من شبكة الألوكة /
نشأة الكتابة في فن الخطابة
د. إسماعيل علي محمد
تاريخ الإضافة: 13/6/2016 ميلادي - 7/9/1437 هجري
نشأة الكتابة في فن الخطابة
الخَطابة كفنٍّ يمارَس، وأسلوبٍ يطبَّق؛ هي شيء قديم جداً لم تَخْلُ منه أمة من الأمم، "وإن الاستعداد لها مخلوق مع الإنسان الذي لا غنى له عن الإبانة لغيره عما في ضميره، وعن إقناعه بصدق مقاله وسداد رأيه" [1].
وقد ذكر الجاحظ: أن الخَطابة شيء في جميع الأمم، وبكلّ الأجيال إليه أعظم الحاجة [2].
وأما علم الخَطابة المشتملُ على قواعدها، فقد أتى متأخرًا عن نشأتها، «وأول من دون قواعدها ثلاثة من فلاسفة اليونان في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن الرابع قبل الميلاد: بروديكوس، وبرتا غوراس معاصره، ثم غورجياس سنة 380 ق.م، وفي أواخر القرن الرابع سنة 322 ق.م ظهر أرسطو زعيم فلاسفة اليونان فلم [يترك] شيئًا من أصول هذا الفن إلا ودَوّنه، ونشره في كتابه (الخَطابة)، ومن هذا الحين صارت الخَطابة فنًّا مدونًا»[3].
وهكذا نرى أن اليونانيين هم أول من كتب في علم الخَطابة، واستنبط قواعده.
وجدير بالذكر أنهم كانوا يَعُدّون علم الخَطابة ضمن مباحث ومسائل علم المنطق، وقد ذكر ابن خلدون أن أرسطو صنف كتابه في المنطق وجعله مشتملا على ثمانية كتب، وعدّ منها كتاب الخَطابة.
ثم ذكر أنها تُرجِمت كلها في الملة الإسلامية، وكَتبها وتداولها فلاسفة الإسلام بالشرح، كما فعله الفارابي وابن سينا ثم ابن رشد من فلاسفة الأندلس [4].
«وقد أتى ابن سينا في كتاب الشفاء بلب كتاب الخَطابة لأرسطو مع تصرف غير ضار، وبنقل كتاب الخَطابة لأرسطو صار في العربية قواعدُ للخَطابة مدونةٌ في بحث مستقل، وإن كان جزءً من علم المنطق على ما رأيت»[5].
ثم اتجه بعض الباحثين في العصور الحديثة إلى إحياء قوانين الخَطابة، ونشر المدفون من آراء العلماء فيها، وذلك بعد النهضة التي بعثت روح اليقظة في الخَطابة في العصور المتأخرة، وأظهرُ كتاب ظهر في ذلك كتاب (علم الخَطابة) للويس شيخو، فقد جمع في كتابه هذا خلاصة ما كتبه أدباء العرب وفلاسفتهم، وما تُرجم إلي اللغة العربية من قوانين الخَطابة وقواعدها، ومع أنه لم يَخْل من مآخذ وملاحظات؛ إلا أن له فضلَ السبق [6].
ثم تتابعت الكتابة في علم الخَطابة بعد ذلك، وكثرت التآليف والمؤلفون، وخاصة مع الاهتمام بتدريس الخَطابة في معاهد ودور العلم، ومع زيادة الحاجة إليها في الميادين السياسية والقضائية والإصلاحية، وغيرها.
[1] فن الخَطابة وإعداد الخطيب. الشيخ علي محفوظ. ص 20. دار الاعتصام. القاهرة.
[2] البيان والتبيين. لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ 3 / 12 - 13، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون. دار الجيل. بيروت.
[3] فن الخَطابة. علي محفوظ ص 21، الخَطابة. أبو زهره ص 13 - 14.
[4] مقدمة ابن خلدون، تأليف عبد الرحمن بن محمد بن خلدون 3/ 1138 - 1139 بتصرف. تحقيق د/ علي عبد الواحد وافي. دار نهضة مصر. القاهرة. وكتاب أرسطو في المنطق، المشار إليه اسمه «الأورجانون»، ومعنى هذه الكلمة باليونانية: الآلة». أي أنه آلة تعصم الفكر من الخطأ. السابق: من تعليق المحقق.
[5] الخَطابة. أبو زهرة. ص 16.
[6] السابق ص 17، ومن بين الملاحظات التي ذكرها الشيخ أبو زهرة على الكتاب: أن فيما كتبه كثيرًا من ما يتعلق بالمنطق قد وضعه في الخَطابة، كما أن فيه جفافا في الكتابة يجعله غير قريب للمتناول، وأن المؤلف في أكثر المسائل لا يقدم رأيه بل يترك القارئ وسط نقول وآثار.
رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/104325/#ixzz4ClVSjuTD