ في مسوك الأرانب
وكقول أبي تمام:
لا تُنكري عطلَ الكريمِ منَ الغنى ... فالسيلُ حربٌ للمَكان العالي
وقوله:
ليس الحجاب بِمُقْصٍ عَنك لي أملاً ... إنّ السّماءَ تُرَجّى حين تحتجبُ
وقول ابن حجاج:
وإنِّيَ والمولى الذي أنا عبدُه ... طريفان في أمر له طـرفان
بعيداً تراني منه أقرب ما ترى ... كأني يوم العيد في رمضان
وقريبٌ من سَلامَةِ الاختراعِ حُسنُ الاتّباع؛ وهو أن يأتي المتكلمُ إلى معنىً قد اخترعَه غيرُه فيتَّبِعه فيه اتِّباعاً يوجبُ له استحقاقَه، إما باختصارِ لفظه، أو قصرِ وزنِه أو عذوبة نظمه، أو سهولة سَبكِه، أو إيضاح معناه، أو تتميم نقصه، أو تحليته بما توجبُه الصناعةُ، أو بغير ذلك من وُجوه الاستحقاقات؛ كقولِ شاعرٍ جاهليٍّ في صفةِ جمل:
وعودٍ قليلِ الذّنبِ عاوَدتُ ضَربَه ... إذا هاجَ شَوقي مِن مَعاهدِها ذكرُ
وقُلتُ له ذَلْفاءُ، ويحكَ، سَبّبَتْ ... لكَ الضّربَ فاصبرْ إن عادتَكَ الصبرُ
فأحسن ابن المعتز اتباعه حيث قال يصف خيله:
وخَيلٍ طَواها القَوْدُ حتى كَأنها ... أنابيبُ سمرٌ من قنا الخط ذُبَّـلُ
صـبَبْنا عليها ظالـمينَ سياطَنا ... فطارت بها أيدٍ سِراعٌ وأرجلُ
و اتّبع أبو نواس جريراً، واتّبع ابنُ الرّومي النّميرِيَّ.


هذا وإنّ مَنْ يدّعي أنّ الإبداعَ لا تحكمُه مقاييسُ؛ فإنّ دَعْواه هذه قد يتّخذُها مَن لا يُحسِنُ كتابَة الشّعر ذَريعَةً للهروب من المقاييس فلا يَخلو :
- إمّا أن يقولَها شاعِر متمرّسٌ بقولِ الشّعر، فإذا انفكّ عن المقاييس فإنّ شعرَه، على الرّغم من انفكاكِه، يأتي شعراً.
- وإمّا أن يقولَها غيرُ شاعر فيأتي كلامُه نثراً يخلو من روحِ الشّعرِ لعجزِه عن قولِ الشّعر.
وعندما نتحدّث عن مقاييس الشّعر، فإنّما نتحدّثُ عن مقاييسَ جماليةٍ تجعلُ الشّعر كلاماً جميلاً متغلغلاً في الذّات البشرية، ولكنّه لافتٌ للأسماع بإيقاعه الجميلِ، وإلاّ فلا فرقَ بينه وبين النثر.


رد مع اقتباس